www.FreeArabi.com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

جنحة صغيرة

قصة قصيرة جدا بقلم : صفاء حسونه 

عن دنيا الوطن

 

      قرع جرس المدرسة مؤذنا ببداية الفسحة.

أسراب التلاميذ و التلميذات يتدافعون من الفصول نحو الساحة. كثيرون منهم أتجه فوراً صوب المقصف يتزاحمون على الوصول إليه أولاً.

ترتفع أصواتهم في جلبة و تمتد أيديهم الصغيرة بما لديهم من قروش إلى" أم أكرم" عاملة المقصف.

تأخذ نقودهم و تعطيهم مما عندها من حلوى و أكياس طعام خفيفة و عصير بارد.

بعضهم تشده رائحة الحلوى و الطعام في الخارج. فيما راح البائعون هناك في الصياح على ما لديهم من أشياء و أشياء.

يحاول التلاميذ التسلل خارجاً فيصدهم آذن المدرسة. قليلون ينجحون في خداعه و يتسربون…

محمود يخرج من باب الصف الرابع "ب" متثاقلاً في كسل.

يجلس على أقرب المقاعد المخصصة للجلوس ثم يفتح كيساً أسوداً..

يخرج منه رغيفاً من الخبز أعدته أمه و دسته في حقيبته…

يفتح الرغيف فإذا به قليل من زعتر و شريحتين من الخيار…

يدنيه من أنفه ..

يشعر بقرف و يقضمه على مضض…

لقد عوقب هذا اليوم من والده و لا مصروف لديه ..

أعتاد ذلك في المدة الأخيرة و يكاد أن يعد المرات القليلة التي نجا فيها من غضب أبيه و نال مصروفه القليل…

سيارة كبيرة تدخل من بوابة المدرسة و تطلق بوقها عالياً… يبتعد الصغار من أمامها و يفسحون لها الطريق نحو غرفة الناظرة التي كانت في انتظارهم…

ترك محمود مقعده و جرى نحو السيارة …

ثلاثة رجال يترجلون منها و يلقون التحية على الناظرة التي ترحب بهم ..

لقد شده منظر أحدهم: رجل طويل القامة عليه ملامح أجنبية يحمل في يده حقيبة من الجلد بنية اللون. أقترب منه محمود أكثر و أكثر و راح يحدق في الرجل و في حقيبته.

يغيب الرجال الثلاثة في الداخل و يلاحق " محمود" …

ينهره أحد المعلمين و يأمره بالابتعاد…

يبتعد و لكن يبقى في الجوار.

تذكر عندها حقيبته التي تركها في الفصل…

يحشر فيها كتبه و كراساته كل صباح فتبدو مثل كيس. يحملها على كتفه مرة ذات اليمين و مرة ذات الشمال و يسير بها ذهاباً و إياباً كل يوم مسافة لا بأس بها.

أنقطع مقبضها و بليت أرضيتها و بدأت كتبه و كراساته تظهر من خلالها… لقد طلب من والده يوم اشتراها أن يبدلها بواحدة أفضل. نهره و قال: و هذه ما بها؟

إذا تلفت اشترينا لك واحدة جديدة.

تلفت و بليت و لم يشتري حقيبة جديدة..

بعد برهة, خرج الرجال الثلاثة من غرفة الناظرة يقصدون بعض الفصول الدراسية التي بنيت حديثاً في المدرسة.

تذكر هو أحدهم فقد جاء مرات عديدة لتفقد العمال. كان يجلس معهم و يحادثهم . لقد شاهده مرة يشرب الشاي و مرة أخرى يجلس على الأرض و يأكل معهم مما يأكلون.

عاد ثانية للتفكير في الحقيبة. هذه المرة ظهر الرجل بدون الحقيبة.

فهمت, قال محمود لنفسه. تركها في غرفة الناظرة!!

الأمر سهل فهو يعرف غرفة الناظرة جيداً..

كثيراً ما كانت تستدعيه إلى غرفتها لتأنبه و توبخه على درجاته المنخفضة و أحياناً لتسلمه كتباً يعطيها لوالده. كان يخفيها و أحياناً يقطعها.

فجأة يقرر الدخول لغرفة الناظرة من غير استئذان و من دون أن تطلب هي حضوره.

لقد أنتهي تقريباً من تناول رغيفه.

تسلل في خفة حتى وصل الغرفة.

الباب مفتوح…

مر من أمام الغرفة و مد بصره فيها.

لمحها. الحقيبة هناك على أحد المقاعد و الغرفة خالية تماماً.

يبدو أن الجميع مشغول بأمر الزائرين.

يمر ثانية أمام الغرفة…

أحس هذه المرة بالخوف.

يدخل الغرفة و يسحب الحقيبة في هدوء ثم يخرج مسرعاً…

عند الباب يصطدم بإحدى عاملات النظافة..

وقع أرضاً و معه الحقيبة…

تسأله العاملة: لمن هذه الحقيبة؟

يرد في هدوء و بسرعة: هذه حقيبة الرجل الأجنبي. لقد طلبت مني الناظرة أن أحضرها له.

ترد العاملة: طيب يا شاطر أعطها له!

خرج محمود إلى الساحة مسرعاً في اتجاه الجمع و بيده الحقيبة.

أقترب من الرجل الأجنبي و أعطاه الحقيبة في يده .

نظر الرجل إلى محمود في دهشة …

و قال: "ثانك يو"

ابتسم محمود و عاد إلى فصله….