
ترجمة عن الإنكليزية
نزار
ب. الزين
بشكل
غير قابل للجدل ، فان الجهاز الأكثر تعقيدا من أي جهاز تم اختراعه على أيدي
البشر ؛ هو المخ البشري الحامل للعقل البشري ، فهو المركز الذي يجعل منا بشرا .
و قد ظهرت أوعيته الدموية في جهاز يسمى ( Angiogram ) فكانت من الغنى بحيث تغذي
ثلاث أرطال ( Pounds ) من الأنسجة الرقيقة ؛ أما بلايينه من الخلايا فهي تسيطر
و تنظم الجسد كله بشكل لا زال غامضا الى أبعد حد ، و هو كذلك يستمر يتعلم من
معطيات الحياة و تجاربه معها ، و يدخر الذكريات و يتعامل مع مجمعات التفكير و
مراكز المواهب و القدرات .
لا زال الانسان قليل المعرفة حول هذه الأرطال الثلاثة من النسيج الطري الذي
يجعل منه انسانا ألا و هو المخ ، الا أننا تعلمنا الكثير عنه في العقد الماضي
أكثر مما تعلمناه في العصور السابقة كافة ، و الفضل طبعا للتقنية الحديثة التي
سمحت للباحثين أن يروا كيفية عمله من الداخل و اختبار سمات نشاطاته على المستوى
الذرّي .
يتكون المخ من ماائة بليون خلية عصبية تدعى كل منها ( نورون Neuron ) لكل منها
شعب بعضها مورث و بعضها الآخر ينمو استجابة لمثيرات بيئية أو داخلية كالأحاسيس
المتخيلة .
يستقبل المخ المعطيات من محيطه و يحولها الى رموز يمكن اعتبارها دوافعا عصبية
(كهروعصبية) تطلق رسائل( كهروكيماوية) تسمى ( Glutamate ) تحمل الدوافع من
نورون الى آخر ؛ هذه الناقلات الكهروكيماوية هي أساس الاتصالات الدماغية و هي
تثير النورون لينمي فروعا أخرى ، و قد دلت الدراسات على أن انتاج الفروع يزداد
بسرعة بعد الولادة و تبلغ أقصاها بين أربع و عشر سنوات من العمر ، و في الواقع
فان الطفل خلال هذه السنوات يكون لديه وصلات بين الخلايا أكثر من البالغين و
هذا يعني أن لديه طاقة أكبر للتعلم من البالغين بمقدار الضعف .
وحتى وقت قريب كان الخبراء يعتقدون أن برامج الجينات تؤدي الى نمو الفروع ( أو
الوصلات ) الا أن نتائج بعض الجراحات الدماغية أثبتت أن المخ لديه مرونة أكبر
بكثير مما كان متوقعا و هذا ما يسميه العلماء المرونة التكيفية ( Plasticity )
و هي المسؤولة عن اعادة التأهيل في حالات فقدان جزء من المخ بسبب اصابة ما أو
جراحة .
القسم الأيسر من الدماغ متخصص بالموسيقا و الشعر و الرياضيات و لكن في احدى
الحالات التي استؤصل فيها النصف الأيسر من الدماغ انتقلت المعارف و الامكانيات
الى الجهة اليمنى من الدماغ . هذا الانتقال يبدو و كأنه معارض لمعارفنا
البيولوجية ، و السؤال الذي يطرح نفسه : ترى هل هناك قنوات غير مكتشفة بين شطري
المخ ؟ أم أن كلا الجانبين لديه قدرة كامنة تختزل وظائف الجانب الآخر و نشاطاته
؟ و هل هذه القدرة غير المعروفة هي أقوى قبل البلوغ ( أي أثناء نمو الفروع أو
الوصلات ) من وضعها لدى الراشدين ؟
هناك أمر آخر يجب معرفته ألا و هو أننا نستخدم فقط %10 من قدرة عقولنا
*****
اذا نظرنا الى مجموعة من ثمان خلايا لجنين بشري بدأ لتوه يتكون ، فان ما نراه
بمكبراتنا المتوفرة حاليا يجعلنا نتساءل كيف تتخصص كل خلية بشكل مخالف تماما
للخلايا الأخرى مع أنها جميعا تبدو عند النشأة - مباشرة بعد اندماج الحيوان
المنوي بالبويضة- متشابهة للغاية . و لا أحد يعلم ما اذا كان هذا الجهل هو وليد
قصور المايكروسكوبات المتوفرة حاليا .
و يقول الباحث ( Verlinsky ) أن تخصص الخلايا يبدأ حالما يصبح عددها 100 خلية
أي في اليوم الثالث لبدء الحمل ، و لا يعلم أحد حتى الآن كيفية حصول ذلك و لم
يتم حتى الآن اكتشاف ذلك البنّاء الرئيسي الذي يوجه عماله نحو تخصصاتهم .
في بداية الحمل تنمو الخلايا العصبية الدماغية( النورونات ) بمعدل.( 250.000 )
نورون في الدقيقة الواحدة و يموت نصفها قبل ولادة الطفل ؛ و ان بداية نمو
الدماغ هو أكثر الأجزاء حساسية في عملية النمو كلها ، و معظم المشكلات الدماغية
تبدأ في هذه المرحلة مثل المشاكل المتسببة عن نقص الفيتامينات أو التأثر
بالتدخين أو الكحول أو ارتفاع الحرارة ، فانها تدمر - كلها أو أحدها- بعض
النورونات الدماغية . فاذا أصيبت سيدة حامل ? مثلا - بالانفلوينزا فان
الدراسات ترجح ولادتها لطفل معرض لانفصام الشخصية ( الشيزوفرينيا ) .
ان المعلومات المتقدمة حول دور البناء الفيزيائي للمرضى العقليين غيرت رؤيتنا
لهذه الأمراض بما فيها ( الاكتئاب ) أو ما يسببه الاكتئاب : فالأمراض العقلية
تصيب %20 من سكان الولايات المتحدة و منها الشيزوفرانيا التي تصيب %1 من
الأمريكيين منهم على الأقل (1/3 ) ثلث المشردين ( homeless ) ، و ربما المسؤول
عن حالتهم السيئة هذه.وضعهم الصحي عندما كانوا أجنة .
و الخلاصة أن العلم أدرك الكثير عن العقل البشري الا أنه لا زال يجهل الكثير ؛
و مع تقدم تقنيات البحث و وسائله ثمت أمل كبير في الكشف عن المزيد .