و
الليل .. إذا جاء
قصة قصيرة
وفية خيري
الإنترنت موضوعٌ للقصة القصيرة
قراءة
أحمد فضل شبلول*
دخلت
شبكة الإنترنت فضاء القصة العربية القصيرة، وأصبحت إحدى مفرداتها، بل شكلت
عالما قائما بذاته يتحكم في إيقاع الحياة الخاصة لشخوص القصة. وبعد أن رأينا في
هذه الشبكة منطلقا جديدا لأدب الرحلات الإلكترونية (يراجع كتاب "رحلات سندباد
الإنترنت" لعبد الحميد بسيوني، على سبيل المثال) نجد وفية خيري في قصتها
القصيرة "والليل .. إذا جاء .." تستفيد من هذه التقنية الجديدة في نسج حياة
بطلة قصتها التي تعرفت على جهاز الكمبيوتر وعالمه من ابنها الذي أهداه والده
جهازا بمناسبة نجاحه في الإعدادية. وبدوره يفاجأ الابن والدته بسؤاله عما تفعل
أمام جهاز الكمبيوتر في ساعة متأخرة من الليل؟.
ونعرف من خلال تقدُّم السرد أن الأم مُطلقة، وأنها تعاني من الوحدة والاكتئاب،
فتلجأ إلى تناول المهدئات، وقد وجدت في الكمبيوتر والإنترنت وغرف الدردشة
والبريد الإلكتروني والمواقع المختلفة، تسليتها الكبيرة التي تقضي على أوقات
فراغها ووحدتها، واكتئابها، وخاصة حين يكون وحيدها خارج المنزل.
تقول الأم لابنها: "أنت لا تعرف يا بني مدى عذابي ووحشتي إذا جاء الليل
واضطررت إلى دخول الفراش، حينئذ آخذ في التقلب يمينا ويسارا وأنا أستجدي النوم
فيمتنع عليَّ ويجافيني، وأظل مفتحة العينين، أحدق في سقف الحجرة المظلمة، وقد
سكن كل شيء حولي بعد أن أغلقت حجرتك عليك لتنام".
ومن ثم تلجأ إلى تلك العوالم الجديدة التي بالفعل تنقذها من وحدتها واكتئابها،
ونعرف أنها امرأة جامعية مثقفة، ولكنها لا تعمل، بسبب شروط زوجها، الذي في
النهاية تركها ليتزوج من أخرى.
كل هذا كان حافزا لتحلِّقَ الأم في عوالم الإنترنت، وتجدها بديلا فاعلا عن
حياتها الشقية، وعن روتين العمل في البيت، والاهتمام بالابن، وتحاول أن تجد
حياة أخرى افتراضية، عبر الصداقات التي اكتشفت من خلالها كنوزا من التواصل مع
الآخرين، في مختلف بلدان العالم، لقد انفتح العالم أمام الأم، بعد أن كان مجرد
شقة صغيرة لا تخرج منها إلا فيما ندر، ترعى فيها حياة وحيدها، وعندما يخرج
لمدرسته أو لمقابلة أصدقائه أو المبيت عند والده، تصبح شقتها وغرفتها جحيما
بالنسبة لها.
ومن خلال السرد تتعرض الكاتبة إلى تقنيات الجهاز وبعض مفردات التعامل مع
الشبكة، مثل الضغط على مفتاح يقطع الاتصال بالشخص الذي يسيء استخدام الصداقة،
فيستبعد من قائمة الأصدقاء، وما إلى ذلك.
ومن خلال غرف الدردشة، والبريد الإلكتروني، يعرف الأصدقاء الإنترنتيون أحوال
الأم، بل إنها ترسل صورتها ومعلومات كثيرة عن نفسها، بما فيها عنوانها، فتنهال
عليها عروض الزواج من أماكن شتى في العالم، فهذا مصري هاجر إلى أستراليا وماتت
زوجته ويملك مزرعة هائلة وله ابن، ويرغب في الزواج منها ويعيش الابنان معا.
وهذا أستاذ جامعة فلسطيني يعيش في الأرض المحتلة، غير متزوج، ويطلب زوجة تتحمل
معه حياة الكفاح والصمود والمقاومة. وهذا شاب أردني متزوج يحب مصر، ويرغب في
الزواج منها على أن يقضي معها ستة أشهر في مصر، وستة أشهر مع زوجته الأخرى في
الأردن .. وهكذا.
غير أن أهم ما تقابله الأم على الشبكة شابا من الأرجنتين يدرس الدكتوراه عن
تاريخ مصر الحديث، ويرغب في مساعدتها لإنجاز دراسته، فتكتب له أسماء الكتب التي
من الممكن أن يرجع إليها، وتنشأ صداقة علمية بينهما، فتلخص له وتترجم، وتشعر
أنها تقدم خدمة كبيرة لإنسان في حاجة إليها، ويتحقق التواصل والمؤانسة مع
الآخرين، عبر الشبكة.
هكذا تنقلب حياة الأم رأسا على عقب، وتتحول حياتها إلى أحلام جديدة، وآمال
وردية، فتسرح في الخيال، وتجوب العالم وهي جالسة أمام الكمبيوتر، وتصبح
الإنترنت ضرورة يومية لها، لا تستطيع الاستغناء عنها، في ظل الظروف المعيشية أو
النفسية التي تواجهها في وحدتها وعزلتها.
ونفاجأ في نهاية القصة، بشخص من أصدقاء غرف الدردشة يدق جرس الباب، فيفتح
صغيرها، ويجيبه بأنه أخطأ العنوان. وعندما علمت الأم بذلك تمنت ألا يكون هذا
الشخص هو زميلها في غرفة الدردشة من الأرجنتين، فهي تدين له بالكثير، فقد غيَّر
اتجاهها ونقلها من حال إلى حال. ولكنها تذكرت أنها لم تعط له عنوانها.
ومن خلال إجابة الابن، نستطيع أن نكتشف عدم رضاه عن سلوك أمه على الشبكة،
والترويج لزواجها بهذه الطريقة الإلكترونية، إنه من الجيل الأحدث، جيل
الكمبيوتر والإنترنت، ومع ذلك يرفض بعض نتائج أو بعض معطيات أو بعض آثار الشبكة
التي طالت أمه، فقد أعطت عنوانها إلى أصدقاء غرف الدردشة، وها هم يبدأون في
الوفود إلى المنزل، فكانت إجابته الحاسمة على أولهم. وتحمد الأمُّ اللهَ على أن
ابنها أنقذها من ورطة كانت ستقع فيها.
القصة جديدة في موضوعها، وتتفاعل مع عوالم التقنية الجديدة التي اقتحمت حياتنا
وبدأت تؤثر فيها، واستطاعت الكاتبة وفية خيري، أن تستفيد من تلك العوالم،
وتوظفها توظيفا فنيا من خلال قصتها القصيرة ذات البناء التقليدي، الذي لم تغامر
فيه أو به، على الرغم من مغامرات بطلتها على الشبكة.
-----------------------
*أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية