الأدب  ( 7 ) - الشعر

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

   ص  1   ص  2    ص  3    ص 4   ص 5   ص6   ص8 

 

 الشعر

خطاب الفتى العربي

شعر

المتوكل طه*

 

 

غَنَّيْتَ غَزَةَ أو بغدادَ أو قانا

شواهداً تَزْحَمُ الدُّنيا وصُلبانا

 

كأنها جمرةٌ تحتَ اللسان إذا

لَفَظْتَهَا تَدْلَعُ الأَنْفاسُ نيرانا

 

أو أنّها ظُلْمةٌ تجتاحُ ناحيةً

وفجأة! أبرقت صَهْداً وفُرسانا

 

وغامت الرقعةُ الدكناءُ وانقشعت

عن الجنازاتِ أسراباً ووحْدانا

 

وكومةٌ إثر أخرى ، والحديدُ هوى..

والحارةُ اٌنْشَلَعَتْ تَّلاً وكُثبانا

 

فلن ترى غَيرَ أضلاعٍ السقوفِ على

نثارهَا، وحُطامَ الحيّ عيدانا

.. كأنها ما تبقّى إثْر زَلْزَلةٍ

تُخَسَّفُ الأرضَ بنياناً وَرُكْبَانا

 

أو ما يُخلَّفهُ الطوفانُ من عَدَمٍ..

فكيفَ إنْ أتْبعَ الطوفانُ طوفانا

 

هي التي شهدتْ أنَّ الزمانَ مضى

على رقابِ ضعافِ الناسِ قُربانا

 

 

وأنّ أُمَّتَنا هاَنت ولو ذكَرَتْ

لما أَقرّتْ لهذا الموتِ عنوانا

 

لكنها قد أُبيحت حينما رَضيَتْ

أنْ تجعلَ السادنَ الدهريَّ سَجّانا

 

وأنْ تُساق على ذُلٍّ لفاجعةٍ

أَحَلَّها الظالمُ النّهابُ قُرآنا

 

وصارَ شبهَ نبيًّ في مرابعنا

كلُّ الذي جَزَر الأَعناقَ ميدانا

 

وَصار دهريَ في عصرِ الطوائفِ ما

أبقى على العالَمِ الوحشيِّ غيلانا

 

وأُفرغ الآدميُّ الحقُّ من نَسَغٍ

يقتاتُ من حَقّهِ المنهوبِ إحسانا

 

وأثبتَتْهُ يدُ الحاجاتِ مُضّطَهَداً

وكان، لو أخذَ الأَسباب، سُلطانا

 

لا يحرثُ الأرضَ إلا عجْلُها، ولنا

محراثُنا الأصلُ؛ خيراتٍ وأجْرانا

 

ولم  يَعُدْ من ندى الإنسانِ ما انتظرتْ

حدائقُ الأرضِ إزْهاراً وريّانا

 

واستأذَب الكوكبُ المجنونُ وانحبست

مدامعُ النايِ أشجاناً وألحانا

 

 

وكان ما تشهدون اليومَ من هَلَعٍ

في أرضِ لبنانَ أو ما كان لبنانا

 

أو ما تساقط في الطاحونِ من جُثثٍ

يُفرَّط الجسَدَ المشروخَ رُمّانا

 

وتحصُد المركباتُ السوقَ في زمنٍ

تُلقي به طائراتُ القَذْفِ أطنانا

 

وتحرقُ الانفجاراتُ التي فَهَقتْ

على الشواطئ  آباءً وولدانا

 

وتصرخُ البنتُ، والأصداءُ قد وصلت

لآخرِ الكونِ تمزيعاً وأحزانا

 

ويشهدُ الرملُ أنّ البارجاتِ إذا

قََصَفْنَ يحرقْنَ ألعاباً وفُستانا!

 

وخلفَ صرختها أبناءُ مَنْ قَصَفوا؛

يُؤرجحُ الطفلُ مُوشيه شَعْرَ شُوشانا

 

هذا يموتُ.. وهذا لاعبٌ.. ولنا

أن نقبل الأمرَ: أسياداً وعُبْدانا!

 

هذا هو العَاَلَمُ الأعمى الذي جعلت

فِعَالُهُ من حليبِ الطفل قِطْرانا!

 

* * *

 

 

يا أيُّها الكونُ، لسنا سائغينَ لكمْ

تُوزّعونَ الردى سهلاً ووديانا

 

ولن يَمُرَّ الغزاةُ القاتلونَ ولن

يُخيّمَ الصمتُ في الأرجاءِ إذْعانا

 

وسوف نُحصي شرايينَ القتيلِ إلى

أن ننسجَ العَنْدمَ الفوّاحَ قًُمصانا

 

ونعصرُ الدمعَ من أحجاره وجعاً

حتى نُغَرَّقَ مَنْ أبلى وآذانا

 

ونعرفُ الغازَ في زنزانةٍ خُنِقَتْ

وعَصْبةَ العينِ أنواعاً وخيطانا

 

وكلًّ سَوطٍ هوى في اللَّحم نعرفُهُ

ونعرفُ السّجنَ إذلالاً وقُضبانا

 

ونعرفُ البلطةَ الهوجاءَ إنْ بَقَرتْ..

وَيتَّمَتْ.. وَسَرتْ في الدار شيطانا..

 

ونعرفُ الطَلقَاتِ الحقدَ إنْ فَغَرتْ

رأساً وطيراً وأشجاراً وجيرانا

 

ونعرفُ الجارفاتِ الحقلَ إنْ غَرزَتْ

أنيابَها.. خلعتْ ضِلْعاً وشريانا

 

ونعرفُ الحاجزَ الوحشيَّ إنْ وضَعتْ

حواملٌ نَزْفَها خوفاً وفُقْدانا

 

ونعرفُ الشَّهر والأيامَ إنْ سلَخَتْ

مقاصلُ الذبحِ مَغصُوباً وعَريانا

 

فَمَنْ يُسامحُ، أو ينسى؟ وكيف له؟

ومَنْ سيغفُر في الدنيا الذي كانا؟

 

فلْيسقُطِ الصمتُ عجزاً كان أو طَمَعَاً

ولْيسقُطِ الخوفُ.. والتابوتُ ملآنا

* * *

قد علّمونا بأنّا أَمَّةٌ جَمعَتْ

أَسِنَّةَ الحقَّ فولاذاً ومرجانا

 

وَفتَّحتْ بجهادِ النَّفسِ ظالمةً

لكل نورٍ.. فشاعَ الضَّوءُ فتّانا

 

ووزّعت آيةَ الإنصافِ ما وَسِعتْ..

وقدَّمتْ قَلْبَهَا للحقِّ بُرهانا

 

ولم تُبِدْ في حريقِ الفُرْنِ نابضةً

وما أعادتْ صُنوفَ الموتِ ألوانا

 

وليس فيها تلاوينٌ إذا حكمتْ..

والخَلْقُ كالمِشْطِ أحياءً وأَكْفاَنا

 

 

وما استَحلَّتْ بلادَ الغَيْر واستَلَبت

حقوقَهُ واعتدتْ زُوراً وبُهتانا

 

 

بل أشرقتْ في لسانِ القومِ زاهرةً

وفاضَ نعماؤها نهراً وشُطآنا

 

وأعطتِ الرأيَ حِبْرَاً كي يكونَ له

جذرٌ فأنبتَ للآراءِ أغصَانا

 

ورنّمَتْ جَرَسَ الأَحْبَارِ ناشرةً

على ضفافِ بيوتِ الله رُهبانا

 

وَأطلقتْ طَيرَها من يثربٍ فمضى

غيماً يُظلّل عدناناً وقحطانا

 

وخاضتِ الخيلُ صفواناً فكان لها

حتى استوت دربُها في أُمّ دُرْمَانا

 

ومِن مَضاربِ عَجْمانٍ إلى حلبٍ

ومِن عُمانَ رأت فاساً وتطوانا

 

ومن قُصورِ بني الحمراءِ ساريةً

إلى آواخرِ ما تلقاهُ إنسانا..

 

وقيلَ للغيمةِ العلياءِ لا تقفي

فأينما كنتِ، جاءَ القَطْرُ هَتّانا

 

 

وساد عَدْلُ كتابِ اللّهِ في أَلَقٍ

لم نلْقَ فيه أشوريّاً وكنعانا

 

ولا الأمازيغَ في ردًّ على عَرَبٍ

أو مَنْ يُعيُد إلى رمسيسَ أَسْوانا

 

فكيف مالتْ حُمُولاتُ القوافلِ في

صُعودِها لارتقاءِ المجدِ أفنانا

 

وحَلَّت القسمةُ العجفاءُ قاصمةً

ظَهْرَ التوحُّدِ مملوكَاً وحَمْدانا

 

وغابتِ البُردةُ العصماءُ وانكَشفَتْ

روحُ الخِلافةِ مِن تَتْريكِ عُثمانا

 

وجاءَ فوقَ ظِلالِ الصَّلْبِ مَنْ فتكتْ

سيوفُه أرضَناْ سُمّاً وثعبانا

 

وأصبحتْ كالشّظايا بعدما نُهِبَتْ

وضاعتِ القدسُ صحراءً وجُولانا

 

والقدسُ عاصمةُ الأكوان باكيةٌ

على المآذنِ مِحْراباً ومَروانا

 

سُقوفُها عتمةٌ والصمتُ سيِّدُها

ومُطْبِقٌ حَولَها ظُلْماً وإِمْعانا..

 

ولم يَعُدْ في نواحيها النِّداءُ على

ما يبهجُ الطُرقاتِ البيضَ رَيْحانا

 

دروبُها دونَ خَطْوٍ! أين دَفْقَتُها

في ليلةِ القَدْرِ أشواقاً وتَحْنَانا؟

 

 

وأينَ جَمْعَتُها بعدَ العِشاءِ على

مصاطبٍ أَشْعَلتْ أهْلاً وحِيطانا؟

 

 

أشتاقُ للعرباتِ الخُضْرِ إنْ نَدَهتْ

للبيعِ سُكَّرَها شَهْداً وألْبَانا

 

أشتاقُ للقُدسِ والأبوابُ طافحةٌ

والسوُر مِن صخبِ الأولادِ فَرحانا

 

والقدسُ؟ أين شبابيكُ السماءِ بها؟

ضاعتْ.. ويسكنُها الحاخامُ كاهانا

 

فأين أُمّتُنا والقُدسُ قد قُلِبَتْ

ظَهْراً وقَلباً وأرواحاً وأركانا؟

*  *  *

ولم يزلْ مِن قصورِ الرومِ حاكُِمنا

ولم تزلْ عِلْيةُ الأقوامِ خِصْيانا

 

وذرّرَوا الرافدين، الَقْتلُ مملكةٌ

تُحيطُها مملكاتُ الذَّبْحِ خُسرانا

 

هل العراقُ عراقيٌّ بفتنتهِ

وألفُ طائفةٍ نَسْفاً وعصيانا؟

 

وكلُّها من فُراتِ السّحرِ طالعةٌ

فكيف يصبحُ هذا الموتُ سِيّانا؟

 

 

عمائمُ الفتنةِ السوداءِ لا سَلِمَتْ

إنْ أسْلَمَتْ روحَها عدّاً وعدوانا

 

قد دنّسوا عتباتِ الأولياء، وهل

تجاوزوا عن أَبِ السَّبْطَيْنِ.. إيمانا؟

 

هدّوا المَراقِدَ ، فاخرُجْ يا عَليُّ على

مَنْ جاء ينهبُ آباراً وبلدانا

 

وانظُرْ لبيروتَ! هل هذي عروستُنا؟

تلك التي ركبتْ بحراً وأزمانا

 

وكانت الشمسُ في شرقِ المكانِ إلى

أنْ طاولت في شروقِ الغربِ بُركانا

 

بيروتُ فيروزُ أو أعراسُ عاشقةٍ

والبرقُ إنْ نامَ  أو إنْ قامَ عِمدانا

 

بيروتُ ناجي العَلي المحفورُ في دَمِها

وظَهْرُ حنظلةَ المطعونُ إخوانا!

 

بيروتُ فينيقُ هذا العصر، إن حَرَقوا

غُصْناً.. ترى كوكباً بالأرْز مُزْدانا

 

 

 

 

بيروتُ مارسيلُ إنْ غنَّى لقلعتهِ

ورَبَّةٌ بعثتْ مَيّا وجُبرانا

 

 

ومسرحُ الماءِ والأضواءُ مائسةٌ

في شِعر شوقيَ إنْ أهداهُ مُطرانا

 

وجارةُ الوادِ أو كأسُ الغبوقِ إذا

أَعادنا لزمانِ الوصلِ.. أنْسَانا

 

بيروتُ بغدادُ أو يافا إذا هتفتْ

نمشي ونقطعُ أسلاكاًَ وجُدرانا

 

ويلتقي النيلُ بالعاصي على فَرَحٍ

شوقاً، كما تلتقي قرطاجُ عَمَّانا

 

 

القلبُ ينبِضُ والأضلاعُ واحدةٌ

صوتاً ووجهاً وأحلاماًَ وأحضانا

 

ولن نموت! اصرخوا حتى يعودَ لنا

عصرُ الكراماتِ إحقاقاً وميزانا

 

وعلِّموا الزمنَ القّهارَ أنَّ لنا

نَصْراً نُتَوِّجُهُ رَعْداً ونيسَانا

 

ونرفعُ النجمَ بالأَعلام إنْ خَفَقتْ..

ونزرعُ الأرضَ بيداءً وصُوّانا

 

وَنُرْجعُ الَعْينَ إنْ سَدّوا نوافذَها

بصيرةً، ويَظلّ الصُبْحُ مَسْرانا

 

بيروت رَمْزُ بقاءِ الصامدينَ لها

جسراً، وضاحيةً تبقى، وسُكّانا

 

بيروتُ ساحاتُ تمثالٍ لنورسةٍ

ودمعةٌ رَنَّقَتْ بالسِّرِ غُزْلانا

 

والأَخْطَلُ المُرْتقي في عَرْشِها اجترحَتْ

أشعارُهُ لهفَةً تعلو.. وأوطانا

 

شقيقةُ القدس لا ندٌّ لها، فإذا

بيروتُ قالت يكون الردُّ بيسانا

 

* * *

 

لكننا سَنُعيدُ الأمْرَ ثانيةً

سفينةً تجمعُ الدُّنيا.. وقُبطانا

 

تكون فيها بساتينٌ مُشَرَّعةٌ

لكلَّ زَهْرٍ تلاويناً وسيقانا

 

وماؤها في مآقيها، وطائرُها

حُرٌّ، ومِن بَذَخِ الأثمارِ حَيْرانا

 

ونجعلُ الوردَ راياتٍ لنا، ونرى

فَرَاشَ جنّتِنا باباً ورضوانا

 

ونوقظُ الجَمْرَ في أَحشاءِ مَنْ جَرحَتْ

بِرمْشِها مَنْ ترى.. شيخاً وفِتْيانا

 

وننشدُ الشِّعْرَ في الأجفانِ: إن نَظَرتْ

قَتَلْنَنَا، ثُمّ لم يُحْيينَ قَتْلانا

 

 

*المتوكل طه/رام الله - فلسطين