الأدب  ( 6 ) -

 صفحات خاصة

كُتاب : قصة - شعر - مقال - نقد

.

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

زوجتاي

رواية قصيرة
 د. طلال الشريف

الجزء الأول
لم تكن تخطر ببالنا تلك الزيارة العابرة لأحد المنجمين بضواحي القاهرة في العام ستة وسبعين وتسعمائة وألف، فقد كنا في أكتوبر وذكري النصر العربي الأول علي إسرائيل وكان المساء قد حل علي زحمة المحتفلين، عندما ركبنا سيارة أجرة أنا، وصديقي جلال للذهاب إلي احدي دور السينما لمشاهدة أحد الأفلام.
وفي طريقنا، دار الحديث مع السائق، وكان صديقي جلال يشكو من الصداع، تلك الحالة التي تنتابه أحياناً، ولم يفلح الأطباء في شفائه منها تماماً، وقد أجمعوا علي أنه نوع من الشقيقة، أي الصداع النصفي، الذي يحتاج بعض المسكنات، وينتهي الألم بانتهاء نوبة الشقيقة، وتعود حالته إلي الاستقرار.
انتبه السائق للشكوى من الألم لدي جلال ، فقال: أن له أخت قد عولجت، وشفيت تماماً من هذا المرض علي يد أحد المعالجين الشعبيين، بعد أن دوخها الأطباء فترات دون فائدة، فسأله جلال ، كيف ؟ ماذا فعلت؟ فقال له سأذهب إليها، لأعرف عنوان الذي عالجها، وأصر جلال بأن يعود السائق إلينا بعد انتهاء الفيلم ليوصلنا إلي مكان سكنانا، ويكون قد أحضر العنوان.
وأثناء انتظار عرض الفيلم، قلت لجلال: يا راجل أنت ربطتنا بالسائق، وتريد الذهاب لأحد الدجالين ليعالجك، هذا منافي للطب الذي ندرسه، وإلا أنت مش دكتور، لا تسمع كلام الناس اللي عقلهم علي قد حالهم، سيبك من هذا، وقد شرح لك أساتذتنا، بأن حالتك بمرور الوقت قد تشفي. فقال جلال: يا أخي أنت لا تحس الألم الذي أحسه ، انه فظيع وأريد التخلص منه بأي طريقة كانت.
وفي طريقنا إلي هذا المعالج، كنت أعبر عن عدم الرضي عما يحدث، لكنني لم أستطع أن أثني جلال عن الذهاب إلي هذا النوع من الدجل، وخاصة أننا بدأنا ننزوي كثيراً عن الطريق العام، بعد أن أدخلنا السائق إلي شوارع ضيقة، ومعتمة داخل منطقة زراعية، ليس بها شايح، أو رايح، ولم أكن مرتاحاً للسائق، خوفاً من أن يكون قد دبر لنا مكيدة ، ولكننني أعود لأقول في ذهني، وماذا سيفعل بنا؟ نحن طلبة، وليس معنا إلا عشاء ليلتنا.
وأخيراً، أوقف السائق سيارته بجوار بيت صغير يشبه الكوخ، ودخلنا ثلاثتنا إليه، فإذا بنا فجأة، أمام امرأة في الثلاثينات من عمرها، مستلقية علي فراش أرضي، وتسند رأسها علي الحائط ، ونصفها السفلي مغطي بحرام، وتقزقز اللب، فما إن شاهدت عيناها، حتى شعرت بإحساس غريب، يشدني لمواصلة النظر إليها، فقد كانت عيناها سوداويتين، كبيرتين، تشعان بريقاً أخاذاً، كحصان عربي أصيل، وشعرها الأسود متهدل علي الكتفين، جذبني جمال طلتها، وبريق عينيها، بطريقة لم أشعرها من قبل، حتى نسيت القلق، الذي ساورني قبل الوصول، ومعارضتي لجلال في المجيء إلي هنا.
ورحبت المرأة بنا، وطلبت منا الجلوس علي كراسي رثة بالية بجوارها، فما كان مني سريعاً، إلا أن جلست، ولا زالت عينياي متوقفتان علي وجهها الجميل، وجلس جلال والسائق بجانبي، و ما هي إلا لحظات، حتى دخل إلينا رجل أحدب الظهر، طاعن في السن، ورحب بنا، وبدا أنه والدها.
بدأت المرأة تسأل، ماذا بكم؟ فقال السائق: هذا الدكتور جلال، طالب بكلية الطب، وهو يعاني من صداع مزمن ، وقد أخبرته بأنك قد عالجت شقيقتي من حالة كهذه.
تدخل الرجل الطاعن في السن، قائلاً: من فيكم جلال ؟ فرد عليه جلال ، نعم أنا، فقال: لنا اتركاه معها، واجلسا بالخارج من فضلكم لكي تستطيع علاجه، ويبدو أنها طريقة أقرب إلي الطب في العلاج.
وهممنا أنا، والسائق بالوقوف لنخرج، فإذا بها تقول لوالدها : لا، لا، اتركهم يجلسون معنا، فقال والدها: يا حاجة رجاء، هذا يفسد الجلسة، وأنت لم تتعودي علي علاج أحد في وجود الآخرين، فقالت له: لا عليك دعهم جالسين. وكانت، لا تزال تتحدث، وهي تنظر نحوي أنا فقط، مما أربكني، رغم جمال النظر إليها.
وأشارت إلي والدها بإشارة غريبة بيدها، فإذا به يصرخ بأعلى صوته، حي.. حي.. حي، ويمد يده إلي غطائها، وينزعه عن جسمها، حتى تبنجنا ثلاثتنا، أنا، وجلال، والسائق، وكاد يغشي علينا، من هول ما رأينا. أطرافها السفلي أطراف حصان، وركبتي حصان مائة بالمائة، وحوافر حصان. وارتعب جلال، وقال لي هيا بنا، لنغادر المكان، فأعاد الرجل الغطاء عليها، وتوسلت هي إلينا الجلوس، فقال لها جلال: خلاص.. خلاص، لقد شفيت، ليس لدي صداع، فقالت له: لا تقلق، سوف أصف لك العلاج، لا تتسرع. و أشارت لوالدها، بإحضار الوصفة، فأنزل والدها قفصاً من أعلي الرف الموجود علي جانبها، فأخرجت منه بعض الأعشاب، و البذور، وشرحت بسرعة لجلال كيفية استخدامها، وأنهت الحديث معه، ثم التفتت نحوي أنا، قائلة: اسمك إيه؟ فقلت أنا، فقالت: نعم، فقلت لها: أنا لا أشكو من شيء أنا كويس، فقالت: أنت لا تشكو الآن، لكن، سيكون لديك مشكلة بعد سنوات. فقلت لها: ماذا تقصدين؟ فقالت: بعد سنوات قليلة، سيغيب عقلك لمدة عشرين عاماً، تكون قد بنيت حياتك، وأنت مغيب عن طبيعتك وطموحاتك الأصلية، فأنت مغرم بالعيون السوداء الواسعة ، والشعر الأسود، ولكن ليس لك فيه نصيب، إلا أن هذا قد يأتيك متأخراً، ولكنك لن تناله إلا بعد أن يناله الآخرين.
فقلت لها بسخرية ماذا تقولين؟ فسري لي ذلك، فقالت لا، لن أفسر لك شيء، وسوف تتذكرني بعد أعوام طويلة، فضحكت باستهزاء علي ما تخرف به، وأنا أقول في ذهني هذا دجلكم، الذي كنت أحاول، أن أمنع جلال منه، فأنا، لا أؤمن بالعرافين، والدجالين والمشعوذين، وأنا أعتقد بأنني لا أفعل شيئاً، إلا ما أقتنع به، ولا أصدق توقعات المنجمين. وغادرنا، بعد أن، عرفونا بأننا من فلسطين ورفضت الحاجة رجاء، أخذ أجرتها البسيطة رفضاً تاماً، وشكرناهم علي ذلك.
نسينا كل ما حدث، وقد كنا نضحك علي ما فعلناه أنا، وجلال، كلما تذكرنا هذا المشوار.
وبعد أشهر، وسنوات، أتممنا دراستنا، وقد شفي جلال من الصداع، ولا ندري، إن، كان هذا كما قال الأطباء بمرور الوقت، أم من الرعب الذي حدث له يوم رأينا المرأة ذات الأرجل الحصانية، ولم نعد نتذكر ذلك من كثرة ما رأينا من قصص، وحكايات طوال مدة دراستنا بالقاهرة، وسنوات الطب الطويلة التي نسينا معها الكثير من الأحداث، وتغيرت أحوالنا، وأصبحنا أطباء بعد هذه القصة بست سنوات، وغادرنا إلي أهلنا فرحين بتخرجنا.
ذهب جلال إلي السعودية، ومكث للعمل فيها سنوات ثم عاد، وبقيت أعمل أنا بغزة، بعد أن تزوجنا، وأصبح لدينا الأطفال، وأصبحنا في سن الخمسين، وزوجنا أولادنا، وأوشكنا علي أن نكون أجداد، ونحن فخورين بحياتنا، ونجاحاتنا.
وذات يوم دعيت إلي ورشة عمل ، وما إن دخلت المكان، ودلفت إلي قاعة الورشة، لفت نظري، في لمحة عابرة، وجه امرأة، ذات عيون واسعة سوداء، ولم أعر الأمر اهتماماً، ودخلت إلي صالة الورشة، وقد وجدت المحاضر الأول علي وشك البدء، فجلست في مكان خال للاستماع إلي المحاضر، وكانت المحاضرة عبارة عن مقدمة، وتعريف بخطة ورشة العمل وأهدافها، وسرعان ما انتهي المحاضر الأول، ليقدم لنا محاضرة آخري، كنت قرأت اسمها بالجدول المرسل لنا، وكان اسمها، رجاء، ولم يلفت حتى الاسم، أي انتباه لدي، فقد كنت لا أحب هذا النوع من الأسماء، وللوهلة الأولي لدخول هذه المحاضرة القاعة، تسمرت في مكاني، ولم أصدق عيناي، إنها رجاء، بذاتها التي رأيتها حين ذهبنا أنا وصديقي جلال لعلاجه من الصداع حين كنا طلبة بكلية الطب بالقاهرة، قبل ما يقارب العشرين عاماً،
يا للهول! هي رجاء، بدمها وشحمها، ولم تتغير فما زالت في الثلاثين من عمرها كما رأيتها وقد أصبحنا نحن في الخمسين من عمرنا، وهي قد كانت تكبرنا في تلك الأيام علي الأقل بعشر سنوات، وأصابني نوع من الهذيان كأني في حلم مخيف، ولم أفهم هل ما أشاهده أمامي علم أم حلم . لا.. لا أصدق ما أري، ومن هي هذه المرأة التي بدأت تحاضر لنا، والآخرون منتبهين للشرح، وأنا مصاب بدوار، كأن رأسي قد أصابته لوثة، ولا أستطيع التفكير، حتى وجدتني أقف، وأصرخ بأعلى صوتي، قائلاً: من أين جاءت هذه المرأة؟ ومن يعرفها سابقاً؟ فتحولت الأنظار إلي باستهجان مما أقول، وجاء إلي بعض الزملاء وأحاطوا بي قائلين: ماذا جري لك يا دكتور؟ لا تحرجنا مع المحاضرين، وأقنعوني بالانتقال إلي غرفة مجاورة لتهدئة القاعة، وأخذوا يتحدثون معي، ويلومونني علي ما صدر مني، متسائلين، ماذا بك يا رجل؟ فقلت لهم: أريدها أن تشلح البنطلون الذي تلبسه لأراها، فاستغرب الزملاء، ماذا تقول يا رجل؟ هل فقدت عقلك؟ أنت طبيب محترم، ولا يجوز أن تتحدث هذا الكلام، ماذا بك وكيف تقول أن تشلح البنطلون، هل تريد أن تقتلك عائلتها.
صمت برهة، ثم قلت، لا عليكم، يبدو أنني مرهق، أو أنني قد فقدت الصواب، لا تقلقوا سأعتذر لها، لا عليكم .
ولكن كان في داخلي إصرار عظيم بمعرفة حقيقتها، وسأتابعها بعد ذلك بكل التفاصيل، وإذا بالمحاضرة رجاء قد انتهت من الشرح وجاءت إلينا بالغرفة، لتري ماذا جري، وجلست بجانبي، وأنا أرتعد من المنظر، وأغمضت عيناي، وهي تتحدث إلي، ولم أتمالك النظر إليها، حتى شعرت بأن الجميع غادر الغرفة، وبقيت هي لوحدها معي بالغرفة بناء علي طلبها منهم، ففتحت عيناي عليها، بعد أن بدأت تربت علي ظهري، وتقول لي: أنا مش زعلانة بس ريح نفسك، واهدأ، فقلت لها: سيحصل لعقلي لوثة، أريد أن أري أرجلك، لابد تخلعي البنطلون، فقالت: لماذا هذا الإحراج؟ أنت رجل كبير، ولا يجوز أن تتحدث كذلك، فانا مثل بناتك، فهل توافق علي أن تفعل بناتك ذلك؟ فقال أنت رجاء، التي قالت لي قبل أكثر من عشرين عام أن عقلي سيغيب، والآن أشعر أنني صحيت لطبيعتي الأصلية، نعم كان عقلي غائبا طوال المدة السابقة، وها أنا أري عيونك مرة أخري، هذا هو ما كنت أبحث عنه أيام زمان قبل غياب عقلي، وإذا قلعت البنطلون، سيكون بعد ذلك لي رأي وكلام، فقالت له: أنا سأخلع جزمتي، وأرفع البنطلون، لأري ماذا تريد، فوافق بسرعة، نعم.. نعم بسرعة، وما إن خلعت الجزمة، وأخذت تنزل الشراب الذي كانت تلبسه حتى صدم بالمنظر الذي رآه منذ زمن بعيد في أحد ضواحي القاهرة فأغمي علي في الحال، وكان إنزال الشراب هو آخر شيء أتذكره عندما صحوت بالمستشفي من الغيبوبة التي أصابتني ووجدت، وبعد دقائق من صحوتي، رأيت رجاء قادمة إلي من بعيد في طرقة المستشفي، وقد لبست تنورة قصيرة سوداء، تشع من أسفلها ساقين جميلتين، مكتنزتين بكل معاني الإغراء، والتي لم أر مثلهما في حياتي، ومعها زوجها، وابنتها الصغيرة لزيارتي، والاطمئنان علي صحتي، وكي تودعني، حيث كانوا سيغادرون إلي مقر إقامتهم بواشنطن وتلوح لي قائلة لا إله إلا الله، وأنا أرد عليها بصوت حزين علي فراقها محمد رسول الله........
وما زلت، كلما تذكرت رجاء، تنتابني حالة من الهذيان، والسرحان، حتى أصبحت اشتاق لرؤيتها من جديد، لعلي أشفي من حالة اسمها رجاء.

زوجتاي

د. طلال الشريف

الجزء الثاني

مضت علي مغادرة المحاضرة " رجاء " حوالي سبعة أشهر، قبل أن تصلني رسالة غريبة بالبريد، معنونة من شخص لا أعرفه، ومرسلة من واشنطن دي سي ، ولفت انتباهي، أن تلك الرسالة، لا تشبه الرسائل، التي هي في حجمها، فهي رسالة بالحجم العادي، لكنها ثقيلة الوزن، وترددت في فتحها مباشرة، ودخلت إلي غرفة مكتبي، وجلست أفكر، من يا تري هذا الشخص المرسل؟ وما الذي يمكن أن يكون ثقيلاً بداخلها؟ وأخيراً بدأت أفتح الرسالة، لأفاجأ، بأنها من رجاء، وبها مغلف رقيق، يحتوي لوحاً من الشيكولا البيضاء اللذيذة، فشعرت بالارتياح بعد القلق، الذي ساورني، بأن يكون بداخلها شيء من الخطر،.
وأخذت، أقرأ كلمات رجاء التي كتبت تقول:
" سيدي، لا أخفي عليك، بأنني قد رزقت بطفلي الثاني، حيث كنت حاملاً عندما حضرت إلي ورشتكم في شهري الثالث، ولم أخبرك بأنني كنت علي خلاف مع زوجي، لارتباطه بقصة غرامية مع احدي الفتيات، وقد أجلنا الانفصال لما بعد الولادة.
وأنت تعرف كم حاولت، أنت، قبل زواجي، الارتباط بي، ولكن، كانت هناك بعض الأشياء التي تمنعني من ذلك، حيث كنت غير مقتنعة، بأن أرتبط بشخص يكبرني بعشرين عام، حتى لو كنت أحبه، وأحترمه، وقد سنحت الفرصة لي بأن أجد الشخص، الذي هو بعمري، وهذا هو حلم قديم لكل أنثى، ولذلك اخترت الزواج منه، ولسوء حظي، وتقديري،ومرضي السابق، فقد بدأ زوجي يبحث عمن تصغره بالسن، كما يفعل كل الرجال، وخاصة عندما تتخطي المرأة الخامسة والثلاثين، وكيف لا ونحن في أميركا وكل شيء مباح. وبدا أنه لا يتحمل حالة أطرافي المتقلبة، وأنا أعرف كم تحبني، وأعتذر لك عن تصرفاتي السابقة، ووجهة نظري الخاطئة، في رفض الاقتران بك، حيث كنت أشعر، كم أنت عشقتني، ولكني أخطأت التقدير، وخرجت عن القاعدة الذهبية لكل أنثي، بأن تقترن فيمن يحبها، بغض النظر عن العمر، أو الحالة الاجتماعية، أو حتى الشكل، فالحب هو الأساس لعلاقة الرجل بالمرأة، وأسعد النساء من تتزوج بمن أحبها، وليس الذي تحبه هي ، أو أي حسابات أخري. وأخبرك بأنني سأآتيك لنتزوج، ونعوض ما فاتنا من أيام، وهذه الشيكولا هي عنوان عرسنا القادم، وتجدد حبنا الماضي، وسأصلكم في غضون شهر، وسنكون علي اتصال، وأتمنى عليك أن تأكلها، فهي ستشعرك حتماً بالسعادة، كما كنت أنا أسعد كثيراً، عندما كنت تحضر لي تلك الألواح البنية منها، والتي لا تفارقني نكهتها حتى الآن، ولكن هذه الألواح البيضاء لها نكهة أجمل، فتذوقها، وسأحضر لك معي الكثير منها. والي لقاء".
فتحت لوح الشوكلا البيضاء، وبدأت ألتهمه بشراهة، فهي، ممن أحببتها، وفي داخلي أدمجتها، ذات العيون الساحرة، التي فعلت بي منذ أعوام ، ولم تزل، ما لم تفعله الزوابع، والأعاصير بأوراق الشجر في الخريف، ويبدو أنني شعرت بالنعاس وأنا ألتهمها، حيث صحوت علي صوت زميلي بالعمل، وهو يحاول إفاقتي من نومي علي المكتب، وذهبت لأغسل وجهي، وأنا أشعر بتكاسل غريب، لم أعهده من قبل، وحالة من عدم التركيز، جعلتني، أشك في أن شيئاً ما، كان بالشوكولا، وقد أخبرني زميلي بالعمل، بأنني استغرقت بالنوم من العاشرة صباحاً، وهي ساعة أكلي الشوكلا، حتى أتي، ليوقظني عند الثالثة مساءاً، لانتهاء العمل، وكم من محاولة بذلها لإيقاظي، عندما اكتشف نومي علي المكتب، دون فائدة، وقال إنني كنت أغط في نوم عميق.
وعندما ذهبت إلي البيت، أخبرت زوجتي وأولادي بما حدث، وعن الرسالة التي وصلتني، وطلبت منهم أن يتركوني لأنام، بعد أن أصروا علي ذهابي للمستشفي لعمل تحاليل، ولكني رفضت ذلك، وذهبت إلي النوم.
وفي الصباح التالي ، كنت قد صحوت طبيعياً، وكأن شيئاً لم يكن، ولكن الشيء الجديد الذي بدأ، هو مشاجرة زوجتي لي، بعد أن قرأت رسالة واشنطن، وأدركت أن هناك عودة إلي تلك القصة، التي تعرفها، وسيكون بعد فترة قصيرة لقاء مع الماضي، وإصرار علي الزواج ممن تمنيت، وأحببت.
وأصرت زوجتي علي أن أترك البيت، إذا ما واصلت موضوع الزواج، وحاولت شرح الموقف، لتوافق زوجتي علي ذلك، لكنها رفضت بشدة الحديث بالموضوع، وقلت لحينها فرج.
ولكن عاصفة مدوية، قد عصفت بحياتنا، ولم تعد الأمور كما كانت، وانقلبت الأحوال رأساً علي عقب، وأنا يتولد لدي شعور أقوي للإقدام علي الزواج من رجاء، مهما كلف ذلك، ولا أدري كيف ضربت بعرض الحائط كل الآراء، وكأنني مسحور، وأن أحد قد عمل لي عملاً، كما تقول النساء، وبدأت أعد الأيام في انتظار عودة رجاء، والاتصال بها، ولم ألتفت إلي عائلتي بتاتاً، فقد كنت مندفعاً إلي من كنت مغروماً بها حتى النخاع. وما هي إلا أيام، حتى وصلت رجاء، وازدادت حالة زوجتي سوءاً، وهي تراني غائباً عن البيت، للتحضير لزواجي الجديد وازداد جنونها عندما علمت بأنني استأجرت شقة، وكلما اقتربت ساعات الزفاف.
عدت في مساء يوم الجمعة، لأخبرهم، بأن زفافي سيكون يوم الثلاثاء القادم، أي بعد ثلاثة أيام، وكلما ذهبت إلي بيت رجاء كنت أطيل النظر كالمحروم دهراً من تلك العيون، فيزداد السحر بي، وأطلب منها كشاب طائش يتزوج للمرة الأولي، أن تلبس دائماً التنورة السوداء القصيرة، التي رأيتها بالمستشفي، يوم جاءت لزيارتي، لأستمتع بتلك الساقين المكتنزتين إغراءاً ،وهي سعيدة بأحاسيسي المتلهفة لها، ولا ترفض لي طلباً، ولما لا، وهي تهبط في مطاري بعد طول طيران.

زوجتاي

د. طلال الشريف

  .
الجزء الثالث
و الأخير

في اليوم التالي، السبت، صحوت من النوم متأخراً، بعد القنبلة التي فجرتها مع زوجتي وأولادي ، بأن حفل الزفاف سيكون يوم الثلاثاء ، أي بعد ساعات معدودة، سيبدأ الطوفان يعصف بالأسرة المستقرة الوادعة، وستكون مرحلة جديدة من الإشكاليات المستعصية علي الحل، بعد الإصرار الشديد مني بالزواج من رجاء، لم أجد أحداً كعادتنا السابقة، يحضر الإفطار لي ،والكل متشبث في مكانه، ولم يذهب أحد منهم إلي العمل، بعد أن غضب الجميع، وبدوا في حالة، لا يستطيعوا مواجهة زملاءهم، ولا معارفهم، وكأنهم يريدون الاختباء من نظرات الناس لهم، لزواج والدهم في هذا العمر المتأخر، وتلك الكارثة، التي حلت بزوجتي، بعد طول عشرة، امتدت حوالي ربع قرن. وخرجت من المنزل، متوجهاً بإصرار المسحور المتلهف، لإتمام الزواج، واستعجال الساعات المتبقية علي أحر من الجمر، كانت عيون، ونكهة، رجاء، والحلم القديم بها، يمداني بالقوة، لمواجهة المجتمع، والناس، والأسرة، وكان الجميع في واد الحزن، والاستغراب، والاستغياب، والشماتة، والفرجة، وأنا في واد السعادة، واللهفة، والهيام، والانتعاش برجاء، التي أخذت مني الوقت الطويل، للظفر بها، بل أكثر من هذا، كنت أحس بنشوة الانتصار حقيقة، وخاصة في قضية، مثل هذه القضية، التي من النادر، أن ينتصر فيها الكثيرين في مجتمعات، مثل مجتمعاتنا، المليئة، بالكبت، والانكسار في في حرية الاختيار، والاستقلالية، وفي بيئة ترتبط كل مكوناتها يبعضها، ارتباطاً اعتباطياً وشديداً، بالعيب، والحرام، والممنوع، والعادة، والسلوك الذي يتحكم في قمع الإنسان.
أنهيت بعض المشاوير إلي معرض الأثاث، واطمأننت علي توصيل العفش غداً الأحد صباحاً، وأكدت علي الفرقة الموسيقية التي ستحيى الفرح، ومكتب السيارات لموكب الزفاف، وعدت سريعاً إلي بيت رجاء ، تلك اللحظات الأخيرة التي يقضيها العريس، لاغتنام بعض الوقت، ومغازلة عروسه، والجلوس معها، وأسرتها من حولنا، تقوم علي عمل ما لذ، وطاب من الأكل والشاي والقهوة، إلي أن حان موعد الغداء، الذي أتذوقه بطعم جديد، فأنا نسيبهم الجديد، وكل نسيب جديد، له رنة وطنه، مع أسرة خطيبته، وما إن خلص الغداء، حتى انزوينا جانباً، أنا ورجاء بالصالون نسعد بالحديث الشيق، نداعب بعضنا بالقفشات، والكلمات التي تسبق طبول الزفاف، في لحظة انتظرناها طويلاً، وتوقفت رجاء عند سؤال، بدا لي عابراً، لكنه، فتح لنا حواراً طويلاً، قضينا فيه بعض الوقت،قائلة: كيف تحس الأمور بعد أن عدنا لبعضنا من جديد، فقلت لها: الواحد منا تأخذه الدنيا مرات علي حين غفلة، ويسير في طريق يكتشف بعده، بأنه لا يستطيع تحقيق ما يريد، وتصبح قضايا الحياة، ومواصلتها تغطي علي ما كان يتمني، ويبقي مندفعاً، دون أن يدري، وتنتابه أحياناً، تساؤلات عديدة، ماذا لو كان، قد اقترن بمن يرغب، ويحب، فهل سيكون أسعد مما هو فيه؟ وماذا لو درس تخصص آخر، فهل ستكون أوضاعه أفضل مما هو فيه؟ لا ندري لو بدأ الواحد منا أشياء كثيرة في حياته بشكل مختلف، عما انتهجه، هل كان هو هذا الشخص الآني؟ أم سيكون شخصاً آخراً؟ أشياء كثيرة في حياتنا غامضة يا رجاء، ولا يستطيع التيقن منها بعد مرور عشرات السنين، فقالت رجاء لماذا يحدث هذا ولا نستطيع أن نقرر أحياناً صحة الطريق الذي خضناه إلا بعد فوات الأوان؟
فقلت لها هكذا الإنسان علي هذه البسيطة، يري الأشياء من الزاوية التي يستطيع في لحظتها إدراكها ، ولكن هناك في علم الغيب أشياء لا تخطر علي بال، فمن كان يتوقع أن نعود، ونلتقي من جديد، بعد كل هذه السنوات، وبعد ارتباطك بآخر، وقد أصبح لديك طفلين، وأصبحت أنا جد لأحفادي، من كان يصدق أن الدنيا هكذا؟ وأن الإنسان يبقي لديه بصيص من الحلم، قد يغيب عنه سنوات وسنوات. ولماذا حرمتني يا رجاء من الزواج بك؟ وقد كنا أحباب، وأنا قد بذلت الجهد الكبير من أجلك، حين فضلت أنت الاقتران بمن هو في سنك ، هذه هي الزاوية، التي نظرت أنت إليها، بحكم المفاهيم التي تربينا عليها في مجتمعنا، دون تفكير في الجوانب الأخرى، مثل العاطفة السامية التي كنت أكنها لك، والشعور الكبير بمحبتك، وكم كان مجتمعنا ومفاهيمنا، التي رسخت في أذهاننا ظالمة؟ وتصورنا أنها صحيحة مائة بالمائة، لقد انكسرنا، ورضخنا للعقل الذي نحترمه، ولكن الحياة بها أشياء أخري نهملها، وهناك زوايا كثيرة، وهامة لا تأخذ منا الاهتمام المطلوب.
أنا أدرك، أن البيوت في أغلبها مغلقة علي إشكاليات كبيرة، وعدم تآلف، وانسجام بين الأزواج، ولكنهم، بحكم المجتمع، وعلاقاته المتداخلة، وبحكم ما يرزقون من أطفال تجبرهم عل المضي قدماً، مستسلمين لقدرهم، لأنه من الصعب علي الكثيرين، كسر هذه الحلقات المغلقة من العشرة، والخلف وكلام الناس .
فقالت رجاء: كنا نري من بعيد، هذا الإنسان ونعتبره في غاية السعادة، وهو يتمتع بالمأكل، والمشرب، والبيوت الخراسانية الجميلة، والحلي، والبهرجة، والسيارات الفارهة، وكل وسائل الراحة لديه، وكنا نحسد الناس علي ذلك، ونريد أن نكون مثلهم.
وهنا توقفت عند هذه الكلمات، قائلاً لرجاء: ماذا تقصدين؟ وبماذا تفكرين؟ هل قرب الموعد وانتهت الرحلة؟ فقالت: نعم، بعد غداً سيكون اللقاء، بعد أن انتهي وقت المعاناة، التي كنا نحسبها سعادة، واكتشفنا خطأنا، بعد غد ستعود إلينا حياتنا الجميلة الواعدة، لقد ذقت أنا، الأمرين طوال الأيام، والسنين الماضية، كان الناس، والمجتمع، والزوج والأصدقاء، والمعارف، ليس هنا فقط، بل في أمريكا، وكل المجتمعات الإنسانية، منغمسين في النفاق، والكذب علي بعضهم، يمثلون دور القديسين، ويفعلون كل شيء في الخفاء، ويظهرون لبعضهم مبتسمين، وكل إنسان منهم، يحمل خلف ظهره خنجر، ليطعن أخيه الإنسان، دون وازع من ضمير، ودون حساب للقيم، والأخلاق، والكل يصارع الآخر للامتلاك، والثروة، ومتاجرة في الدم، والأعراض، والمثل والمبادئ.
هذه الحياة في المجتمع الإنساني، مزيفة، والكل يضع علي وجهه قناع، وبعضهم يلبس النظارات السوداء، ليخفي عينيه عن الآخرين، ويلبسون الملابس الجميلة، المغمسة بآهات الآخرين.
هذا المجتمع الإنساني، هو الوحيد علي الأرض، الذي يغير هيئته، لإخفاء قبحه، ويضع العطور ليخفي رائحته، والنساء يغيرن من هيئتهن، ويضعن الماكياج، والرموش الصناعية، وملابس الإغراء، ليوقعن الرجال ضحايا، ويستحوذن عليهم، فالناس هم الوحيدون علي هذه الأرض، الذين يكذبون ويجاملون، وينافقون، ولا يظهرون علي حقيقتهم دون مساحيق، فالغابة، لا يوجد بها مساحيق، ولا ملابس، ولا عطور، ولا حتى البيوت الخراسانية، التي يسجنون أنفسهم بها.
هل رأيت حماراً، أو مهرة، أو حتى معزة، أو فأراً بملابس، أو بماكياج، أو عطور؟ فالكل سعيد، يجري في الفضاء طبيعياً دون حواجز، ودون تجميل، وخداع، وهم فرحون بحالهم، ومستمتعون بحياتهم، ولا يصابون بالاكتئاب، والضغوطات، ونكد الإنسان من أخيه الإنسان.
فقالت رجاء: لا عليك، لم يتبق من الوقت الكثير، وسأجعلك أسعد مخلوق علي هذه الأرض، وسنعود إلي أهلنا ليستقبلونا بالترحاب، وان غداً لناظره قريب.
استأذنت، وغادرت، وأنا في لهفة ليوم الثلاثاء. وأدركت، أن رحلة العناء، قد انتهت، وسنكون بعدئذ في سعادة، وارتياح بعد هذا المشوار الطويل، مما مر بنا في السنوات السابقة.
تممت علي كل الأشياء يوم الاثنين، وزرت بيت رجاء، وأنا في طريقي إلي شقتنا الجديدة في برج البلح، بالدور التاسع، ونمت بها في تلك الليلة، هادئ الأعصاب، منتظراً ليوم الغد، يوم الفرح بكل شوق.
في اليوم التالي، الثلاثاء، أقيم لنا حفل زفاف بهيج حضره علية القوم من المنافقين، من بني البشر، الذين كانوا ينظرون إلي، كعجوز حصل علي هدية ثمينة في آخر لحظات عمره، وكنت أراهم، وهم يأكلون سيقان رجاء، وهي تتمايل، وترقص علي الموسيقي الصاخبة، فقد كانت سيقانها مغرية، وهي تلبس بدلة الزفاف، التي اخترتها أنا بإصرار كبير لتظهر جمالها ، وكيف لا ، وأنا أتعمد ذلك، لكي لا يقول المعازيم، بأنني تركت زوجتي وأولادي من أجل امرأة، ليست جميلة، ولكي يعذرونني، حين يغادرون إلي النميمة، كعادتهم بعد كل زفاف، العروسة مش حلوة، العريس شايب، وترك أولاده، وتزوج من فلانة لأن لديها ملك، والعروسة طويلة، والعريس قصير، كل هذا كنت أحسب له حساب، ولم أكن من قبل في حياتي السابقة الطبيعية، أحسب له حساب، لكن السنوات الماضية مع الناس، قد أصابتني بما يفكرون، ويتصرفون.
انتهي حفل الزفاف، وغادر المعازيم، وذهبا أنا ورجاء إلي شقتنا الجديدة، تغمرنا السعادة والفرح، متلهفين لليلة حمراء، يحلم بها الكثيرين، ممن هم في سني، مع ملكة جمال فائق، مثل رجاء، ورجونا من العائلة، والأقارب، أن يتركونا يوم غد دون زيارات، لأننا قد أرهقنا كثيراً في هذه الرحلة الطولية، علي أن يأتوا بعد غد الخميس، للمباركة والصباحية.
ودخلنا شقتنا، وحملت رجاء كالعرسان الشبان، وأنا أحس، أنني رجعت للوراء عشرات السنين.
مضي يوم الأربعاء، دون زيارات من أحد، ونحن منتعشين بحياتنا الزوجية، لا نترك دقيقة واحدة، دون التحام، ومناغاة، وكأننا جزأين لقطعة واحدة، قد عادا للالتصاق من جديد.
في يوم الخميس، صحا سكان البرج علي رائحة نوشادر، تملئ البرج، ومياه تسيل علي درجات السلم، حتى، باب البرج، وكانت رائحة بول نفاذة تجتاح المكان، مما حدا، بالسكان جميعاً، للتجمع، و الصعود إلي مصدر البول، الذي بدأ يتساقط عليهم، متضامنين، رغم عدم معرفتهم لبعضهم، وكره من يعرفون بعضهم لبعض، وصعدوا السلالم، حتى تين خروج البول بكميات كبيرة من أسفل باب شقة العرسان بالدور التاسع، وأخذوا يدقون الباب، والجرس، دون مجيب.
واتفقوا بعد طول انتظار، وازدياد كمية البول، علي كسر باب الشقة. وتطوع أحدهم، وهم متجمهرين علي الباب فأحضر عتلة لفتح الباب، وأخذ الجميع يساعدونه، حتى انطلق الباب منفتحاً علي مصراعيه، ليكتشفوا أمامهم حصان أبيض جميل، ومهرة سمراء في غاية الجمال، والحصان يداعب المهرة، ويدغدغ أنفها في منظر ساحر من الحنو، لا يتمتع به بعضهم، واكفهرت وجوههم، ودلف بعضهم بالهبوط سريعاً، بينما، البعض الآخر، أخذ يضرب الفرس والمهرة، حتى أنزلوهم من البرج، وانطلقا نحو المزارع، والحقول، فرحين بحريتهما، بعد زيارة شاقة للبشر، أرادا منها الحياة مع الإنسان، فلم يستطيعا تحمل ذلك، فعادا لحياة الحرية والنقاء والطبيعة.

==========

* د.طلال الشريف

فلسطين /غزة

T8sharif@hotmail.com

www.dtalal.jeeran.com