قراءة أدبية لقصة :
" لوحةٌ وبـزّة مـتـّسـخة "
للأديبة الفلسطينية انشراح حمدان
قراءة
الكاتب مهند صلاحات
عن بنت الرافدين
http://www.brob.org/adab/derasatneq/derasat41.htm
أولا : القصة
من خلف
زجاج الواجهة بدت بعض ملابس رجالية معلقة على جدران المحل، تتوسطه منضدة خشبية
متعبة مستطيلة الشكل مجردة إلا من بعض خطوط وأشكال رسمت على سطحها البني
بالإضافة إلى شريط قياس ومقص ودفتر وقلم مكافحين.
على جزء
من الجدار الجانبي علت لوحةٌ لصورة رجلٍ تبدو عليه أمارات الوقار والإباء محاطة
بإطارٍ ذهبي اللون أرهقه تراكم الغبار.
في
الركن القريب من الواجهة يجلس صابر على كرسيه الذي فقد إحدى قائمتيه الخلفيتين
منكفئاً على ماكينة تئن من توالي السنين، يرتدي أسمالاً حانقة على جسمه النحيل
ذي الرأس الكبير بوجه حنطي يتخلله بهاق اختبأ جزءٌ منه تحت لحية يميل لونها إلى
الرمادي.
هاهو
منهمك في عمله يترقب ندف القدر مستذكراً بطولات السروج الخوالي، تارة يقص خيطاً
وأخرى يحبك طرفاً من قماش أو يغير الخيط طبقا للون الثوب أو يفرط خياطة لا يكنّ
ولا يتثاقل وكأنه آلةً مبرمَجة.
رغم
رثاثة حاله إلا أن ومضة سعادة تعلقت بأهداله استقى سناها من ربيع قلبه فحمد
الله على نعمائه وراح يترنم بأهزوجة قطعها صوت بوق قريب، نظر خلال الزجاج فإذا
بمركبة فارهة تقف أمام الباب، السائق تحيط بوجهه الأسمر كوفية بينما سيدة شقراء
تجلس في المقعد الخلفي موجهة عينيها الزرقاوين نحوه، تشير بسبابتها أن يأتي
إليها.
تسارعت
خفقات قلبه وتعرق جبينه، راح يتلفّت حوله ربما غيره المقصود بالإشارة...
خرج
بنصف إرادته متجهاً نحوها وبحروف مرتجفة بالكاد طاوعته قال :أمرك سيدتي، ماذا
يمكنني أن أقدم لكِ؟
بنبرة
آمِرة أجابته: أريد أن تخيط لسائقي بزّة، سأدخل لأختار التصميم.
وقعت
كلماتها كصاعقة عرّشت على نفسه صقيعاً أشعره بجرح الكبرياء، وتذكر العهد الذي
قطعه على نفسه بألا تدخل المحل سيدة، فلازالت قسمات وجه جده حاضرةً في مخيلته
وهو يقول لوالده: "إذا دخلت المحلَّ سيدةٌ فإنها تشق ربيعَ الأرض بسيفها،
وتسقيه من أودية الخرافة؛ فتنبت بقول الخوف في أوحال الهوان"
ماذا
باستطاعته أن يفعل؟
تلمّس
في شتاته أشلاء شجاعة منهكة وقال: لا تكلفي نفسك عناء الدخول سيدتي، سأحضر لكِ
أحدث التصاميم وأجملها لتختاري وأنتِ مرتاحةٌ هنا.
قبل أن
يعطيها فرصة الرد دخل مسرعاً وفي لمحة خرج يحمل مجموعة من البزّات الجاهزة
يعرضها عليها.
أشاحت
بوجهها مومئةً عدم استحسانها.
رجع
ثانية وأنزل جميع البزات عن الجدار إلا واحدة تركها متعمداً لثقته أنها لن
تعجبها فتصميمها قديم جداً وقماشها متسخ بمرور السنوات، عاد مسرعاً، لم تنظر
إلى ما أحضر وقالت: لا يروق لي شيئ منها.
حدث
نفسه : أليس هو مَن سيرتديها! لمَ لا أسأله؟
استشعر
فرجاً قريباً وتوجه إلى السائق: إليكَ آخر التصاميم وأكثرها طلباً لهذا الموسم،
أليست جميلة؟
طأطأ
الأخير رأسه وقال: الأمر لسيدتي، هي تفصّل وأنا ألبس.
نزلت
السيدة من المركبة رافعة أنفها وقالت بغطرسة: أسمعت؟ أنا صاحبة القرار هنا ولي
الخيار، سأدخل المحل وأختار بنفسي ما يروق لي.
وهو
يرتجف خوفاً: ولكن المحل غدا فارغاً من التصاميم سيدتي.
لم تأبه
به وتقدمت باتجاه المحل
سبقها
إلى الباب هلِعاً بقدمين لا تحملانه.
توسطت
المحل وأشارت إلى البزة المتبقية
بوَجَل:
هذه قديمة جداً ولن تعجبك سيدتي
بعنف:
أنزلها
مد يداً
مرتعشة إلى الجدار حيث تتكئ البزة على حمالة خشبية معلقة بمسمار أثقلته طبقة من
الصدأ الأزلي، بحركة هزيلة أخذ يحررها من نتوءات الحمالة الشائكة بها، وما إن
خلصها حتى نَسلت منها جماعاتٌ تشبه الصراصير هربت في كل صوب.
صاحت
السيدة فرحةً: رائع، أختار هذا التصميم
جذبت
الكرسي ذا الثلاث قوائم وجلست عليه مردفةً: سأبقى هنا ريثما تنتهي من صنعها.
صرخ
صابر صرخة مَن رأى وجه (ميدوزا) ، وراح ينكمش ويصغر ويصغر حتى غدا بحجم صرصار
ثم قفز واختبأ في جيب الجاكيت
*انشراح حمدان
rosebird0@hotmail.com
ثانيا : القراءة
" لوحةٌ وبـزّة مـتـّسـخة "
للأديبة الفلسطينية انشراح حمدان
قراءة
أدبية :
الكاتب مهند صلاحات
إن فن القصة القصيرة، فن راق ٍٍ ومعقد في نفس الوقت،
حيث يتطلب من الكاتب الصدق في الطرح القصصي، مع العمق حتى يغني نصه بإشراقات
تضع الضوء على دلالات النص مباشرة، وترينا ما غرسه في الميدان الأدبي من رايات
تخفق بقيم الحق والخير والجمال، كما أنه يُطلب من الكاتب أن يركز دعوته ولا
يجعلها مفتوحة، فهنالك عناصر أساسية يستطيبها القارئ كالدعوة إلى الحرية و
الدعوة للتضامن مع هم الإنسان وصراعاته مع قيود زمنه، وتصوير مشاكله وإحباطاته
المتنوعة وهمومه الكثيرة، وأفراحه الصغيرة، من خلال نصوص ينبغي أن تزهو بفنيتها
وقدرتها على التعبير السردي المكتمل الموجز، وعلى الكاتب أن يتعمق في هموم
الإنسان العادي، إبن الشارع إن صحت التسميه ليكون أكثر قربٍ من قلب القارئ،
وحتى يحقق نزاهة نفسه ويكون بعيداً عن إتهامات المثقف المزور أو الموالي، وقبل
ذلك كله للغة دور مهم جداً في القصة القصيرة، حيث أن اللغة ورصانتها ترتقي
بالقصة ومستواها الأدبي.
كما
أننا إن أردنا الوقوف على قصة قصيرة ما، فلا بد قبل كل ذلك إلى أن نشير إلى
أهمية القصة القصيرة نفسها ودورها في الوقت الحالي، فأهميتها تكمن في كون
نصوصها الجيدة تكشف عن تعدّد حقولها الدلالية، وتُساعد القارئ على إعادة إنتاج
الرمز الذي ينهض به وعليه، أي فيما يتصل بحال الرسالة التي يُريد المبدع
إيصالها إلى المتلقي سواء أكانوا أفراداً، أم مجتمعات، ويُغني النص ـ في حالته
هذه ـ عن نصوص سردية طويلة، وإن كان بالطبع لا يمثل إشباعاً فنيا كالقصة
الطويلة أو الرواية، إنما حسبه أن يُمتعنا فنيا وجماليا ـ في لحظات ـ بالإضافة
إلى المستوى المعرفي اليسير، فيقول الأديب والعالم الفيزيائي الدكتور أحمد زكي
«ليس ألذ في أحاديث الناس من قصة، وليس أمتع فيما يقرأ الناس من قصة، والعقول
قد تخمد من تعب، ويكاد يغلبها النوم، حتى إذا قلت قصة ذهب النوم، واستيقظت
العقول، وأرهفت الآذان ...».
لذلك
فإن فن القصة القصيرة فن ظهر في السنوات الأخيرة وهو في غاية الصعوبة لأنه
مطلوب من القاص أن يُحقق ذلك في أقل عدد من الكلمات، ينتمي إلى الفنون السردية،
ويُحاول مبدعه من خلاله أن يقدم نصاً سردياً مكتنزاً في عدد قليل من الكلمات.
وهذا
الفن ليس جنساً أدبياً جديداً مستقلاً عن القصة والقصة الطويلة اللتين عرفهما
الأدب..
وإذا
كان «فن القصة القصيرة» ـ كما يرى جابر عصفور ـ فنا صعباً «لا يبرع فيه سوي
الأكفاء من الكتاب القادرين علي اقتناص اللحظات العابرة قبل انزلاقها علي أسطح
الذاكرة وتثبيتها للتأمل الذي يكشف عن كثافتها الشاعرية بقدر ما يكشف عن
دلالاتها المشعة في أكثر من اتجاه».
هذه
المقدمة الطويلة نسبياً كان لا بد منها عن الوقوف على نص أدبي تم تصنيفه على
أنه قصة قصيرة، لشاعرة فلسطينية قبل أن تكون قاصة، فهذا يعطيني فكرة أن القصة
التي بين يدينا هي قصة بلغة شاعرة.
قبل كل
شيء لا بد من تصنيف القصة وقياسها حسب مقاييس الأدب العربي لنخرج بتصنيف أدبي
لها، فقصة انشراح حمدان تقترب من الشكل التقليدي ، ثمة بداية ووسط ونهاية، وهي
قصة سردية من القصص التي تأخذ الطابع الرمزي، فالبداية والوسط فيها أخذت السرد
الواقعي العادي، بينما أعطت النهاية البعد الرمزي أكثر فيها وهذا ما يعيدنا
قليلاً لقراءة قصص الكاتب والقاص السوري زكريا تامر في قصته النمور في اليوم
العاشر التي تحول فيها شخوص القصة إلى شخوص آخرين فكشف فيها رمزية القصة، إلا
أن إنشراح إن أمكن التصنيف بدأت بشكل عكسي حيث أنها أبقت على رمزية القصة
مفتوحة وأعطت بذلك حق القارئ في التفكير والإجتهاد في تحليل الشخوص.
فعلى
الرغم من النهاية التي تبدو خيالية أسطورية، إلا أنها نهاية أكثر واقعية من
الخيال، فالرمزية كونها عنصر أساسي في الأدب الحداثي تعطي الحق للكاتب في أن
يمتد بخياله نحو التحولات غير الممكنة، فعملية تحول صابر إلى مجموعة من
الصراصير الصغيرة هي أيضاً إشارة رمزية إلى ما تود الكاتبة قوله بشكل آخر
مختلف.
ونص
إنشراح حمدان هذا يثير العديد من الأسئلة ، وبخاصة أن الكاتبة أنجزت القصة في
محاولة وصف واقع بين قديم وحديث مليء بالانتكاسات العربية، فجاء النص في خاتمة
تفاصيله يحمل حدث الإنتكاسة التي نعيشها ليكون السبب الذي أوحى لها بكتابتها في
هذا الوقت بالذات، وربما لهذا استخدم لفظة ربما ، وإن كان قارئ القصة يتساءل
أيضاً إن كانت ثمة علاقة بين شخوص القصة وبين الواقع بكل تفاصيله، فصابر الذي
يشكل في القصة جزءاً من الواقع العربي وبين السيدة الشقراء بالعيون الزرقاء
إشارة واضحة لغربتها عن الواقع العربي.
لاحظنا
أن انشراح تكتب عن عالم يلامسها من قريب ، ولا تكتب عما تسمع ، بل إنها تكتب
عما عاشته ومرت به، ليس بالشكل التفصيلي فالقصة ذات بعد رمزي إنما التفاصيل
التي تترجمها كونها قاصة وشاعرة إلى رمزيات أخذت النهاية فيها دور المتخيلة ،
وإن كان هذا العالم المتخيل ذا نصيب من الواقع ، وله حضوره.
يتكون
العنوان من ثلاثة مفردات "لوحة" و "بزة" "متسخة" . إنه مكون شخصي ومكون مكاني ،
وهي بالتالي تتحدث عن تفاصيل رمزية في مكان ما، سرعان ما يفصح عن هذه التفاصيل
جسد النص ، فالمكان هو محل للخياطة والذي يرمز للوطن أو البلد، والكاتب حين جرد
قصته من تحديد بلد معين أو دولة معينة ، أراد أن يكتب عن أجواء عربية بشكل عام
. ويشمل اسم "صابر": أهل الدولة أو البلد ، وتشمل السيدة الشقراء : "
الإستعمار" الذي يحاول الدخول إلى المنطقة العربية، بينما يجسد " السائق"
الشخوص الذين يختار لهم الإستعمار زيهم ونظامهم.
فالبزة
إذن والتي جاء الإستعمار ليفصلها لمجموعة ما لترتديها تمثل الواقع العربي الذي
بدأ يتحول بإتجاه الإنقلابات المدعومة بشكل واضح من الدولة الإستعمارية الكبرى
"أمريكا".
والموضوع الرئيسي في القصة هو موقف صابر ورد فعله إزاء حدث، وهو دخول المرأة
الأجنبية لمحله رغم وصية جده بعدم السماح لأي امرأة كانت بدخوله، هذا الحدث
الذي تمّ رغماً عنه بسبب ضعفه في منعها من الدخول لتختار البزة العسكرية ذات
الطراز القديم، مما يعني ذكاء الإشارة التي أرادت إيصالها القاصة وهي أن هذه
الشقراء التي تمثل أمريكا والتي ترفع شعارات لدخولها للمنطقة بالتغيير
والديمقراطية قد كشفت زيف إدعاءاتها بالتغيير بأن اختارت الطراز القديم ذاته،
أي أنها تريد استبدال شخوص فقط لا حالة، استبدال الجنرال بجنرال آخر قد أعلن
لها الولاء والطاعة، ونجحت في توظيف المفردات في التعبير عن ذلك حين جاء جواب
السائق على صابر :"الأمر لسيدتي، هي تفصّل وأنا ألبس."
فمن
خلال الرد نتعرف على موقف السائق المستسلم الخانع للإرادة الإستعمارية الجديدة.
حقاً إن
نهاية قصة " لوحة، وبزة متسخة" تنبئ بأن هناك تغيراً لا بد سيحدث، إلا أن
الإفصاح عنه يبدو ، بوضوح، في تحول صابر وهربه ودخوله لداخل البزة . تنتهي
بالعبارة التالية:
" صرخ
صابر صرخة مَن رأى وجه (ميدوزا) ، وراح ينكمش ويصغر ويصغر حتى غدا بحجم صرصار
ثم قفز واختبأ في جيب الجاكيت " .
لغة
القصة :
يلحظ
قارئ القصة نفسه أمام ثلاثة أشكال لغوية ، هي : شكل السرد وشكل الحوار وشكل لغة
المونولوج الداخلي ، وقد راوحت القاصة ، وهي تكتب قصتها ، في التنويع في
الأسلوب .
إذا ما
عدنا إلى القصة القصيرة ، جنساً أدبياً ، لاحظنا أن أصحابها يركزون على فكرة ما
، أو حدث ما ، أو شخصية ما. حقاً إن هذه العناصر قد تتحقق في القصة الواحدة ،
غير أن الغلبة لابد تكون لأحدها. وقصة انشراح حمدان تعد قصة الحدث، وهذا ما
يفصح عنه العنوان