قراءة أدبية
بقلم :
د. محمد حسن السمان*
د. أديب الحمصي*

قصة من الخيال العلمي
نزار ب. الزين
(1)
"
رحلة إلى الأعماق "
من قصص الخيال العلمي , عمل موفق جدا , فهذا
النوع من أدب القصة , يستلزم ادوات اضافية , عدا ادوات
القص , التي اعتادها أدباء
القصة أو الرواية , فهي تستلزم ثقافة عامة واسعة ,
ودراية في المواضيع العلمية
,
والاحساس بالذهاب الى اقصى المدى , في تطبيق القوانين ,
ومن المعروف أن الكاتب
غالبا , يملك الاحساس المسبق في الاكتشاف , والتبشير به
, فكثير من القوانين
والتطبيقات المعاصرة , تطرق اليها كتاب الخيال العلمي ,
وبشروا بها قبل اكتشافها
,
بأزمان طويلة
.
وقراءة قصة من الخيال العلمي , لابد أن ينحو منحيين
:
أولا
:
المنحى الأدبي والابداعي , في القص . ثم , ثانيا :
المنحى العلمي واستشراف
المستقبل , وفي قصة "رحلة إلى الأعماق " , نجح القاص في
تقديم قصة أدبية , بشكل
مشوّق يستثير المتابعة لدى القارئ , ثم جاءت حركة البناء
والسرد وتقديم الحوارات
والصور , لتخدم حالة التوتر للوصول الى النهاية , وهنا
اريد ان أشير الى أن القاص
,
لم يستطع الخروج , عن حالة التخلف العلمي والاكاديمي ,
في المنطقة العربية , فوظف
احدى الجامعات الامريكية , لتأهيل ابطال قصته , ثم غلب
على الكاتب , النسيج
المجتمعي والاقتصادي والعلمي الخاطئ , الموجود في
المنطقة العربية و فلم يجد بدًا
,
من الاستعانة بوالد غني لصديق , مدللا على غياب الاشكال
التنظيمية والمؤسساتية
,
وفي هذا حالة تشاؤمية , على الرغم من التفاؤلية , التي
بنيت عليها القصة أصلا
,
ولكن الكاتب كان رائعا , في رسم المشاهد اللاحقة ,
واحترام خصوصية كل صورة أتى
عليها , بتفصيلية متقنة جدا , تدل على الغنى المعرفي
والثقافي عند الكاتب , وخصوبة
خيالاته , بشكل حمل طابعا منطقيا مقنعا , لدرجة ايصالي
الى شعور احسست معه , وكأني
أرى نفسي مع الاحداث , اعيشها وأرى ابطالها , ثم جاءت
الخاتمة , باسلوب فني لتعلن
,
عن انتهاء الحلم , ولتجعلني اغفر للكاتب , عدم خروجه من
الصور المتخلفة , للنسيج
الاجتماعي والاقتصادي , وغياب المؤسسات , وتوظيف
الجامعات الامريكية , في تقديم
اللوحة
.
ثانيا :أما فيما يتعلق بالابعاد العلمية للقصة , فلاشك
بأن القاص نجح
بشكل لافت , فلقد طرح مواضيعا خطيرة , وسلّط الضوء عليها
, وهي رؤى واحلام مستقبلية
,
والبعض منها يتم مناقشته حاليا , ضمن الافكار التفاؤلية
, في المؤسسات العلمية
"رحلة
إلى الأعماق" يمثل عملا أدبيا رفيع المستوى , ولم يكن لدي مانعا لو لم
يكن حلما , مع اعادة صياغة بعض بقع المسرح المكاني
-2-
الأخ الكريم الروائي نزار بهاء الدين الزين ؛ الحقيقة أنني وقفت مذهولا أمام
هذا
العمل الرائع الذي يختلط فيه العلم بالأدب
.
فقد لاحظت عدة محاور انتهجتها هذه
القصة الرواية
:
أولها : محور العروبة ، فقد اختار الأستاذ الزين نماذج من مختلف
أنحاء العالم العربي ، من المحيط إلى الخليج ، و قد
وحدت العروبة بينهم فكريا و
عاطفيا
.
المحور الثاني : التمويل ، و قد تعمد أن يحدد إحدى دول الخليج العربي و
بالذات ممول من أمارة دبي لاقتناعه بأن هذه الدول وحدها قادرة على تحريك العقل
العربي من أجل إستعادة الأمجاد العلمية العربية ، و
قد وفق تماما باختيار إمارة دبي
كنموذج لما اشتهرت به من إنفتاح إقتصادي و ثقافي
كبيرين .
أما المحور الثالث فهو
المحور العلمي ، و بسهولة يمكن للقارئ أن يستنتج أن
الكاتب على ثقافة واسعة و أنه
متابع للمستجدات العلمية كإثارته للنظرية الجديدة
التي تؤكد استمرارية تكوين
البترول
.
و المحور الرابع يتناول المدينة الفاضلة التي يحلم بها المفكرون بعيدا
عن الصراعات بمختلف أنواعها و التلوث بكافة ضروبه البيئية و الأخلاقية
.
أما
المحور الأخير فيتضمن غمزة سياسية عندما يصيح والد حمود
: "
إحذروا من الإقتراب
من (غوانتنامو) يا حمود يا ( وِلْدي )...أكرر ،
إحذروا ..إحذروا...لا تقتربوا من
(
غوانتنامو
( ! "
و أستطيع التأكيد أن هذا العمل ناجح بجميع المعايير و يمكن
اعتباره من الأعمال النادرة في مجال الخيال العلمي
.
جزيل احترامي للروائي
الأستاذ الزين
د. أديب الحمصي - سوري مقيم في تركيا
----------------------------
*د.محمد حسن السمان – سورية
* د. أديب الحمصي - سوري يعيش في
تركيا