الأدب  ( 1 )

 أخبار و مقالات و دراسات أدبية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

الحوار

الباحث المؤرخ 

جاسم محمد صالح

حوار

 كاظم الميزري

 

* التأريخ هو الجسر الذي يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل .

* لابد من منهجية علمية في قراءة التأريخ وفهمه .

* نحن بحاجة ماسة إلى الربط الجدلي والمنطقي بين الأشياء .

* أتمنى أن أكون أديباً مؤرخاً لأرسم صورة الأحداث بشفافية .

* المؤرخون الذين تحولوا إلى ( حاطبي ليل ) دونوا في كتبهم الغث والسمين .

 

* أردت أن أسألك سؤالاً غير تقليدي ، ترى ما هي علاقتك بالتاريخ ؟ وهل تشكل هذه العلاقة عشقاً صوفياً ؟ أم ترفاً معرفياً ؟

 

- يشكل التاريخ بالنسبة لي بستاناً من المعرفة ، كل شجرة فيه تفتح لي آفاقا معرفية , أنا بأمس الحاجة إليها … هذه الرغبة الجامحة في الحصول على التكامل المعرفي ولدت في ذاتي عشقاً صوفياً ، أسرني وسلب لبي,  وما عدت قادراً على الابتعاد عنه ، معرفة النهاية لا يمكن أن تأتي ألا من خلال معرفة البداية … والتأريخ هو جسر يربط بين  الماضي والحاضر والمستقبل ، ومعرفته لابد أن تشكل بعدا  تكامليا .

 

 * أرى في كتاباتك شيئا انطباعيا في تسجيل الوقائع والأحداث …  ترى هل هناك منهج معين في تعاملك مع التاريخ ؟ أم أن الضرورة الظرفية دعتك إلى ذلك ؟ .

 

- في البدء كانت الوقائع والأحداث التي أغور فيها , هي التي تساهم في رسم الأطر الواسعة لخارطة التصور الذهني لهذه الأحداث … أحياناً الظروف تحاول أن تجذب القارئ إليها أو أن تفرض عليه تصوراً معداً  مسبقا… ولكن لابد من العلمية والمنهجية في قراءة التأريخ وفي فهمه وفي إصدار الأحكام عليه , إن تسجيل الوقائع والأحداث كما هي تسجيلاً حرفياً يشكل مجافاة للحقيقة وابتعاداً عنها , إضافة الى السطحية في التصور ، فوراء كل حدث  هناك أسباب ودوافع وأغراض ساهمت في التهيؤ للحدث التاريخي وفي فعله  وتكوينه وحتى في الوصول للنتائج بعد ذلك .

 

 

*هناك مدارس عدة واتجاهات مختلفة في قراءة التأريخ وتفسيره ، أين ترى مكانك من هذه المدارس ؟ وهل ترى أن التأريخ علم قائم بذاته ؟ أم مجرد تسجيل  يومي للوقائع والأحداث ؟ .

 

- التأريخ هو كالفيل الذي جلب إلى غرفة العميان الذين لم يكن يعرفونه وطلب منهم أن يصفوه بعد أن أمسك كل واحد منهم بجزء منه … وكان وصفهم  لذلك الفيل مختلفاً وأحياناً متناقضاً وحسب المكان الذي وضعوا أيديهم عليه … مثل هؤلاء مثل الذين يقرؤون التأريخ ويكتبون فيه وأحياناً ينظرون فيه… كل واحد منهم ينظر إلى التأريخ من زاويته الخاصة ويرى نفسه أنه هو المصيب وكل يبكي على(ليلاه) ، لهذا تعددت مدارس التأريخ وتعددت مفاهيمه ، أنا أدعو الى نشوء مدرسة تاريخية متكاملة تنظر الى التاريخ من عدة زوايا و بأكثر من عين مع إخضاعه لكل مفاصل الاحتمال المعرفية , من حيث خضوع الحدث للمؤثرات الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية … إن هذه الأحداث لا يمكن أن تنشأ بمعزل عن كل هذه المؤثرات ... إن الربط الجدلي بين الحدث وأسباب حدوثه وإخضاع النتيجة للمنطق العلمي القائم على علم القياس والاستدلال , ربما ستجعلنا أقرب من أي وقت مضى لفهم الحدث واستيعابه ومن ثم الوصول إلى النتيجة المبتغاة ، والتي نطمح جميعاً للوصول إليها .

 

*من خلال إطلاعي على مؤلفاتك ، أجدك بالجانب القبلي والأنساب والصراعات القبلية وتوثيقها ... ما هو الدافع لذلك ؟

 

- لكي نفهم الحالة التاريخية ونفهم الحدث , لابد لنا أن نفهم الصراع أسبابه ونتائجه والقائمين به ولا يمكننا أن نتوصل إلى معرفة ذلك بشكل واضح ألا من خلال فهم الصراع القبلي ، لأنه شكل الخارطة السياسية والاجتماعية للأحداث… حيث شكلت القبائل المتحالفة أو المتخالفة أفقاً واسعاً لهذا المفهوم … والدوافع غير خافية على أحد هو أن معرفتنا بمجريات ما مر من أمور يفيدنا في فهم تلك الأحداث والمسببات التي كانت وراءها , إن معرفتنا بما حدث تفيدنا في معرفة ما سيحدث وبهذا يتحصّن الإنسان و المجتمع  لكل المتغيرات المستقبلية.

 

* في مؤلفاتك أرى اهتمامات أدبية متنوعة من أدب الطفل إلى المسرح والقصة والرواية والدراسات النقدية المعمقة… هل تجد علاقة جدلية بين الأدب والتأريخ ؟ وكيف تمكنت من توظيف التاريخ في مشاريعك الأدبية ؟ .

 

- أنت تعرف والقارئ  الكريم يعرف أيضاً سعة وتنوع المحاور التي اكتب فيها فهي تمتد من قصة الطفل ومسرحه وتمر بالقصة والمسرحية والنقد والمقالة الأدبية وتنتهي بالدراسات التاريخية والنسبية إضافة إلى مؤلفاتي العديدة في المناهج الدراسية والتربوية … بدأت أدبياً وانتهيت مؤرخاً ولكنني لازلت أتمنى أن أكون أديباً مؤرخاً ، أوظف قدراتي الأدبية في فهم صورة الأحداث التاريخية وتقديمها بشكل أكثر رونقاً وبهاء ، حيث أصبح الحدث ألتأريخي فكرة جيدة لصياغة عمل أدبي متميز … فلو أطلعتم على مسرحيتي( سقوط الملك شهريار ) أو(مملكة الذهب ) لوجدت أن التأريخ بأحداثه تداخل في عالم الأدب لخلق الصورة الرائعة التي اطمح الى تقديمها ، مستفيداً أيضاً من البعد الأسطوري والتراثي والشعبي لخلق حالة الإبداع ، وكانت أعمالي الروائية الموجهة للأطفال هي الأخرى تشكل استمرارا  لهذا التوجه فمن رواية (حميد البلام) وهي رواية مصورة للأطفال… إلى رواية( الصفعة),(صالح الخراشي) و(الخاتم) و(الحصار) و(منقذ اليعربي) و(السيف) و(الفأس ) و( الليرات العشر) … كان التأريخ حاضراً  فيهاً … التأريخ الذي تكون كل أحداثه مثمرة ومفيدة وبناءة … التأريخ خدم الأدب في أعمالي ، وكذا الأدب استفاد من التأريخ في أحداثه ووقائعه … إن مسيرة الإبداع واسعة وآفاقها غير محدودة ... (( فهذه الدنيا سطور ... ولكن أين من يفتح الكتاب ويقرأ ؟ )) .

 

* ما هي أخر مشاريعك في مجال الدراسات والبحث ألتأريخي ؟ و ما هي نتاجاتك الأدبية التي تفكر بإنجازها ؟ .

 

- مشاريعي في مجال البحث ألتأريخي كثيرة , ولقد خططت لسنوات عديدة لإنجازها … فالمؤسسة العلمية لتوثيق الأنساب العربية و التي أتشرف برآستها مؤسسة علمية رصينة تضم أكثر من عشرين باحثاً وعالماً متخصصاً في التأريخ والعلوم الاجتماعية الأخرى, حيث عزمنا جاهدين على أعادة كتابة التأريخ العربي بشكل جديد ، بعيداً كل البعد عن النوازع الذاتية والمصالح الشخصية الضيقة … فأصدرت مع زميلي في البحث والتأليف جاسم محمود ذويب خمس مجلدات في سلسلة: (موسوعة العشائر الضيغمية ) والتي ربما ستصل الى خمسين مجلداً … وستغطي مساحة  كبيرة من تاريخ القبائل النجدية التي قدمت الى العراق وساهمت في صنع تاريخه و تاريخ المنطقة العربية .

 

 * باعتبارك من المهتمين بالتأريخ ، هل أنت مع إعادة كتابة التأريخ ؟ وكيف تكون برأيك هذه الإعادة ؟ وهل هناك ضرورة ملحة لهذه الإعادة ؟ .

 

- أنا مع إعادة كتابة التأريخ … مع إعادة الحق للذين غُبنوا سابقاً وهمشوا لأسباب معروفة , كان أولها رغبة السلطان ,  حيث غيرت الأدوار بناء على ذلك ، وهناك أكثر من ضرورة لذلك لا سيما ونحن نمر بأوضاع عصيبة تحتم علينا أن نفهم حاضرنا وماضينا, لكي نتوصل الى معرفة مجريات المستقبل من خلال ذلك وهذه الحلقات الثلاث متداخلة ومترابطة ولا يمكن الفصل  بينها , ومع احترامي واعتزازي وإجلالي لكل من سبقني في هذا المجال ولهم فضل الريادة والسبق, إلا أنني أريد أن أقول : إن نسبة كبيرة من تلك الجهود كانت تخلو من العلمية والواقعية والمصداقية حيث كان البعض وتحت الضغوط المادية أو الاجتماعية أو السياسية ينحاز في قول الحقيقة ويضع الأشياء في غير أماكنها إرضاء لهذا أو لذلك ، إضافة الى أن البعض منها كانت تسجيلية بحتة … يكتبون ما يقوله هذا أو ذاك من دون أن يخضعوا ما يكتبون الى العقل والمنطق, فتحولوا من مؤرخين الى حاطبي ليل ، يدونون في كتبهم الغث والسمين مما أحدث بلبلة في فهم المسار التاريخي وأحداثه ، مما ولد لدينا صعوبة جسيمة في الوقت الحاضر في إعادة استيعاب البعض للمسار الصحيح على اعتبار أن ما جاء في تلك الكتب أصبح من المسلمات التي لا حياد عنها ... وأنها حسب ما يدعون كتب قديمة ومعروفة عند الجميع ... ولكن للأسف تناسوا الأغراض التي كانت وراء كتاباتها ... لهذا أقول : ليس كل ما جاء في الكتب القديمة هو صحيح ... علينا أن نخضع كل ما فيها للمفهوم الديكارتي من خلال البحث والتمحيص والقرينة والاستدلال ... وهذا هو الطريق العملي لمعرفة التأريخ معرفة صحيحة وإعادة فهمه وكتابته من جديد .