الفعل التاريخي كيف ينمو ؟
و كيف يتكون ؟
حوار مع جاسم محمد صالح
أجرى الحوار
سلمان العبد*
لعلنا نوجع ضمائر البعض إذا قلنا أن المؤرخ الأديب جاسم محمد صالح
أحد أعلام الثقافة والفكر في العراق ، البعض الذي يريد أن تبقى
الكلمة أسيرة أفواههم ، والذين ظلوا لا يستطيعون تصور مديات
التغيير التي جرت في الأفق العقائدي والفكري لدى الطليعة المثقفة
في العراق ، فظلوا طافين على سطح الماء ككرة جوفاء لا يريدون الغوص
الى عمق الحقيقة خوفاً من أن تنقطع أنفاسهم ، نلتقي اليوم برائد من
رواد الحقيقة والمعرفة ممن أفنوا شبابهم في خدمة الإنسانية وظلوا
حبيسي دائرة العلم والتجربة ليتسنموا مواطن الألم وليضعوا أيديهم
على الجرح وليعيدوا بالقلم رسم خارطة التأريخ العراقي , بعد أن
غرقت مرات بدماء أبنائه الخيرين فغابت معالمها وليجعل من مياه نهري
دجلة والفرات مدادا ًلكتابة غدٍ العراق المشرق الوضاء ... فأهلاً
وسهلاً ببقية العراق وخيريه ، متمثلين بأحد أبنائه الحاضر أمامنا
والذي كان لنا معه هذا اللقاء السريع .
* في البدء نقول : هل لتخصصك الأدبي دور في رسم بواكير توجهاتك
الثقافية باعتبارك خريج كلية التربية - قسم اللغة العربية ؟… وهل
للآخرين دور فاعل في تأسيس مقتربات توجهكم الأدبي وترسيم آفاقه ؟
- تخصصي هو ثمرة آنية لجهد قديم بذلته وأنا أتتبع المؤلفات
والإبداعات منذ المرحلة المتوسطة في دراستي ، كل ذلك قربني من
الآداب عموماً والأدب العربي خصوصاً وفتح لي في الوقت نفسه المجال
واسعاً لكي أتعامل مع التأريخ تعاملاً باعتباري أديباً أولاً …
وكاتباً ثانياً ومفكراً ثالثاً , وللناس كل الناس فضل كبير عليَ في
إثارة معلومة بحثت عنها أو مسألة تعمقتُ فيها أو مناقشة حالة تحتاج
إلى تمحيص … كل الذين سبقوني ممن قرأت لهم كان كل الفضل لهم ،
فقد أعانوني واختصروا لي المسافات الطويلة , والتي لولاهم لكانت
فعلاً مسيرة طويلة ومبهمة… التراكمات المعرفية التي حصلت عليها هي
التي رسمت توجهاتي وحددت في الوقت نفسه آفاقي الثقافية ، هنا لابد
لي أن أقول أن الأفكار مجتمعة تعمل على خلق الإنسان ، وهذا الإنسان
هو الذي فيما بعد يعيد خلق الأفكار بالاتجاه الذي يراه ويعتقد به ،
فالأفكار و الإنسان والبيئة حالات متداخلة ، كل واحد منها يصنع
الآخر بصيغ متجددة ، وهذا هو قانون الديمومة التي لابد لنا جميعاً
أن نخضع له .
* نرى في أنماط كتاباتك و طروحاتك الشفهية توجهات موسوعية وإلماما
بجوانب متفرقة من المعرفة ، ترى هل أن ذلك يعزى لموقف سايكلوجي
ذاتي ناجم عن تطلع شخصي للإلمام بباقي جوانب المعرفة ؟ أم هو
محاولات لتفريغ الطاقة والشحنة الإبداعية التي تمتلكها في محاولة
لتصريفها ؟
- الموسوعية أصلاً ليست غريبة على مثقفينا ومفكرينا العرب ،
وأمثلتهم كثيرة في التأريخ وعطاءاتهم الغزيرة لا حصر لها وفي مختلف
المجالات ، والبحث عن التكامل حالة بايلوجية يخضع لها كل كائن ,
حتى المفكر والكاتب , وهي صراع مستمر مع اللاوعي في أن أكون أو لا
أكون … ((وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم )) ، والعقل البشري
يمتلك طاقات معرفية لا أول لها ولا آخر .
نحن نغبن العقل في الكثير من تخصصاتنا , وكان العقل بمساحته
الواسعة عاجز عن تلبية ما نريد ، في عصرنا هذا ظهر موسوعيون
مبدعون ومتميزون كتبوا وألفوا في مختلف المجالات كطه حسين والعقاد
و الكرملي والبستاني و عبد العزيز الدوري وجواد علي ... المسألة
كلها طموح وامتلاك القدرة ومقومات المواصلة .
* في ظل تعدد المدارس الفكرية في كتابة التأريخ واختلاف الإرادات
السياسية والعقائدية في ذلك , إضافة إلى محاولات التحريف والتزييف
... كيف تفسرون موقفكم ؟ وما هي الرؤيا التي تتحكم في توجهاتكم ؟
- كان التأريخ أكثر المفاصل الفكرية اقترابا من السلطة ، لهذا
السبب كانت السلطة قريبة منه ، مسيطرة عليه وعلى وسائله المختلفة ،
وبأساليب معقدة تمكنوا من تطويع كل مفاصله لخدمة السلطان ونظريته
في السلطة , وعلى هذا الأساس اختلفت الرؤيا التاريخية فكان فيها
التحريف والتزييف وتبديل الحقائق وقلبها ، فالموقف والمنطلق هو
الذي يحدد الرؤيا التاريخية … فما حدث للعراق في الوقت الحاضر من
وجهة نظر الشرفاء والوطنيين وأصحاب الكرامة والعروبة احتلال أمريكي
همجي وبربري هدفه سرقة ثرواته وتقطيع أوصاله وحماية الدولة
العنصرية اللقيطة التي سميت بإسرائيل , إضافة إلى إحكام السيطرة
التامة على كل أجزاء الوطن العربي وفرض سياسة العولمة الاستعمارية
ووضع ( الشرق أوسطية ) بيد الكيان الصهيوني اللقيط وتطويق روسيا
وأوربا والدول الإسلامية في وسط آسيا , أما الخونة والعملاء وبائعي
الشرف والدين الوطن والعروبة, فأنهم يرون في هذا الاحتلال الأمريكي
التدميري للعراق عنواناً ساطعاً للحرية والرفاهية والتقدم وحقوق
الإنسان… وكأن ما جرى للعراق وللعراقيين وفي كل شبر منه لا يهمهم
... هذا هو الاختلاف وهو باق ... في ترسيخ ونمو .
* في الآونة الأخيرة برزت دعاوى مختلفة ، من ضمنها مقولة : ((
إعادة كتابة التأريخ )) … نأمل توضيح بواعث مثل هذه المقولة
والظروف والملابسات التي أحاطت بها , ومدى أحقيتها التاريخية أو
بطلانها ، لاسيما وأنها تعالت من أطراف متعددة ومختلفة المبادئ
والأهداف .
- سؤالكم هذا مرتبط بما سبق ، إعادة كتابة التأريخ تكون لمن ؟
ولمصلحة من؟ دائماً التأريخ يكتبه الأقوياء … يكتبه المنتصرون …
يكتبه من كانت بأيديهم وسائل الإنتاج والسلطة ، لهذا فأن التأريخ
ومنذ بداية عصر الكتابة قبل آلاف السنين ولحد يومنا هذا كتب
لمصلحة هؤلاء ، ومصلحة هؤلاء دائماً لا تمثل الحقيقة أبداً ... ولا
تمثل مصلحة قطاعات واسعة من المظلومين والمضطهدين ... لهذا فأننِي
أرى تاريخنا هذا كله ما هو إلا جملة من الأكاذيب والتلفيقات خدمت
في وقتها القوى المتسلطة ولازالت ، المفكر الشريف والنزيه هو
الوحيد القادر على إعادة كتابة التأريخ ، لكن لا أحد يسمح له بذلك
لأنه لا يمثل مصالح المتنفذين ، وهو كإنسان غير قادر على أجراء ذلك
بمفرده ... ونبقى ندور في الحلقة المفرغة التي لا أول لها ولا آخر
.
الكل يعلم بأن التأريخ العربي وتأريخ العراق خصوصاً كتب بإرادة
الحكام ووفق سير المتحدث الانتقائية أو التغييب ، فأعطى صورة عن
طبيعة حركة وتطور القوى المتنفذة ، أما الجماهير وقوى الفعل
الحقيقية فكان من نصيبها الهامش الضيق .
·
كيف برأيكم تتحقق الحيادية في ذلك ؟ إزاء طغيان النزاعات
الأيدلوجية والبراغماتية لدى أشهر المؤرخين والمفكرين في العصر
الحديث.
- من خلال متابعتي للحركة الوطنية في العراق أبان التسلط
الأجنبي البغيض ، كانت العشائر تنتفض ضد هذا التسلط المقيت ,
مطالبة بالحرية والاستقلال ، فيقوم المؤرخون ممن كانوا في خدمة
الاحتلالين الفارسي و العثماني , بوصف هؤلاء الثائرين بالكفر
والمروق عن الإسلام وبالأجرام وبالخروج عن أرادة الله على اعتبار
أن السلطان كان يمثل إرادة الله ، كلمات حق يروجونها, يريدون بها
الباطل وحماية الباطل … التأريخ المقلوب هو التأريخ الحقيقي لأية
حادثة … علينا أن نفهم عكس ما يقال لكي نعرف الحقيقة في تلك الحقبة
, وهذا ينطبق أيضاً على الأفكار والمعتقدات وحتى على الممارسات
الشخصية والتي أخذت حيزاً من ذلك الواقع … الآن نحن نعيش حالة
متداخلة من الرؤيا والتعبير وكتابة الحقيقة … أذن الآن شكلاً
نستطيع أن نقول ما نريد ولكن الحقيقة هناك (كارتل) من الأجهزة
الإعلامية المشتراة تعمل في الوقت نفسه على مسح ما نقوله وتهميشه
عبر عشرات الصحف الممولة والمسيرة من قبل أجهزة المخابرات الأجنبية
وخصوصا من قبل الدول التي احتلت العراق ودول الجوار الطامعة فيه ،
وهذه الماكينة الجبارة قادرة حتى على غسل أدمغة الناس وملئها بما
تريد من معلومات كاذبة وملفقة … عشرات الفضائيات التي لا نعرف من
يمولها ؟ , ولمن تعمل؟ , ومئات الصحف التي تشاركها العمل المدسوس
هذا … ومئات الجمعيات والمنظمات والمؤسسات الإنسانية وغير
الإنسانية ... والتي هي الأخرى لا يعرف أحد من أسسها ؟ ومن مولها ؟
ولخدمة من تعمل ؟ ولأي غرض مشبوه أنشئت ؟ ... والجميع يعملون على
غسل أدمغة الناس وفق نظرية مهندس الإعلام النازي غوبلز : (( اكذب
... اكذب ... اكذب ... حتى يصدقك الناس)) ، وهذا فعلاً ما نراه
حاليا في أجهزتنا الإعلامية وهي تكتب تأريخ الحاضر بشكل مزيف
ومشبوه وضد أرادة مصالح العراق وشعبه .
* نلاحظ في هذا الوقت بالذات دأب بعض الجهات في أتباع سياقات
جديدة كلياً في التركيز على أثار ومقومات التأريخ العراقي القديم
المتمثل بالحقبة السومرية والبابلية و الأكدية والآشورية مجتمعة ,
في محاولة لتجاوز السياق الكتابي للجيل الذي سبق والمتمثل بالتيار
القومي العربي والإسلامي السلفي في تأكيده على الموروث العربي
الإسلامي كإطار عام يحكم التوجهات العامة في التأريخ العربي ...
يرجى تحديد موقفكم من هؤلاء … وأولئك .
- من أولويات الاحتلال الأمريكي الهمجي للعراق هو مسح لكل
الملامح والأطر العربية والإسلامية لهذا البلد الذي مثل ومنذ القدم
العمق الكبير للأمة العربية وهذا ما أغاض المحتلين من أمريكان
وإنكليز وأستراليين واسبان وطليان , وعملوا على تحقيق ذلك من خلال
قطع كل وشائج العراق ببقية أقطار أمته العربية ، وبهذا يحرمون هذه
الأمة العظيمة … الأمة العربية المجيدة من عمقها الأصيل والثابت
وهو العراق العربي قلبا وروحا وتوجها ... علماً أن الجزء بدون الكل
لا يساوي شيئاً ... ترى ما فائدة طابوقة إذا خلعتها من جدار ؟… إن
العمل الحثيث والمتواصل على التمسك بالرموز القديمة لتأريخ العراق
كالرموز السومرية والبابلية والأكدية والآشورية وإعطاءها الأولوية
… وهي كلها رموز وثنية لا نتشرف باستذكارها وهي تمثل الإباحة
والوثنية والبعد عن كل القيم السمحاء لامتنا العربية المجيدة ,
متمثلة بالدين السماوي العظيم وهو الإسلام الذي خرج من رحم امة
العرب بما فيه من رموز وضاءة وسير مشرفة وتاريخ أنساني مشرق ، ما
يحدث الآن في العراق ليس غريباً على أمتنا العربية ، فقد جرى ومنذ
سنوات في مصر في الدعوة إلى الجامعة المصرية والأمة المصرية وفي
العودة إلى الفرعونية الوثنية والقبطية … ومثلما فشلت هذه الدعوة
المشبوهة في مصر من قبل ، فأنها ستفشل بإذن الله في العراق العربي,
وهذه أمانة في رقبة كل الشرفاء والغيورين من محبي هذا الوطن
والمؤمنين بأنه وطن واحد للجميع بكل أطيافه وقومياته.
========
*سلمان العبد
بغداد العراق