المغرب
بلد قصصي بامتياز

مصطفى
لغتيري
منذ
بواكرها الأولى ،مرت القصة القصيرة في المغرب بعدة مراحل متباينة ،
ميزت نصوص كل مرحلة على حدة بخصائص معينة ، فوسمتها بميسمها الخاص
، متأثرة في ذلك بإشكالات الواقع حينا و رهانات الكتابة حينا
آخر،فأصبح –نتيجة لذلك - الحديث عن الأجيال القصصية له ما يبرره.
و غني عن الذكر أن مرحلة النشأة، خلال الأربعينيات و الخمسينيات من
القرن الماضي ،انشغلت باستنبات هذا الفن القصصي في التربة المغربية
، مستلهمة في ذلك التجربة القصصية المشرقية .. و نتيجة للوضع
السياسي المميز لتلك المرحلة ،والمتمثل تحديدا في معضلة الاستعمار
، عمدت القصة القصيرة إلى التعبير عن هذا المعطى ، فجاءت مثقلة
بمظاهر الاحتلال و التحريض على مقاومته، و تصوير الصراع بين مجتمع
تقليدي مشدود بقوة إلى الماضي، وبين بوادر و إرهاصات تهفو إلى بناء
مجتمع حداثي ، محفزة في ذلك بصدمة الاستعمار، و الاطلاع على بعض
مظاهر الحياة في المجتمعات الأوربية . و يلاحظ أن المسحة
الرومانسية قد طغت على إنتاجات هذه المرحلة ،ومن بين كتاب هذا
الجيل عبد المجيد بن جلون و عبدالرحمان الفاسي.
في مرحلة ما بعد الحصول على الاستقلال طغى المعطى الإديولوجي على
القصة القصيرة ، فجاءت نصوص هذا الجيل صارخة في وجه الظلم
الاجتماعي و السياسي ، إذ عمد قاص الستينيات و السبعينيات إلى
الكشف إبداعيا عن الصراع الطبقي و الإقصاء السياسي و الاجتماعي و
نذكر من هذا الجيل كل من عبد الجبار السحيمي و محمد زفزاف و إدريس
الخوري و محمد ابراهيم بوعلو.
أما جيل الثمانينيات ، فحاول الحفاظ على مسافة معقولة بين انشغالات
الكتابة القصصية و هموم الواقع ، فاهتم- على حد تعبير محمد برادة-
"بالجغرافيا السرية للذات بدل جغرافيا الواقع" ، وهكذا تمت العودة
إلى داخل النص بدل الاهتمام بخارجه ، فتطورت- بالتالي- تقنيات
الكتابة القصصية ، ووظف القصاصون البعد العجائبي و السخرية في
قصصهم ، فتخلصت القصة القصيرة – نتيجة لذلك – من الطابع المتجهم و
"الجاد" الذي ميزها مع الجيلين السابقين، و نذكر من كتاب هذا الجيل
أحمد بوزفور و مصطفى المسناوي و محمد الهرادي و محمد عزالدين
التازي و محمد صوف و محمد غرناط.
منذ بداية التسعينيات برز جيل جديد في المشهد القصصي المغربي ، نوع
مصادره ، فبالإضافة إلى اطلاعه على النصوص المغربية و العربية
انفتح كذلك على الآداب العالمية ، التي لم يتأت للأجيال السابقة
تأثيث وعيها القصصي على خلفيتها ، وأخص بالذكر قصص أمريكا
اللاتينية ، فتملك هذا الجيل طموح مشروع لحفر مسار قصصي ، يختلف
كما و نوعا عما أنتجته الأجيال السابقة.
و يتميز هذا الجيل – في رأيي المتواضع- بما يمكن تفصيله فيما يلي :
- إنه جيل تخرج أكثر كتابه من الجامعة المغربية ، بما يعني أنه
متشبع باللغة العربية ، ومطلع على المدارس الأدبية و الاتجاهات
النقدية و أهم النصوص القصصية المغربية والعربية :سعيد منتسب -
خالد أقلعي – جمال بوطيب – لطيفة لبصير-مصطفى جباري ..
- جيل ركب موجة التجريب ، فأنتج نصوصا مختلفة و صادمة ، تكسر خطية
السرد و لا تحتفي بالحكاية ، وتمارس اللعب باللغة وتوليد تعابير
جديدة لم يسبق تداولها محليا : أنيس الرافعي –عبدالنبي داشين- محمد
أمنصور – جمال بوطيب-هشام دحماني..
- جيل تميز بوفرة إنتاجه القصصي ، مصرا بذلك على التراكم ، فاختفت
نسبيا تلك الظاهرة المميزة للأجيال السابقة ، المتمثلة في اكتفاء
أغلب قصاصيها بمجموعة قصصية واحدة إلا فيما ندر.
-جيل يتوزع على امتداد التراب الوطني ، إذ لم يعد الإبداع القصصي
حكرا على مدن بعينها ، بل أصبحنا أمام ديمقراطية قصصية تكاد توزع
بالتساوي على كل جهات المغرب : عبدالعزيز الراشدي "زاكورة"–
اسماعيل غزالي"امريرت"-صخر المهيف "أصيلة"- البشير الأزمي
"تطوان"-عبدالسلام بلقايد"العرائش- البتول المحجوب "طانطان".
-جيل منشغل بهموم الصحافة الثقافية بالإضافة إلى هموم
القصة:عبدالعالي بركات -عدنان ياسين- عبدالسلام المودني -نجلاء
البقالي- عبدالواحد استيتو.
-جيل تشكل المرأة الكاتبة فيه نصيبا لا يستهان به ، بل أضحت القصة
النسائية مع هذا الجيل مؤهلة لأن تخصص لها أنطولوجيا بمفردها ، و
بالتأكيد ستكون وافرة العدد و رفيعة القيمة : ربيعة ريحان – لطيفة
باقا – مليكة نجيب –رجاء الطالبي- وفاء مليح-رشيدة عدناوي –مالكة
عسال – مليكة صراري–نجاة الصرار- عائشة بورجيلة.
--جيل يتحدى عوائق النشر ، ويطبع كتبه على نفقته، حتى تجاوز إنتاجه
جميع ما تنتجه دور النشر المغربية مجتمعة.
-جيل انتظم في جمعيات و نواد مدافعا - من خلالها على معشوقته
القصيرة و متداولا في شأنها باستمرار: هشام حراك-محمد الشايب-
عبدالواحد كفيح-عبدالمجيد جحفة- محمد الحاضي.
-جيل انفتح على المشرق بفضل الأنترنيت ، فضمن لنفسه مواطئ أقدام في
المشهدالقصصي العربي ، بعد أن لفت الانتباه إلى إنتاجه القصصي :
نورالدين وحيد – الحبيب الدائم ربي- فاطمة بوزيان- نورالدين محقق-
منى وفيق – هشام بن الشاوي – عبدالنور إدريس
- جيل يحصد تباعا جوائز المسابقات أينما وجدت :الزهرة رميج- شكيب
عبد الحميد
- جيل استهواه التكثيف و القصر ، فأنتج القصة القصيرة جدا ، إذ لا
نكاد نعثر على قاص من هذا الجيل لم يدل بدلوه في هذا المجال :
عبدالله المتقي – عزالدين الماعزي – محمد تنفو – المصطفى كليتي-
السعدية باحدة- حسن برطال – مصطفى لغتيري
- جيل يجمع ما بين الإبداع و النقد و الترجمة أحيانا،مما يعني أنه
مسلح بخلفية نظرية تؤهل قصصه لتتأمل نفسها باستمرار ، وتحقق تطورا
مطردا : محمد سعيد الريحاني- المهدي لعرج-محمد اشويكة-حميد ركاطة –سعيد
بوكرامي - محمد ايت حنا
أمام هذا الجيل المثابر ، والمؤمن بإبداعه ، حققت القصة القصيرة في
المغرب في المغرب تطورا لا ريب فيه إبداعا و وفرة إنتاج ، بل
استطاعت أن تزاحم الشعر و الرواية على مكانتيهما التقليديتين ،
وتخلق – بالتالي- حالة قصصية ملفتة ، استقطبت المزيد من الأقلام
الشابة ، ولفتت اهتمام النقاد ، فأنشئت ورشات للكتابة القصصية ، و
ألفت كتب نقدية ، و أنجزت أنطولوجيات و ملفات عامة ومتخصصة.
نتيجة لكل ذلك يحق لنا أن نستبشر خيرا بمستقبل هذا الفن الجميل ،
ونراهن على هذا الجيل الجديد ، لجعل المغرب – على الأقل عربيا-
بلدا قصصيا بامتياز.