الأدب  ( 1/E ) -

 أخبار و مقالات و دراسات أدبية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 الإيهام و الواقعي

و سينما مصطفي نصر

                      

                                            قراءة محمد الشربيني (المهندس)

      يبدأ مشوار الفن السينمائي بنص ورقي ثم يأتي إبداع المؤثرات الصوتية والضوئية للإقتراب من الواقع الحياتي . وهنا يعكس الروائي مصطفي نصر في روايته / متواليته القصصية )سينما الدورادو( الأمور فتتحول المشاهد السينمائية إلي نص ورقي ، ثم يساهم بطريقة مبتكرة في الإيهام بمدي واقعيته ومعايشة أبطاله بل والمشاركة داخل دور السينما للنص المكتوب والمرئي معا .

ولعلنا نلمح مع مشوار الروائي مصطفي نصر الطويل عدة محاور نعكسها مع نصه الجديد سينما الدورادو ..

أولا :الثوابت الخاصة بأعمال مصطفي نصر والتي استمرت هنا

ثانيا :المتغيرات التي طرأت مع سينما الدورادو

ثالثا : مفاجأة تحويل الواقع الافتراضي أو الوهم من المشاهدة إلي المشاركة ..

وباستقراء بدايات مصطفي نصر الإبداعية ومشروعه الأدبي نلمح درجة من التميز والوضوح لأعماله ، تشمل المضمون والبناء مع إضافة الجديد لكل نص ، وذلك منذ أصدر روايته الأولي ( الصعود فوق جدار أملس )

.. اختار الكاتب الطبقة الشعبية المطحونة عالما لكتاباته ، وكون لنفسة رؤية خاصة باختراق عوالم الحضيض منها ، عارضا لها بعيدا عن الفنتازيا ولكن من خلال ما يمكن تسميته بالواقعية الخاصة ، حيث المزج بين الواقعية النفسية والرغبات والدوافع الغريزية وعلي رأسها غريزة الجنس .

.. ونسجل نجاح أديبنا في توظيف هذه الدوافع بعيدا عن الإغراق في المشاهد الجنسية الفاضحة أو البورنو حيث الدلالة والحدوته سبيلا لجذب القارئ لهذا العالم .

وتأتي الحدوته في إطار جزئي مكثف كعنصر أساسي من العناصر التركيبية للبناء القصصي بشكليها المتتابع والمتفطع لتطوير الشخصيات والأحداث والدلالات أيضا .

.. والحدث وهو غالبا من وجهة نظر الشخصية التي حاول الكاتب الإيهام بتركه لها حرية الحركة في هذا الوسط تصاحبها التساؤلات السردية بما تحدثه من ردود فعل لشخصياته المتنوعة وهي نفسية ومسلكية وقيمية أيضا ..

ولقد وظف الكاتب الراوي في معظم أعماله رؤيته التي تركز علي سقوط أبطاله في مهاوي الجنس والإنحرافات الجنسية وربما الشذوذ الجنسي أيضا ، وعرضها بأساليب مستفزة تصلح ناقوس خطر يدق .

ويعرض الكاتب حكاياته بلغة منتقاة ذات جمل قصيرة موحية ، وعبارات مكثفة تساعد علي سريان الحدث أو التنيه لخطورة موقف أو تمادي شخصية ما دون مباشرة أو زعيق ولو علي حساب قواعد اللغة .

يحكي الراوي مشهدا سينمائيا فيقول ..

( اسماعيل يسن وعبد المنعم إبراهيم يأتيان بكلب من الشارع يشبه كلب هند رستم الضائع ويدهنونه بالبوية ويقدمونه لها علي أنه كلبها الضائع ) وبعيدا عن مشكلة المثني والجمع يبدو أن العبارة تضفي حميمية شفهية الحكي إلي الورق ..

وعلي لسان حنفي بطل قصة سينما محرم بك وهو يطالب بنقوده

" النقود تأتي إلي .. والا لن أخرجك من بيتك " وهي لغة توقفك عن القراءة كما توقف شكري صديقه عند حده وأنت تتأمل لغة التهديد والقهر ..

ويستخدم الأديب عددا من الأساليب بجانب ضمير المتكلم منها المونولوج الذي يعطي للشخصية حرية التعبير بعيدا عن الآخرين .. والاستبطان لإنهاء حديث النفس وملل القارئ أيضا .. لكن الإيهام بالحيادية يتواري مع استخدام أسلوب الصدمة إلي درجة الإستفزاز أحيانا مع القارئ ومع البطل أيضا ..

في رواية جبل ناعسة وهي ثالث أعماله كانت شخصية الأم الشهوانية محور الأحداث حيث الصدمة للقارئ وللإبن الأول والمؤلف يجعل زوجها يمارس معها الجنس أمام ابنها ويكتشف الإبن الآخر أن أمه عشيقة للخواجة .. ومع هذا الزخم تأتي الصدمة أيضا ودوافع الإنتقام ونذالة الأخ في المحكمة وهكذا ..

وتأتي المفارقة مع البطل الآخر في نفس الرواية ومسألة العجز الجنسي مع زوجته بينما ينجح في ذلك مع عشيقته ..

والكاتب يعلم انطباعات القراء عن هذه النوعية حيث الرفض العلني ، ولكن النفس تنجذب إليها سرا .. ويتابع القراءة بعيدا عن الآخرين محاولا اكتشاف مجاهل عالم مصطفي نصر وحدوته البسيطة وأساليبه المتنوعة ..

وهنا في رواية سينما الدورادو يبدو الإحترام الزائد للداعرة وبفلوسها كما يقولون وأيضا السيدة التي تحاول إرضاء رغباتها مع الشاب الذي ترك لها السينما وفر هاربا وقد كون لها صورة تذكره بإمه تأتي استمرارا لرؤيته السابقة .

ونأتي إلي الجديد في سينما الدورادو حيث استغل الكاتب بذكاء شديد فترة ازدهار السينما في الستينات والسبعينات من القرن الماضي وحيث توارت الرومانسية وانتشرت أفلام الجسد جنسا مع المرأة وقوة عضلات مع الرجل ، وقام باستدعاء هذا العالم الإفتراضي بلغتنا الجديدة والخيالي أيضا حيث الأبطال أكثر شعبية من أبطال قصصه ، واختار بعضا من الأفلام العربية تناسب توجهاته ليخرج بها من حي غربال الشعبي السكندري إلي تعدد عوالم السينما ، وركز علي النوعيات التي تناسب عالم الحضيض والجنس بصورة خاصة .. ربما يأتي ذلك مع توارد الأسئلة عن استمرار مصطفي نصر في اختياره لهذه الطبقة وهذا العالم وهذه النوعية من السلوكيات وليثبت أن اختياره لم يكن محليا .

ومع عرض لغة الشر وما لها وما عليها لكننا نسجل له هنا نجاحه في المشاركة في حل مشكلة السينما والتلفاز ومحاولة الاحتفاظ بالمتفرج ، وحيث المتفرج ومعرفته بأن ما يراه خيالا أو حكايات سيما وتمثيليات ..

ومع استخدام المؤثرات الحسية والبعد الثالث (نظارات خاصة ) لتحويل المتفرج إلي مشارك وايهامه بأن ذلك واقعا بافتراض أن الفن يستهدف بدوره الواقعية أيضا ، فقد جاءت فكرة الكاتب بالممازجة بين الفيلم المعروض في دار السينما ومشاركة المتفرج داخل دار السينما بالتقليد لما يراه وبساطتها كحل مدهش ، وبالقطع فإن أفضل الأداور التي يمكن محاكاتها في ظلام العرض السينمائي هي الممارسات الجنسية ..

وبذلك رأينا مشهدا سينمائيا أو عالما افتراضيا وخياليا قد تحول إلي عالم الورق مع القارئ وإلي التقليد والمحاكاة مع أبطال القصة داخل السينما .

أيضا كانت هذه الفكرة في صالح حميمية الذكريات التي وظفها الكاتب لجذب قارئ هذه الفترة الزمنية ، وعرض من خلالها تسجيل تاريخي لدور السينما والحالة الاقتصادية والاجتماعية للبلد من وسط العالم الشعبي الملازم له . بصرف النظر عن التسجيل التاريخي لهذه الدور فأنت تستطيع أن تغير ترتيب السينمات المذكورة ، وأيضا قد تغير الحكايات لكن ذلك هو المبدع مصطفي نصر .

واذ نجح الكاتب في مشاركة فكرة تحويل المتفرج /المراقب إلي المتفرج المشارك بالإضافة إلي المشاركة الوجدانية في دراما التطهير الكلاسيكية كما يري بريخت ، فإنه نجح أيضا في زعزعة الحاح السؤال عن سوداوية عالم مصطفي نصر وجاء التغيير في هذه الرواية من حيث ..

زيادة النقط البيضاء أو عالم النقاء في سينمات الدرجة التانية وبطلة قصة سينما محرم السيدة التي تبحث عن شاب يرضي رغباتها ويصفها الكاتب خارجيا في صورة جميلة ثم داخليا بدءا بابتسامة تجعل الشاب طارق يتذكر أمه وتبدأ الصدمة مع تلامس الأيدي الدافئة ويفرالشاب هاربا إلي خارج السينما قبل أن يبدأ الفيلم العربي ومفارقة في جابب الخير .

والشاب المراهق الذي رفض عرض الرجل قبيح الوجه ـ ودلالة ذلك الوصف ـ بالذهاب معه إلي دورة المياه والباقي مفهوم وترك مقعده أيضا ، ويحاول المؤلف تحسين الصورة بجعل البطل الشاب يقابل الرجل الشاذ بالقرب من شارعهم بعد ذلك ، ويحاول استدراجه ليعطيه درسا قاسيا مع أصدقائه .

وهذا التحول في سلوك الشباب يناسب أيضا الواقعية الخاصة التي اختارها الكاتب أسلوبا له وحيث يأتي النقاء أو التطهر مقابل شخصيات كانت لا تشعر بالذنب ولا يحركها تأنيب الضمير.. وجاء اختيار الكاتب لسن المراهقة المتقلبة موفقا ..

ولكن الكاتب يظل محتفظا بأسلوبه في صدارة العمل مع قصة سينما التتويج والمرأة التي غاب زوجها المسن وذهبت إلي سيد الشاب في عقر داره تنتهز فرصة لممارسة رغباتها الجنسية ، وعندما تفشل يأتي الحل الذهبي في ظلام سينما التتويج وفيلم حمام الملاطيلي بطولة شمس البارودي الذي استمر عرضه طويلا ..

ويضع الكاتب يدنا علي مجموعة جديدة من الدلالات بمرض البطلة عيدة وموتها ثم إغلاق سينما التتويج ورسالة خاصة من المؤلف .

تقول الروائية الأنجليزية جين أوستن أن الرواية عمل يكشف عن قدرات عقلية كبيرة للأديب مع المام بالطبيعة البشرية بجانب التصوير التعبيري ولغة منتقاة ، ونضيف جرأة التجريب لنرصد ملامح سجلتها رواية سينما الدورادو لأديبنا الأستاذ مصطفي نصر