
جاسم محمد صالح نموذجا
·
أحمد محمد أحمد
رئيس تحرير مجلة البغدادية
لا
يستفززنكم عنوان هذا المقال ... ولا تتسرعوا بالمعارضة والسؤال ...
فالفقير في مفهومنا ليس من كان قليل المال أو كثير العيال ...
وسأجيبكم في الحال على سؤال بعد سؤال؟ من هم الفقراء إذن ؟ وما هو
أدبهم ؟ وأين موقع المحتفى به من هذا الأدب ؟
عرفنا طبقة الفقراء في مقالاتنا المنشورة في الدستور والسفير
بأنها طبقة لا
أرى لا أسمع لا أتكلم … وقلنا أنها شملت الأغنياء والفقراء ، وكبار
المثقفين والمتعلمين ، إضافة الى المتدينين والملحدين … أي أنها
ليست ملة أو طائفة بالمفهوم الديني ، وليست طبقة بالمفهوم الطبقي
الماركسي ، وليست أغلبية أو أقلية بالمفهوم القومي ... بل هي واقع
وحياة ووجود ، أنا وأنت وتسعون بالمائة من العراقيين ، أن لم يكن
أكثر .
كما قلنا إن الصراع الدموي المرير على السلطة السياسية بين
الأحزاب والحكومات والقوى المعارضة لها ، منذ تأسيس الدولة
العراقية ، الى يوم سقوطها كان سبباً كافياً لتعيد الغالبية
الشعبية ، ولجوئها الى الحكمة الصينية القديمة : ( لا أرى لا أسمع
لا أتكلم ) , فتولت متفرج على ذلك الصراع الدموي الطويل شيئاً
فشيئاً ... الى أن دخل المحتل الهمجي بجيوشه الى أرض الوطن ، وهذه
الطبقة في حالة من الذهول بين التصديق والتكذيب , وقلنا أننا
استعرنا هذه المفردة من القاموس الشعبي البغدادي ، فالفقير لفظ يصف
حالة الرجل المسالم ذي الأخلاق الحميدة والذي لا يعتدي على أحد ،
بل لا يتدخل في شؤون غيره وربما يسامح من يعتدي عليه ... ومن أراد
المزيد من التفصيل فليراجع كتابنا الذي سيطبع قريباً تحت عنوان(
كتاب الفقراء) .
أدب الفقراء :
هل للفقراء أدب وللأغنياء أدب آخر ؟…
أظن لوعدنا الى تعريف طبقة الفقراء ، لأصبح السؤال بلا معنى ؟…
أدب الفقراء إذن هو النتاج الأدبي للمبدعين من أبناء هذه الطبقة أو
ممن عبروا عن معاناتها وآلامها منذ بداية تكونها والى يومنا هذا .
في العراق وما جاوره من بلدان أخرى تشكل طبقة الفقراء فيها
الأغلبية الشعبية ويكاد يمثل هذا الأدب في تقديري الشخصي أغلب
النتاج الإبداعي العراقي والعربي على مدار النصف الثاني من القرن
العشرين المنصرم وعلى مساحة واسعة من الدول العربية والمجاورة لها
والمساواة عبثاً بالدول النامية .
الأنظمة المختلفة المستبدة في هذه الدول ، تعتمد على أجهزتها
الأمنية والأستخباراتية في وجودها وسلوكها ، وتعتبر الثقافة
والفنون والآداب أخطر البؤر التي يتسلل منها النور الى الشعب
المقبور وهو على قيد الحياة ؟ لذلك نراها تصر على مراقبة المثقفين
وتدقيق ما يقرؤون وما يكتبون وما قد ينشرون .
كانت ولازالت ، هذه السلطات المستبدة تستخدم قسماً كبيراً من
هؤلاء المثقفين كجنود لخدمتها ، تشكل منهم خطاً دفاعياً ثقافياً في
وجه أي إبداع حقيقي يتناول مفاسدها أو يلقي الضوء على جهلها
وغبائها وتقصيرها .
لقد استطاع هؤلاء المجندون تحويل الآداب والثقافة والفنون الى
ساحة عمليات حربية استخدمت فيها أسلحة الترغيب والترهيب … فكان على
من أمتلك الموهبة الفطرية والدوافع الذاتية للإبداع السير باتجاه
خدمة مآرب السلطة ترغيباً … وإلا منع من تسريب حزم النور ترهيباً …
كان عليه أن يختار بين مواقف أحلاها مر , وبين محاباة السلطان أو
الهرب الى بلاد أخرى يحترم فيها الفنان … بين العيش على طريقة لا
أرى لا سمع لا أتكلم في دائرة النسيان أو البحث عن فيروز الشطآن مع
عبد الحليم ونزار القباني . بعض لأدباء رفض كل هذه الخيارات ولم
يستطع أن يكتب ما في داخله من دوافع و إبداعات لم يستطع أن يدفن ما
فيه من مواهب وإشراقات … ماذا يفعل ؟… وكيف يتصرف ؟
لجأ الأدباء الفقراء الى تغليف نتاجهم بأغلفة تخفي حقيقتها ،
وإلباس شخصياتهم لبوساً مخادعاً لتسهيل مرورهم على شباك الرقيب
الحكومي بجواز سفر المرور ؟... بعضهم لجأ الى الطيور الوادعة ،
والحيوانات المفترسة في الغابة ... راح يتكلم بلسان الحيوانات ...
بل راح يصور العلاقات الإنسانية والاجتماعية من خلال علاقات
الحيوانات في الغابة وعلى لسان حيواناتها ؟ البعض الآخر عاد الى
التاريخ ... راح يستعير الشخصيات والحكايات والرمز والدلالات كي
يمرر من خلالها أفكاره ورؤاه , هذه الحالات وغيرها كانت المخاض
الذي أسفر عن ولادة أدب الفقراء هذا الأدب الذي يحتاج الآن الى
نظرية تؤرخ له بشكل علمي ... تضع له الأطر وتستنتج منه القواسم
المشتركة ... تدرسه دراسة تفصيلية ... وتقدم لنا مبدعيه ورواده من
الشعراء والقصاصين والأدباء الذين نعرفهم أو لا نعرفهم ولا أظن أني
قدمت أكثر من أشارة تؤدي الى فتح باب واسع يحتاج الى المتابعة
والتحليل والتنظير , وهذه مهمة النقاد والمبدعين وعلى رأسهم
الأستاذين ناظم السعود و جاسم محمد صالح نموذجاً .
الآن نستطيع أن نحدد موقع أديبنا المحتفى به اليوم ... فهو
النموذج الأول الذي أرشدني ، دون قصد منه ، الى طرق هذا الباب
الواسع( أدب الفقراء) فالرجل وحسب معلوماتي لم يكن يوماً من
المصفقين أو المنتفعين من النظام السابق ولم يكن من الذين استطاعوا
ألإقامة في البلدان التي تحترم الأديب والفنان ، لذلك عاش كغيره من
ألأدباء الفقراء بين المطرقة والسندان ، وظل يبحث معنا عن فيروز
الشطآن وهو يهتف : (لا أرى لا أسمع لا أتكلم ) ؟.
(جاسم محمد صالح ) كان في داخله يرى ويسمع ويتكلم أيضاً ,
كان حديثه يدور
على لسان أبطال التاريخ القريب والبعيد … كان يبوح بما يعتلج في
صدره على لسان الحمامة البيضاء والديك الملون والأرنب البري … ها
هو ذا ( جاسم محمد صالح ) يتحدث بلسان قمر الزمان في مسرحيته سقوط
الملك شهريار : (قمر الزمان يخاطب شهريار الملك الظالم المستبد) :
(( أنك واهٍ لأن قوتك لن تدوم ،
لا يمكن ان تبقى قوياً هكذا ،
ان الكلاب لفي شوق الى لحمك ولحم هؤلاء
(( مشيراً الى أعوان الملك )) ...
أنا لم اسرق ... ولم أكذب … ولم أفعل شيئاً ،
كل ما فعلته هو,
ان أحب الناس واعشق الحقيقة ... وأقول الصدق ...
كفاك كذباً ومتاجرة بعقول الناس ومصائرهم …
أحرقت الأخضر بثمن اليابس … ومسحت مدينة ,
حولتها الى خراب أبدي لا أول له ولا آخر ...
سرقت كل شئ … ولم تترك لنا أي شئ…
سحقت كل الشرفاء في بلدي )) .
ترى من كان قمر الزمان المتحدث ؟ ومن كان شهريار المخاطب ؟ ...
أجيبوني من فضلكم , في (مملكة الذهب) وهي إحدى مسرحيات الأستاذ
جاسم محمد صالح يتحدث الوالي الى القرد ويطلب منه الجواب:
- ( كم تمنيت أن تقف في وجهي وتمتلك شجاعة وتقول لي …
كفاك كذباً أيها الوالي … لاتبع حياءك يا مولاي الى الأبد …
لا تفرط بآخر قطرة ماء في وجهك …
لكنك عشت قرداً ومت قرداً …
ألا فلتحل اللعنة عليك)
( يضرب الحائط بقوة ويقترب من صورة الكلب ) .
من هو القرد هنا ؟ ومن هو الوالي ؟ أجيبوا بما تشاؤون ؟.
اقرؤوا مسرحياته فسترشدكم الى ما بذله من جهود شاقة في إصدار
جوازات السفر المزورة لشخصياته ؟ .
ما هي قيمة مسرحيات جاسم محمد صالح من الناحية الفنية
والتاريخية ؟ وما مستوى نضوج أدواته التعبيرية او حركات شخصياته
المسرحية ؟ هل استطاع ان يملا أجواء مسرحياته تشويقاً وإثارة ؟ ...
هل توفرت في مسرحياته مقومات المتعة والفائدة التي جعلها أرسطو
أساسا لنجاح أي عمل فني ؟ هل استطاع إيصال أفكاره الى جمهوره
الأطفال ؟ و هل استطاع إمتاعنا بمسرحيات الكبار ؟
اعتقد ان من المبكر عليّ ، على الأقل ، التفكير بالجواب قبل رؤية
هذه الأعمال على خشبة المسرح ، وعندئذ سيشاركه في التقييم المخرج
والممثلون ؟. كما اعتقد ان هذه المسرحيات ، تحتاج الى دراسة نقدية
موضوعية جادة من قبل نقاد اختصاصيين متمرسين ، يستطيعون إرشادنا
الى عناصر القوة ومواطن الضعف ؟ .