الأدب  ( 1/E ) - أخبار أدبية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 أتعلم الحب في غيابك

قصة قصيرة

للروائية الجزائرية

 ياسمينة صالح

قراءة و تأملات في النص

راوية سامي

-1- القراءة

              قليلة هي النصوص النثرية التي تستهويني وتشد مني طرفا خفيا، وغالبا ما تناديني القصائد لقراءة أولى وثانية وربما أكثر وربما حفظ عن ظهر قلب.. لكن عندما ارتطمت، وأقول ارتطمت، بهذا النص الرائع لياسمينة صالح .. كان الحال مختلفا... وبما أنني لست من أهل النقد ولا مختصيه ومحض متذوقة للكلام الجميل وممن يميزونه بفطرة أخالها ما زالت سليمة أقول:

" أتعلم الحب في غيابك" لياسمينة صالح تحفة فنية من نوع خاص وفريد، وأجمل ما فيه إحساس بالدهشة يغلف القارئ، وعلى الرغم مما يبدو من "شطحات"  في النص وتنقله بين الدين والسياسة والمجتمع والحب والماضي والحاضر والفرح والحزن والغضب واليأس والأمل، إلا أن ياسمينة وبفيض عفوية.. وبقلم يعرف كيف يغزل من الكلمات شالا ملونا متناسقا يحلق بعيدا مع الريح وتحملنا ألوانه وتحط بنا أينما شاءت، وتركز أنظارنا في كل لحظة على اللون الذي تريد، بعيدا عن التشتت والفلسفة التي تقال لأجل خلق غموض لا ينتج عنه شيء –وما أكثر هذه الظاهرة في النصوص الحديثة- قد نجحت بالفعل...إنه  نص يعرف كيف يجعل القارئ يجري وراء حروفه ويعيد القراءة وفي كل مرة يحدق في النص أكثر... وتنتابنا رغبة في سبر أغواره.. وما تبدأ القراءة حتى تنتهي .. لتبدأ من جديد.. وفي الوقت الذي نستشف فيه براءة مفقودة ما زالت ترقص بين حروف ياسمينة.. نرى حزنا مفروضا وربما أصيلا ما هرب منها إلا ليتسلل من بين ثنايا النص... ليغلفه بروعة ألم ومسحة حزن لا تبارحنا... تبدو الكاتبة في لحظة لي كطير جريح يحاول الهرب من كل شيء ومن لا شيء.. ولا زالت تنتابه رغبة في الحياة وفي البقاء رغم كل هذا "الضغط" الذي يمارسه عليه كل ما في الحياة ...

غضب بريء وضجر يعتري ياسمينة بين الفينة والفينة لكنها كاتبة أنثى ما زالت تحافظ على رقتها وامرأة من طراز رفيع قلما وجد في الأجواء الأديبة مثلها في هذه الأيام...  

 أعجبني من جملة ما أعجبني في هذا النص الرائع، رشاقة التنقل بين العبارات، فالعبارة قصيرة وموجزة ولكنها تعرف كيف تصيب وتشد.. ياسمينة عصفورة تعرف فن التغريد.. وتعرف كيف تنتقي بعفوية وذكاء كل حرف وتشكل كل عبارة بهدوء وبسرعة البرق.. وكيف تصوغ العبارات وتطوعها كيف شاءت..

إن هذا الطراز الأدبي الرفيع وهو النثر الفني..طالما غاب عنا...و لا تسلط الأضواء عليه كثيرا، ربما يحتاج وقفة بعد هذا النموذج الراقي الذي  أعادت فيه ياسمينة الاعتبار إلى هذا الفن الجميل.

ختاما، أتمنى لياسمينة مزيدا من التألق ودام عبق الياسمين يفوح من كتاباتها في زمن عز فيه الكلام الجميل... هذا النص "خلطة" سحرية وسرية فريدة لكاتبة ماهرة لمزيج من المشاعر المتناقضة والأفكار المشتتة التي لا أعرف كيف أمسكت بزمامها ياسمينة بكل هذه الفروسية لتخرج لنا بنص ولا أجمل.. سلمت الأقلام وسلم كل الكلام الجميل وكتابه..

صباحكم / مساؤكم سعيد...  

راوية سامي

‏المترجون و اللغوين العرب ( ArabWata  )

-2- القصة

 أتعلم الحب في غيابك

قصة قصيرة

للروائية الجزائرية :

 ياسمينة صالح

إن من يبدأ بالشك في التفاصيل الصغيرة، يتوصل في نهاية المطاف لأن يشك في الحياة بحد ذاتها.
الكاتب التشيكي، ميلان كونديرا

                   تنام أيامنا على أرض جاهزة للرحيل. ينام الكلام حين يداهمنا الخوف فجأة. حين تصطادنا الشكوك الصغيرة التي تصنع منا أقل صلابة مما تعودنا، مما ادعينا أو تداعينا. و يحضرني وجهك الذي كدت أنسى فيه تلك الخانة الجلية أعلى الخد، على يمين الدهشة التي حين تستقر في عينيك أفقد لساني. أتساءل: كيف يمكن لشخصين أن يبدوا غريبين أكثر مما أبدو أمامك وتبدو أمامي؟ كيف يمكن لشخصين أن يتكلما كما لو أن الكلام لم ينته؟ كما لو أن التفاصيل الصغيرة لم تنته؟ كما لو أن الدهشة العابرة للمستحيلات لم تنته؟ أقول لك: اعتني بنفسك. كما تقول أم لطفلها وهي تعدّل في كم معطفه، وتمسح غبارا وهميا على ياقته بضمير لا يعرف التخاذل: إن شاء الله. تقولها وتمضي. و أمضي أنا إلى اللاشئ.

***

هل ستعرف يوما كم نحن غريبان؟ كل امرأة قبالة رجل غريبة. و كل رجل يتغزل بامرأة لأجل غاية في نفس يعقوب غريب. كل كلمة تقال على شرف الحب تقتل الحب. و كل ما يقال على صحة الفراغ حقيقة لا نعرف كم سنستغرق من العمر لنجلس مواجهتها فارغين من العطاء، كمن لا حاجة له لقول ما ليس له رغبة في قوله. كمن يلجأ إلى الصمت لأجل التعويض، كي لا يتورط في لغة تقتل آخر الأفكار لديه. غريب وغريبة في مدينة تتكسر كما يتكسر الزجاج، كما يتكسر الحجر المكتظ بكلس السنين، كما تتكسر الأشياء التي لم تجمع لصهيل الجهات ما يكفي من يقين. من يضمن صلابة المدن؟ لا شيء، ولا أحد. كل المدن الجديدة بنيت على التفاصيل المعدلة في آخر لحظة. على الجمل التي تقال بعناية لأجل مسح حذاء ما يظل يلمع إلى آخر العرض. لا شيء يبنى بدقة، ولا حتى العلاقات الحميمة. ولا حتى المصافحات التي تصير باردة حين يفقد الشخص أهميته. حين تسقط بقعة العتمة على الذي لن يجلس كما جلس أمس، و لن يتعالى على وحدة ستسكنه إلى الأبد. ما الذي يكتمل ها هنا؟ حتى الحب يولد متأخرا ليكتشف العشاق أن مشاعرهم أقل ضراوة من الحب، و أن كلامهم في الحب صار مصابا بشلل الأطفال.

***

لكم تغير الحب! في زمن آخر كان للحب رائحة وكلام لا يقال مرتين. كان للحب رسائل تحمل الريح خيوطها وتغزلها في اليدين. كان للحب أرض وجذور وهوية. لم يكن للحب حاكما جشعا يقتات من أحلام الرعية. ولا سجّانا يختم يومه على جسد الضحية. لكن الحب تغير، وتغيرت المصطلحات، وألفاظ الحب أصبحت سوقية. أصبحت تقال على عجل. تقال برسائل الجوال، رسالة مستعجلة لا وقت لها لتحكي تفاصيل الكلمة أو تأريخها الضارب في الأرض التي تغيرت. كم تغيرت! أصبحت أقل تمسكا بالحب وبنا. لهذا لم يعد العشاق يقولون: أحبك. يقولون: "جوتيم" أو "آي لف يو". يقولونها عبر الإنترنت في مواقع الدردشة التي يكتظ فيها مجرمو الحب الآلي والذين يقتلون الحب بسكوت.

"آي لف يو." هل باستطاعتي قولها لك حين تعود؟ "آي لف يو" قالها بوش للشعب العراقي في رأس السنة، حين تمنى لهم عمرا قصفت عمره "الديمقراطية" المحاطة بتبريكات البابا المستاء من تطرفنا، ومن لا إنسانيتنا التي اكتشفها في كتاب بيزنطي نسي كاتبه أن يتذكر أننا أول من أرّخ للحب، وأول من أسسه في ضمير الكائنات الحية قبل آلاف السنين.

****
أحبك. الآن في شتات العمر. في كلام نستدعيه للضرورة. في آخر جملة نقولها قبل النوم. فقد أخطأنا الفرح الذي كان يزور الفقراء في المناسبات ويزور الأغنياء كل يوم.
أحبك. حتى عندما تأتي الآن خاليا من المعاني، وعندما تتربص بأخطائي الصغيرة لتختلق الشجار.
أحبك. كما تحب المساءات عادة التأمل. كما يستهويك القمر البعيد الذي تظل تنظر إليه، وأكاد أصرخ فيك: لا تصدق كلام النجوم التي كذبت على العشاق قبلك. كذبت على العشاق قبلك .
كم أحبك!