الأدب  ( 1-D)

 صفحات خاصة

كُتاب : قصة - شعر - مقال - نقد

.

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 

كريمة

 

في استراحة 10 دقائق

قصة قصيرة

 

 قحطان الخطيب*

 

علق جارنا الشاب سالم ، وقد ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه البشوش قائلاً :

- " هكذا تكون القصص وإلا فلا ........... إنني مدمنٌ على كل ما يكتبه القاص " . ولم يكن من جاره ،
السيد عبد الرحمن ، المُكنى ( بأبي ياسر ) إلا أن يضيف قائلاً :

-" نعم ، وأنا أقول كذلك . لأن قصصه مستلة من الواقع ، حيكت بأسلوب بارع ، وطرزت بألوان بلاغية قوس قزحية مثيرة " .

لقد التقى الاثنان عند نقطة واحدة وهي الإشادة بمهارة الكاتب الأدبية ، وخصوبة خياله ، وشفافية ذهنه ، وبراعته في رسم شخصياته ، وتلقائيته في الحوار ، إضافة إلى تفننه في التحكم بوحدة المكان والزمان لمجريات أحداث قصصه لدرجة تخاله مهندساً معمارياً ، يحسب ألف حساب قبل أن يمسك الورقة والقلم . ثم أردف سالم يقول :

- " دعوني أنقل لكم مشهداً ضمني إلى الكاتب عندما جمعتني به الصدف ، إذ حاورته وكأنني ناقد أدبي لا يرحـم حين قلت : " عندما لفظت المطابع قصصـك ، دفعني الفضول كي أسألك : ترى ........... لماذا أطنبت في استعمال أسماء محددة مثل : نبيلة ، كريمة ، حياة دون سواهن ؟ " .

ضحك الكاتب وقد رفع يده اليمنى لاشعورياً ، حيث بانت أصابعه الأربعة وغياب إبهامه المستأصل في عملية جراحية أثناء حادث مروري قبل عامين ثم قال :

- " إن الأسماء تلك ذُكرت بالصدفة  ، بالرغم من أن عقلي الباطن مشبع بعناصر لا حصر لها من الأفكار عنهن  . ولولا تعطل يدي عن الكتابة لكنت رأيت قصصهن تتصدر الصحف والمجلات العربية ، لأن كل واحدة منهن تمثل لنا كلاً فسيحاً مترام الأطراف . ونكهة كل قصة منها تختلف عن سواها . أما إذا أطرت جميعها في حبكة قصصية واحدة ، عند ذلك سيحتار الناقد الأدبي من أين يبدأ ، لأنها تمثل نسيجاً حياتياً متشابكاً ، طاعناً في التجذر والتفرع ، رغم العمر اليافع الذي تتمتع  به  بطلات كل القصص. هاك ما يعتمل في ذهني عن إحداهن . كريمة ، مثلاً ، شابة باريسية الوجه ، زرقاء العينين كزرقة البحر المتوسط ، شعرها صنوبري أخاذ ، ابتسامتها بريئة ومثيرة . وكلامها موزون ومقفى وكأنه محكومٌ بعلم العروض الصارم . إذا تكلمت باللغة الفرنسية ، خلتها أديبة من السور بون ، بشهادة أستاذها الفرنسي الأب ( ........... ) . وإذا تحدثت معك ، سحرتك لكنتها المغربية الدافئة . إذا نظرت إليها ، أجابتك عيناها الزرقاوان ( نعم . ماذا تريد ؟ ) . وإذا تجولت معها في صحن الليسي(1) لخرجت بنتيجة واحدة  وهي أنك أمام صحفية متمرسة في اقتناص الأفكار وبارعة في السبق الصحفي . أما إذا تناولت معها الشاي في ( الكافتيريا ) أعطتك خلاصة عن ما جاء في الصحف والإذاعات الفرنسيـة والأوربية . هذه صورة ذهنية مبسطة التقطتها عيناي قبل ولوج الصفوف لألقي المحاضـرات فيها ، إذ لم ينتظـم جدول الدروس بعد . وكان معي أستاذ التنشيـط الثقـافي ( السيـد جفال ) يعطينـي فكرة ........... مجرد فكرة عن الليسي وطالبات وطلاب الليسي .

وما أن أنتظم الجدول حتى اصطفت جموع الطلاب والطالبات في كراديس بصحن الثانوية ، أشبه ما يكون بالمنظر العسكري منه إلى المدني . لقد كان الجو رهبانياً ، وقوراً وشديد الانضباط حيث أطبق الصمت بالرغم من تواجد مئات الدارسين والأساتذة والمراقبين والعمال . وما هي إلا دقائق معدودة حتى انصرفت المجاميـع بهدوءٍٍ تام نحو صفوفها . وربمـا كان لتواجد المراقب العام ( سي )(2) إبراهيم أثرٌ في إضفاء الهدوء على المجاميع ، لاسيما وأن جميع الدارسين يخشون سطوته .

وبعد دقائق من دخول الطلبة والطالبات قاعة الصف دخل المدير بصحبتي وقدمني إليهم كمدرس عربي موفد . وبعد مراسيم التقديم ابتدأت المحاضرة . رُحتُ اسأل لفيفاً منهم أسئلة بسيطة كي أكتشف رصيدهم في اللغة . وقد دُهِشتُ لركاكة أجوبتهم . وبعد حوار مطول اضطررت للتحدث باللغة العربية واستنتجت بأنهم يتقنون اللغة الفرنسية - بنيناً وبناتاً ، إذ هم يقرأون جريدة اللوموند واللافيغارو الفرنسية دون عناء أو رجوع إلى استعمال القاموس ، كما أنهم معتادون على سماع الإذاعات الناطقة باللغة الفرنسية . لقد أدركت آنذاك بأنها مسألة وقت لكي يتحسن الطالب في اللغة الإنكليزية وليست مسألة عدم استيعاب أو عدم ذكاء .

مضت أيام وتعددت المحاضرات فإذا بطالبات ثلاث : كريمة ، حياة ، ونبيلة تلمعن خلال سنوات الإيفاد الأربع ، أقول : " ثلاث فقط رغم احتواء الثانوية على ما يربو عن ألف طالباً وطالبة في العام الدراسي الواحد . وهناك ..........."

قاطعني سالم ، يقول القاص ، وقد أحس برتابة وصفي قائلاً :

- " لماذا لا تدخل في الموضوع مباشرة وتميط اللثام عن سر إعجابك بهن ؟ "

- " طيب ، عفواً ، سأقتصر في حديثي عن واحدة منهن فقط وأقصد بها كريمة ، في حين سأترك تسليط الضوء على حياة ونبيلة فوق صفحات الصحف والمجلات العربية التي ستنطق أعمدتها بكلام كثير حينما سأميط اللثام عن دفتر مذكراتي لعام 1975 والأعوام التالية له . بدءاً أقول : ما أن كنت أتطلع في كريمة حتى شع منها التألق الراسخ ، والأنوثة المتقدة ، والكبرياء الذي يُسكر شعراء الغزل وكُتاب السير . وقد تسأل لماذا ؟ أجل ، تسألني لماذا ؟ تُرى ما عساي أجيب وكريمة ،البنت المراهقة  ، المثقفة ، الموهوبة ، الطموحة  والسريعة الالتقاط ...........
كريمة ........... التي ما تكاد تطرح عليها أي سؤال حتى تعزز إجابتها بالاستشهادات والأقوال المأثورة . وكانت الأيام تمضي كما كانت تمضي استراحات عشر دقائق ، وهي تستجدي إحراجها بأي سؤال تصعب إجابته وعن أي موضوع كان ، كأننا في لعبة الحروف المتقاطعة . لقد كانت تضع في طريقي شتى الإغراءات وهي تقول أمـام أصحابهـا تحت قبة الفصل الدراسي أثناء إحدى الاستراحات ، حيث يبقى الطلبة على غير المألوف في قاعة الصف دون مبارحته منغمسين في الطروحات الفلسفية المنمقة رافعين شعار ( يقول الفلاسفة : سلني ، أقل لك من أنت . السؤال أهم من الجواب ) " . وهنا التفت نحوها قائلاً : " أراكِ تتوقين إلى إفحامك بسؤال عويص ، أليس كذلك ؟  . "

" نعم . بشرط أن يكون السؤال مُعَجِـِزاً ونتبارى كلنا في الإجابة عليه . " وهنا دخل على الخط تلميذ فضولي ، كان مشدوداً إلى الحوار حيث قال : " إذا يسمح لي سِيدي بطرح الأسئلة عليها . إنني سأفحمها ".

- " تفضل يا بوزغاي . تفضل . "

- " يا كريمة ، كيف تمكنت من شدنا إليك ونحن في استراحة فيما يوجد من هم اكبر منك سناً وأكثر منك تجربة ؟ "

ابتسمت كريمة وكأنها تقول هذا سؤال شخصي وليس أكاديمي . - " سيديا . لو كانت القيادة بيد كبار السن
فقط ، لتنحى كل المسؤولين في العالم لمن هم أكبر سنـاً . إنني ، زميلاتي وزملائي ، وبلا أدنى غرور ، أحس بنزعة قيادية تشتعل في أعماقي . تصور ، يا أستاذنا حتى أن أبي طرح علي نفس السؤال . وها أنني أسألك ، يا أستاذي
الفاضل ، بسؤال ربما يكون جواباً لسؤال زميلي .

- هل قرأت أغلب مؤلفات روسو بالأصل الفرنسي ؟

- كلا . ولا حتى بالانكليزية .

- وهل قرأت كتب سارتر ، اونيسكو وعن مسرح اللامعقول ؟

- قرأت ما تيسر عندما كنت طالباً .

- وهل ........... ؟

- قاطعتها قائلاً : " أنت التي طلبت منا أن نسألك ولم نطلب منك أن تسألينا . إذن عليك إجابة زميلك قبل أن تنتهي الاستراحة . "

- " إنني منذ كنت في مرحلة ( بريمير )(3) و ( دوزيام )(4) و ........... سرقت الأضواء من زميلاتي وزملائي . وكنت الأولى في كل مسابقة كما كنت المتفوقة في كل المواد الدراسية قاطبة . إنني متأثرة بـ ( ماري كوري )(5) من حيث اندماجها مع الكتب والمطالعة . "

كانت كريمة ميالة  ليس لتعلم اللغة الإنكليزية فحسب بل لتعلم اللغة الألمانية والأسبانية وحتى التركية . لقد كانت تناولني بعد نهاية كل حصة دراسية أمام زملائها صفحتين فولسكاب مشبعة بما يعن لها من أفكار وخواطر مدونة باللغة الإنكليزية . وكانت تستأذنني فحص نصوصها لغوياً . وكنت أشجعها على إقحام زملائها وزميلاتها في مناقشة مضمون طروحاتها وتطلعاتها وأحلامها وحتى خصوصياتها بغية شدهم إلى الكتابة والتفكير باللغة الإنكليزية . واستمرت على هذا المنوال تكتب اللواعج والأدبيات والعواطف . لقد كانت فتاة نموذجية، تتطلع إلى الكمال  من حيث المادة العلمية المدرسية والمادة الثقافية العامة . وكنت أتوسم فيها مستقبلاً باهراً أقل ما تكون فيه سفيرة للجزائر في إحدى عواصم الدنيا . ورغم أنها في المرحلة النهائية من دراستها الثانوية إلا أنها وكما اتضح من كتاباتها اليومية بأنها سائرة في الخط المستقيم نحو الهدف . وكنت ألح في السؤال عليها قائلاً : 

- متى أتيحت لك الفرصة هضم فكر روسو وأونسكو ومسرح اللامعقول وباللغة الفرنسية وأنت بهذا الربيع الصغير من العمر ؟ لابد أن يكون وراءك سرٌ غامض ! "

وهنا اندفع أحد الطلبة متكلماً بلغة عربية هجينة وغريبة ممزوجة بلكنة صحراوية مطعمة بالفرنسية قائلاً :

- " نحن نقرأ ونكتب باللغة الفرنسية في المرحلة الابتدائية وما بعدها . وحتى في الدار لا تغيب عنا ممارسة اللغة الفرنسية . هذا ناهيك عن تواجدنا في المقاهي وأماكن اللقاء الأخرى . أن فكر روسو أو فكر غيره من الفلاسفة والأدباء لا يعدو أن يكون مثبتاً في مجموعة من الكتب المطروقة ليس غير . ألا تتصور ، سِيدي ، بأنك بالغت في تقييم زميلتنا ؟ "

- " إذا كان الموضوع بهذه البساطة ، فقل لي لمن قرأت أنت ؟ "

- قرأت لمعظم الفلاسفة المشهورين في العالم . ويحتوي دارنا على أمهات الكتب المعاصرة والقديمة . وأن زميلي  ، على سبيل المثال ، بوترعة ، يملك مكتبة في قرية الشريعة أكبر من مكتبة الليسي . وهو يقرأ كل ما يقع بين يديه . ومع هذا لم تُسلّط عليه الأضواء مثل ...................... "

قاطعته وقلت  : " أنا فعلاً بالغت في تقييم كريمة . وكنت أحس بأن الجزائر لم تُنجب سوى جميلة بو حيرد وكريمة . ولكن والحق يقال ، يجب إعادة النظر في التقييم مستقبلاً . وعذري قصر الفترة الزمنية التي أمضيتها معكم ، أيها المثقفون الصغار الكبار ! . إلا أن كريمة ، باعتقادي ، تمثل الفتاة النموذج بما احتوته كتاباتها التي لا حصر لها ، والتي من خلالها مدت الجسور بين ذهنينا رغم فارق السن . واليكم سطوراً من أحدث كتابات زميلتكم التي ضبطتها لغوياً ولم أجد خطأً لغوياً واحداً قط ، بل وجدت الرصانة متجسدة بصفحاتها الأربع الكبيرة . "

احمر وجه كريمة وكأن لسان حالها يقول ( لماذا تحرجني ) أمام زميلاتي وزملائي أيها الأستاذ؟

تبسه

3 أفريل 1977                     رقم الخاطرة (63)

إنني أفكر باللغة العربية ، وأكتب لك باللغة الإنكليزية ، وأدوات عدتي باللغة الفرنسية . إنها لوحة لغوية زيتية مثيرة ، وأثرٌ أرجو أن يكون متماسكاً ومسبوكاً رصفته أنامل أتعبها السهر وارقها الطموح . أن القلم ، لعمري ، بات سميري ، والورق أضحى رفيقي وأليفي ، وضوء القمر شمسي ونهاري .

اختلط علي الوقت ، فلم أعد أعرف يومي من غدي ولا نهـاري من ليلي ولا صيفي من شتائي . قلبت صفحات غدي فلم تستهوني كلمة (صحفية) ولا (أديبة) ولا (طبيبة) ولا (محامية) . لا أريد سياجاً شائكاً لحياتي . ولا أريد حدوداً مصطنعة كحدود الأقطار العربية . لا أحب روتينية الحياة ورتابتها ، بل أفضل سمو الفكر وطهارته ونقائه وخلوده . أحب ........... أحب بيع الجعة وسجادة الصلاة لمن يشتريهما . "

- " هذه بعض أفكار زميلتكم كريمة باللغة الانكليزية . ألا تستحـق النشر والإعجاب ؟ أستأذنكم ، أبنائي الطلبة والطالبات ، العودة إلى محاضرتنا . فاستراحتنا لهذا اليوم قد شارفت على الانتهاء . "

وما كان من سالم إلا أن استدار نحو أبي ياسر وقد سرح الاثنان في عالم من التفكير العميق .

- " هذه بعض مواصفات كريمة ، يا سادة ، يا كرام . ولو كان معي دفتر مذكراتي لقرأته من الغلاف إلى الغلاف لتبرروا لماذا أنا جدُ معجب بهذه الأديبة الشابة الحسناء ......................................... كريمة . "

*قحطان فؤاد الخطيب

juror_qahtan1@yahoo.com

تبسه /الجزائر 1973

(1)           اسم كلمة الثانوية باللغة الفرنسية

(2)           ترمز إلى كلمة السيد أو الأستاذ في اللهجة الجزائرية

(3)           الصف الأول أعدادي .

(4)           الصف الثاني أعدادي .

(5)           عالمة بولندية تزوجت من عالم فرنسي في الذرة .