

قصة قصيرة
علق جارنا الشاب سالم ، وقد ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه البشوش قائلاً :
- " هكذا تكون القصص وإلا فلا ........... إنني مدمنٌ على كل ما يكتبه
القاص " . ولم يكن من جاره ،
السيد عبد الرحمن ، المُكنى ( بأبي ياسر ) إلا أن يضيف قائلاً :
-" نعم ، وأنا أقول كذلك . لأن قصصه مستلة من الواقع ، حيكت بأسلوب بارع ،
وطرزت بألوان بلاغية قوس قزحية مثيرة " .
لقد التقى الاثنان عند نقطة واحدة وهي الإشادة بمهارة الكاتب الأدبية ،
وخصوبة خياله ، وشفافية ذهنه ، وبراعته في رسم شخصياته ، وتلقائيته في
الحوار ، إضافة إلى تفننه في التحكم بوحدة المكان والزمان لمجريات أحداث
قصصه لدرجة تخاله مهندساً معمارياً ، يحسب ألف حساب قبل أن يمسك الورقة
والقلم . ثم أردف سالم يقول :
- " دعوني أنقل لكم مشهداً ضمني إلى الكاتب عندما جمعتني به الصدف ، إذ
حاورته وكأنني ناقد أدبي لا يرحـم حين قلت : " عندما لفظت المطابع قصصـك ،
دفعني الفضول كي أسألك : ترى ........... لماذا أطنبت في استعمال أسماء
محددة مثل : نبيلة ، كريمة ، حياة دون سواهن ؟ " .
ضحك الكاتب وقد رفع يده اليمنى لاشعورياً ، حيث بانت أصابعه الأربعة وغياب
إبهامه المستأصل في عملية جراحية أثناء حادث مروري قبل عامين ثم قال :
- " إن الأسماء تلك ذُكرت بالصدفة ، بالرغم من أن عقلي الباطن مشبع بعناصر
لا حصر لها من الأفكار عنهن . ولولا تعطل يدي عن الكتابة لكنت رأيت قصصهن
تتصدر الصحف والمجلات العربية ، لأن كل واحدة منهن تمثل لنا كلاً فسيحاً
مترام الأطراف . ونكهة كل قصة منها تختلف عن سواها . أما إذا أطرت جميعها
في حبكة قصصية واحدة
، عند ذلك سيحتار الناقد الأدبي من أين يبدأ ، لأنها تمثل نسيجاً حياتياً
متشابكاً ، طاعناً في التجذر والتفرع ، رغم العمر اليافع الذي تتمتع به
بطلات كل القصص. هاك ما يعتمل في ذهني عن إحداهن . كريمة ، مثلاً ، شابة
باريسية الوجه ، زرقاء العينين كزرقة البحر المتوسط ، شعرها صنوبري أخاذ ،
ابتسامتها بريئة ومثيرة . وكلامها موزون ومقفى وكأنه محكومٌ بعلم العروض
الصارم . إذا تكلمت باللغة الفرنسية ، خلتها أديبة من السور بون ، بشهادة
أستاذها الفرنسي الأب ( ........... ) . وإذا تحدثت معك ، سحرتك لكنتها
المغربية الدافئة . إذا نظرت إليها ، أجابتك عيناها الزرقاوان ( نعم . ماذا
تريد ؟ ) . وإذا تجولت معها في صحن الليسي(1) لخرجت بنتيجة
واحدة وهي أنك أمام صحفية متمرسة في اقتناص الأفكار وبارعة في السبق
الصحفي . أما إذا تناولت معها الشاي في ( الكافتيريا ) أعطتك خلاصة عن ما
جاء في الصحف والإذاعات الفرنسيـة والأوربية . هذه صورة ذهنية مبسطة
التقطتها عيناي قبل ولوج الصفوف لألقي المحاضـرات فيها ، إذ لم ينتظـم جدول
الدروس بعد . وكان معي أستاذ التنشيـط الثقـافي ( السيـد جفال ) يعطينـي
فكرة ........... مجرد فكرة عن الليسي وطالبات وطلاب الليسي .
وما أن أنتظم الجدول حتى اصطفت جموع الطلاب والطالبات في كراديس بصحن
الثانوية ، أشبه ما يكون بالمنظر العسكري منه إلى المدني . لقد كان الجو
رهبانياً ، وقوراً وشديد الانضباط حيث أطبق الصمت بالرغم من تواجد مئات
الدارسين والأساتذة والمراقبين والعمال . وما هي إلا دقائق معدودة حتى
انصرفت المجاميـع بهدوءٍٍ تام نحو صفوفها . وربمـا كان لتواجد المراقب
العام ( سي )(2) إبراهيم أثرٌ في إضفاء الهدوء على المجاميع ،
لاسيما وأن جميع الدارسين يخشون سطوته .
وبعد دقائق من دخول الطلبة والطالبات قاعة الصف دخل المدير بصحبتي وقدمني
إليهم كمدرس عربي موفد . وبعد مراسيم التقديم ابتدأت المحاضرة . رُحتُ اسأل
لفيفاً منهم أسئلة بسيطة كي أكتشف رصيدهم في اللغة . وقد دُهِشتُ لركاكة
أجوبتهم . وبعد حوار مطول اضطررت للتحدث باللغة العربية واستنتجت بأنهم
يتقنون اللغة الفرنسية - بنيناً وبناتاً ، إذ هم يقرأون جريدة اللوموند
واللافيغارو الفرنسية دون عناء أو رجوع إلى استعمال القاموس ، كما أنهم
معتادون على سماع الإذاعات الناطقة باللغة الفرنسية . لقد أدركت آنذاك
بأنها مسألة وقت لكي يتحسن الطالب في اللغة الإنكليزية وليست مسألة عدم
استيعاب أو عدم ذكاء .
مضت أيام وتعددت المحاضرات فإذا بطالبات ثلاث : كريمة ، حياة ، ونبيلة
تلمعن خلال سنوات الإيفاد الأربع ، أقول : " ثلاث فقط رغم احتواء الثانوية
على ما يربو عن ألف طالباً وطالبة في العام الدراسي الواحد . وهناك
..........."
قاطعني سالم ، يقول القاص ، وقد أحس برتابة وصفي قائلاً :
- " لماذا لا تدخل في الموضوع مباشرة وتميط اللثام عن سر إعجابك بهن ؟ "
- " طيب ، عفواً ، سأقتصر في حديثي عن واحدة منهن فقط وأقصد بها كريمة ، في
حين سأترك تسليط الضوء على حياة ونبيلة فوق صفحات الصحف والمجلات العربية
التي ستنطق أعمدتها بكلام كثير حينما سأميط اللثام عن دفتر مذكراتي لعام
1975 والأعوام التالية له . بدءاً أقول : ما أن كنت أتطلع في كريمة حتى شع
منها التألق الراسخ ، والأنوثة المتقدة ، والكبرياء الذي يُسكر شعراء الغزل
وكُتاب السير . وقد تسأل لماذا ؟ أجل ، تسألني لماذا ؟ تُرى ما عساي أجيب
وكريمة ،البنت المراهقة ، المثقفة ، الموهوبة ، الطموحة والسريعة
الالتقاط ...........
كريمة ........... التي ما تكاد تطرح عليها أي سؤال حتى تعزز إجابتها
بالاستشهادات والأقوال المأثورة . وكانت الأيام تمضي كما كانت تمضي
استراحات عشر دقائق ، وهي تستجدي إحراجها بأي سؤال تصعب إجابته وعن أي
موضوع كان ، كأننا في لعبة الحروف المتقاطعة . لقد كانت تضع في طريقي شتى
الإغراءات وهي تقول أمـام أصحابهـا تحت قبة الفصل الدراسي أثناء إحدى
الاستراحات ، حيث يبقى الطلبة على غير المألوف في قاعة الصف دون مبارحته
منغمسين في الطروحات الفلسفية المنمقة رافعين شعار ( يقول الفلاسفة : سلني
، أقل لك من أنت . السؤال أهم من الجواب ) " . وهنا التفت نحوها قائلاً : "
أراكِ تتوقين إلى إفحامك بسؤال عويص ، أليس كذلك ؟ . "
" نعم . بشرط أن يكون السؤال مُعَجِـِزاً ونتبارى كلنا في الإجابة عليه . "
وهنا دخل على الخط تلميذ فضولي ، كان مشدوداً إلى الحوار حيث قال : " إذا
يسمح لي سِيدي بطرح الأسئلة عليها . إنني سأفحمها ".
- " تفضل يا بوزغاي . تفضل . "
- " يا كريمة ، كيف تمكنت من شدنا إليك ونحن في استراحة فيما يوجد من هم
اكبر منك سناً وأكثر منك تجربة ؟ "
ابتسمت كريمة وكأنها تقول هذا سؤال شخصي وليس أكاديمي . - " سيديا . لو
كانت القيادة بيد كبار السن
فقط ، لتنحى كل المسؤولين في العالم لمن هم أكبر سنـاً . إنني ، زميلاتي
وزملائي ، وبلا أدنى غرور ، أحس بنزعة قيادية تشتعل في أعماقي . تصور ، يا
أستاذنا حتى أن أبي طرح علي نفس السؤال . وها أنني أسألك ، يا أستاذي
الفاضل ، بسؤال ربما يكون جواباً لسؤال زميلي .
- هل قرأت أغلب مؤلفات روسو بالأصل الفرنسي ؟
- كلا . ولا حتى بالانكليزية .
- وهل قرأت كتب سارتر ، اونيسكو وعن مسرح اللامعقول ؟
- قرأت ما تيسر عندما كنت طالباً .
- وهل ........... ؟
- قاطعتها قائلاً : " أنت التي طلبت منا أن نسألك ولم نطلب منك أن تسألينا
. إذن عليك إجابة زميلك قبل أن تنتهي الاستراحة . "
- " إنني منذ كنت في مرحلة ( بريمير )(3) و ( دوزيام )(4)
و ........... سرقت الأضواء من زميلاتي وزملائي . وكنت الأولى في كل مسابقة
كما كنت المتفوقة في كل المواد الدراسية قاطبة . إنني متأثرة بـ ( ماري
كوري )(5) من حيث اندماجها مع الكتب والمطالعة . "
كانت كريمة ميالة ليس لتعلم اللغة الإنكليزية فحسب بل لتعلم اللغة
الألمانية والأسبانية وحتى التركية . لقد كانت تناولني بعد نهاية كل حصة
دراسية أمام زملائها صفحتين فولسكاب مشبعة بما يعن لها من أفكار وخواطر
مدونة باللغة الإنكليزية . وكانت تستأذنني فحص نصوصها لغوياً . وكنت أشجعها
على إقحام زملائها وزميلاتها في مناقشة مضمون طروحاتها وتطلعاتها وأحلامها
وحتى خصوصياتها بغية شدهم إلى الكتابة والتفكير باللغة الإنكليزية .
واستمرت على هذا المنوال تكتب اللواعج والأدبيات والعواطف . لقد كانت فتاة
نموذجية، تتطلع إلى الكمال من حيث المادة العلمية المدرسية والمادة
الثقافية العامة . وكنت أتوسم فيها مستقبلاً باهراً أقل ما تكون فيه سفيرة
للجزائر في إحدى عواصم الدنيا . ورغم أنها في المرحلة النهائية من دراستها
الثانوية إلا أنها وكما اتضح من كتاباتها اليومية بأنها سائرة في الخط
المستقيم نحو الهدف . وكنت ألح في السؤال عليها قائلاً :
- متى أتيحت لك الفرصة هضم فكر روسو وأونسكو ومسرح اللامعقول وباللغة
الفرنسية وأنت بهذا الربيع الصغير من العمر ؟ لابد أن يكون وراءك سرٌ غامض
! "
وهنا اندفع أحد الطلبة متكلماً بلغة عربية هجينة وغريبة ممزوجة بلكنة
صحراوية مطعمة بالفرنسية قائلاً :
- " نحن نقرأ ونكتب باللغة الفرنسية في المرحلة الابتدائية وما بعدها .
وحتى في الدار لا تغيب عنا ممارسة اللغة الفرنسية . هذا ناهيك عن تواجدنا
في المقاهي وأماكن اللقاء الأخرى . أن فكر روسو أو فكر غيره من الفلاسفة
والأدباء لا يعدو أن يكون مثبتاً في مجموعة من الكتب المطروقة ليس غير .
ألا تتصور ، سِيدي ، بأنك بالغت في تقييم زميلتنا ؟ "
- " إذا كان الموضوع بهذه البساطة ، فقل لي لمن قرأت أنت ؟ "
- قرأت لمعظم الفلاسفة المشهورين في العالم . ويحتوي دارنا على أمهات الكتب
المعاصرة والقديمة . وأن زميلي ، على سبيل المثال ، بوترعة ، يملك مكتبة
في قرية الشريعة أكبر من مكتبة الليسي . وهو يقرأ كل ما يقع بين يديه . ومع
هذا لم تُسلّط عليه الأضواء مثل ...................... "
قاطعته وقلت : " أنا فعلاً بالغت في تقييم كريمة . وكنت أحس بأن الجزائر
لم تُنجب سوى جميلة بو حيرد وكريمة . ولكن والحق يقال ، يجب إعادة النظر في
التقييم مستقبلاً . وعذري قصر الفترة الزمنية التي أمضيتها معكم ، أيها
المثقفون الصغار الكبار ! . إلا أن كريمة ، باعتقادي ، تمثل الفتاة النموذج
بما احتوته كتاباتها التي لا حصر لها ، والتي من خلالها مدت الجسور بين
ذهنينا رغم فارق السن . واليكم سطوراً من أحدث كتابات زميلتكم التي ضبطتها
لغوياً ولم أجد خطأً لغوياً واحداً قط ، بل وجدت الرصانة متجسدة بصفحاتها
الأربع الكبيرة . "
احمر وجه كريمة وكأن لسان حالها يقول ( لماذا تحرجني ) أمام زميلاتي
وزملائي أيها الأستاذ؟
تبسه
3 أفريل
1977
رقم الخاطرة (63)
إنني أفكر باللغة العربية ، وأكتب لك باللغة الإنكليزية ، وأدوات عدتي
باللغة الفرنسية . إنها لوحة لغوية زيتية مثيرة ، وأثرٌ أرجو أن يكون
متماسكاً ومسبوكاً رصفته أنامل أتعبها السهر وارقها الطموح . أن القلم ،
لعمري ، بات سميري ، والورق أضحى رفيقي وأليفي ، وضوء القمر شمسي ونهاري .
اختلط علي الوقت ، فلم أعد أعرف يومي من غدي ولا نهـاري من ليلي ولا صيفي
من شتائي . قلبت صفحات غدي فلم تستهوني كلمة (صحفية) ولا (أديبة) ولا
(طبيبة) ولا (محامية) . لا أريد سياجاً شائكاً لحياتي . ولا أريد حدوداً
مصطنعة كحدود الأقطار العربية . لا أحب روتينية الحياة ورتابتها ، بل أفضل
سمو الفكر وطهارته ونقائه وخلوده . أحب ........... أحب بيع الجعة وسجادة
الصلاة لمن يشتريهما . "
- " هذه بعض أفكار زميلتكم كريمة باللغة الانكليزية . ألا تستحـق النشر
والإعجاب ؟ أستأذنكم ، أبنائي الطلبة والطالبات ، العودة إلى محاضرتنا .
فاستراحتنا لهذا اليوم قد شارفت على الانتهاء . "
وما كان من سالم إلا أن استدار نحو أبي ياسر وقد سرح الاثنان في عالم من
التفكير العميق .
- " هذه بعض مواصفات كريمة ، يا سادة ، يا كرام . ولو كان معي دفتر مذكراتي
لقرأته من الغلاف إلى الغلاف لتبرروا لماذا أنا جدُ معجب بهذه الأديبة
الشابة الحسناء ......................................... كريمة . "
*قحطان فؤاد الخطيب
juror_qahtan1@yahoo.com
تبسه /الجزائر 1973
(1)
اسم كلمة
الثانوية باللغة الفرنسية
(2)
ترمز إلى
كلمة السيد أو الأستاذ في اللهجة الجزائرية
(3)
الصف
الأول أعدادي .
(4)
الصف
الثاني أعدادي .
(5)
عالمة
بولندية تزوجت من عالم فرنسي في الذرة .