شاءت الأقدار أن تختطف يد المنون قرينة قروي لم يملك من حطام الدنيا
سوى ابنته الوحيدة (ع) ، ذات السبعة عشر ربيعا ، ومجموعة تعد بالأصابع
من الماشية ، وأثاث قروي متواضع يتناسب مع كوخه في أسفل سفح جبل شامخ ،
أواسط ثمانينيات القرن الماضي .
وترك فراق الزوجة الأبدي أسً عميقاً لدى الريفي الأرمل ، مما جعله
يسترسل في النوم الصباحي على غير عادته ، ضاربا أخماسا بأسداس ، ومهملا
الحقل الذي يعتاش من مورده . وانتهت مراسيم العزاء ، وانقضت فترة ما
تدعى بالأربعينية ، فإذا به متماد في تمرده على العمل ، رغم إلحاح
ابنته على ضرورة ممارسته للحياة اليومية بصورة طبيعية ، معزية اياه بأن
ما حصل قدر مكتوب ، أرادته السماء . بيد إنها كانت تتحسس كوامنه بذكاء
، وتتلمس مدى حاجته لنصفه الآخر ، مدركة ، بدهاء ، أن الحياة ترتكز على
قطبين: إذ لا ليل دون نهار ، ولا شروق دون غروب . كان شديد الإصغاء
لأفكارها الواقعية ، متوسما فيها كل خير ، محترما إياها كثيراً ، غادقا
عليها جل حنانه ، معجبا بنضجها المبكر ، خصوصا عندما شنفت أسماعه في
الآونة الأخيرة بضرورة زواجه . كانت تلح على هذا الموضوع . فما كان منه
إلا أن قال:
-" كيف أتزوج ، يا مدللتي ، وصورة أمك ما برحت شاخصة في ذهني ، ناهيك
عن أنني لا أطيق رؤية حواء سواها ! ؟ "
-" إنها سنة الله ورسوله . "
-" ومن هي سعيدة الحظ تتزوج كهلا في خريفه الذهبي الستيني ؟ إنني ، يا
(ع) ، طاعن في السن ، ولا أتحمل ، كما أسلفت لك سابقا ، رؤية أية أنثى
تروح وتغدو في صحن الكوخ بعد أمك . "
-" صحيح . . . . لكن إن لنفسك عليك حقا . "
-" إذن ، أنت متحمسة للفكرة ، أليس كذلك ؟ ! "
هز رأسه وسحب نفسا عميقا من غليونه التراثي ثم صمت برهة وراح مشدوها
يتساءل :
-" كيف
ابدأ
؟ "
-" تبدأ كما يبدا كل المنكوبين أمثالك. اذهب ، على سبيل المثال ، إلى
صديق عمرك ، (س) ، واسترشد بآرائه ، أو فاتح المختار أو الشيخ ( . . .
. . ) . "
ثم ابتسمت وهي تكيل له المديح والتشجيع قائلة:
-" انك لازلت شابا ، طافحا بالحيوية والطموح ، يا أبتي . أنسيت ابن عمك
( . . . ) ، حين تزوج وأنجب وهو في العقد الثامن من عمره ؟ ما رأيك
بزوج خالتي ( . . . . ) ، ألم يتزوج وهو مشارف على الثمانين ؟ و . . .
. و . . . . .
-" إذن ، لأجرب حظي وأذهب إلى جاري (س) ، فربما يسعفني في حل معضلتي إن
كان لها حل !"
وما أن أسدل الليل خيوطه حتى كان أبو (ع) يطرق باب جاره ، إلا انه لم
يكن هناك ثمة جواب . فاقفل راجعا . بيد أن صوتا أنثويا رقيقا دار عنقه
عنوة ، جاعلا إياه يعود صاغرا إلى الوراء ، كأنه وقع في مجال مغناطيسي
لا فكاك منه . وهناك سأل عن السيد ( . . . . ) ، فأخبرته بلهجة ريفية
مميزة بأنه يغتسل الآن . وإن شاء فلينتظر خارجا .
وفيما ذهبت لتبلغه بقدوم الضيف ، استرجع ذاكرته المشوشة . فإذا به
طريدة جاذبيتها. والتفت يسارا ويمينا بشكل لا إرادي ، تتراقص في مخيلته
أسئلة فجائية عمن تكون تلك الحسناء . وكم سيكون فردوسا لو شاطرته عشه !
و .... و ....
مضت لحظات أنسته مصيبته وبعثت الدفء في قلبه إلى أن خرج الصديق الجار
(...) ، حيث رحب به كثيرا وألح عليه في الدخول . وبعد ترحيب تقليدي
حار سأله عن مبتغاة ، لكن الأخير أطبق صامتا . فعاد وسأله ثانية عن
مبتغاه فأجاب قائلا :
-" بصراحة ...... باختصار .... جئت أطلب العون منك ! أنت صديق العمر
جئت أستشيرك في مسألة شخصية ولكن ، أرجو أن لا أكون مخطئا أن التي فتحت
لي الباب هي كريمتك . وأنا … وأنا أريد القرب منك طالبا يدها . "
أجابه ، بعد تردد وتأمل ، وكأن لسان حاله يقول :
-" إلا إذا سمحت لي بالقرب منك وطلب يد ابنتك ، أيضا . فأنا أرمل مثلك
، وهما وحيدتانا ."
لم يطل الرد كثيراً ، فإذا به يقول : " موافق . "
كان وقع الخبر على الشابة (ع) طبيعيا جدا ، رغم إجحافه لفارق السن . إذ
تمنت من كل قلبها السعادة لأبيها المنكوب ، حتى ولو تم ذلك على حساب
أنوثتها ومستقبلها ، فيما كان وقع الخبر على جارتها (د) أليما
كالصاعقة . فهي مراهقة صلفة وعنيدة ، حباها الله سحراً فتاناً وجمالاً
أخاذاً !
ولكن
إذا خطط الآباء في الريف فعلى الأبناء الطاعة ليس غير
.
دارت الايام ، وزفت العروسان الى بيت الزوجية ، كما تأقلمتا مع الجو
الجديد رغم رتابته وروتينيته القاتلة :
استيقاظ مبكر ، إعداد للفطور ، ذهاب الزوجين الى الحقول ، العودة منها
، تناول العشاء ثم الرقود الى النوم....حياة ميكانيكية محضة لا تليق
بأنسان العصر الحديث .
وفي إحدى الأمسيات الشتوية الحالكة الظلام ، وبينما كان ابو (ع)
يغط في نوم عميق ، بعد عمل يوم مضن ، كانت تشاركه النوم في الحجرة
المقابلة أمه المسنة ، ضعيفة البصر . وما أن انتصف الليل حتى أفاقت
الزوجة المراهقة ، ومضت ، كعادتها ، بصمت نحو مجمع التبن الملاصق
لغرفتها ، ورأسها مزدحم بالأفكار ، غير آبهة بالظلام الدامس ، والسكون
الرهيب يلفها من جهاتها الأربع .
كانت وجهاً لوجه أمام نقطة التحول واتخاذ القرار المصيري ، على غير ما
ألفت
سابقاً . تلفتت يميناً وشمالاً ، بحذر ويقظة ، وتطلعت الى السماء ،
فإذا بها : .............. نجوم متألقة ، تعوم بغبطة ، مفترشة الفضاء
........ تشق عتمة السماء ، ونسيم عليل يداعب شعرها المنساب بدلع على
جسدها .
مدت يدها بغرور لألتقاط علبة كبريت . والتقطت أناملها الناعمة عود ثقاب
بتثاقل وارتباك وكأنها تعلم ما يخفيه لها قدرها هذا المساء . أشعلت
الفانوس وأنسلت الى بواية البئر العتيق ، محركة يدها المرتجفة يميناً
وشمالاً ، مؤذنة برفع الستار عن الفصل الأول من التراجيديا . ثم أقفلت
راجعة نحو غرفة التبن تاركة الفانوس منيرا .
تسلم (دون جوان) ، الطرف الثاني ، الإشارة الفانوسية بان كل شيء على
ما يرام . لقد أعياه السهر . وكأنه هو الآخر يحس أن ثمة مصيبة قد تقع
اليوم . كان شاباً مفتول العضلات ، بدين البنية ، رياضياً بالفطرة .
كان مشغول البال على مدار الساعة بسيدة كوخ جاره ، السيدة (........)
. كان وسيماً ، ذا سحنة ملفتة النظر .............. .. تحرك من موقعه
بصمت ورهبة في جنح الظلام . لم يتوقع ما يكدر صفوه في ذلك الليل ،
الدامس الظلام .
وصل الى غرفة التبن . وهناك التقى الخائنان . وكلاهما كانا يتوجسان
شيئاً ما . في البداية قرر الأعتذار والعودة الى كوخه . لكن الجارة
شيمته على البقاء ، مخففة عنه ، ومشجعة إياه . رقد الأثنان صامتين
كصنمين حجريين دون حراك .
وشاءت الصدف أن تفيق حماتها وتذهب الى دورة المياه . أطبق الصمت وساد
السكون . تناولت العجوز الفانوس ومضت الى مبتغاها . وما هي إلا لحظات
حتى عادت هي الأخرى مضطربة نوعاً ما وكأن عقلها الباطن باح لها بأن ثمة
خطر في انتظارها . دفعها الفضول الى فتح باب التبن دون سابق تخطيط
وكأن قدرها ساقها إلى حتفها . لدهشتها ماذا رأت ، وهي ضعيفة البصر ؟
قالت لنفسها في بحر ثوان
" انهم لصوص ليس غير ! "
ولم تتمالك نفسها البتة فطفقت تصرخ بشكل لاشعوري " أبو ..... السراق في
دارنا ...... النجدة . "
وهنا استجمع الجار القبيح قواه فسدد لها طعنة في صدرها ، دونما وازع أو
رادع ، خرت على أثرها صريعة . وهنا دخل الزوج المخدوع ليستطلع الأمر .
فماذا رأى ؟
زوجته المصون وراء ابن الجار الخائن ! أمه العجوز مضرجة بالدم ، لا
حول لها ولا قوة . قبل أن ينبس بكلمة واحدة وجه له ابن الجار الغادر
طعنة نالت من رقبته ، خر على أثرها على الأرض . وهنا حفزت الزوجة
الخائنة عشيقها على الانقضاض عليه والتخلص منه نهائياً . فكان لها ما
أرادت .
انتهى المشهد الدرامي بكل حيثياته . وماذا بعد ؟ ما العمل ؟ هنا
أختلطت الأمور عليهما . قالت له : "تخلصنا منه وانتهى كل شيء . لنحتسي
كأسينا " . وهنا حدث ما ليس في الحسبان . استرجع الشاب نفسه وأحس
بالذنب العظيم . قاطعها قائلاً : " نعم انتهى كل شيء . ولكن ليمض كل
واحد منا إلى سبيله . " أشعل سيكارة وسحب نفساً عميقاً جداً وتركها
راجعاًً الى كوخه دون أي كلام .
أنبلج الصباح ، وأنتشر الخبر، وتاه رجال الشرطة مذهولين : كيف حصل ما
حصل ؟ ومن
الفاعل والمستفيد ؟ أظهر التحقيق الأولي براءة الزوجة مما حصل . بيد أن
القاتل الفعلي مضى إلى رجال الشرطة وأخبرهم القصة من الألف الى الياء .
وهذا لا يعفيه من العقاب !
اهتزت المنطقة لهول المصيبة . وتشتت أفكار الناس . وتعجبوا من أن ثمة
سلوكاً منحرفاً انتقل إلى منطقتهم الآمنة كالفايروس القاتل . مارست
الشرطة ورجال القضاء تحرياتهم الدقيقة واتخذوا القرارات الحاسمة . ومرت
الشهور فإذا الحكم بالموت يطال المجرمين .
وساعة التنفيذ أقترب مأمور السجن من القروي المدان سائلاً أياه عما
يطلب . فأجاب : " لاشيء سوى سيكارة واحدة نوع كريفن أي " .
وجيء له بها ، واستنشق آخر نفس عميق ، ثم استدار نحو المأمور
قائلاً :
" الموت بأنتظاري ، وأنا لست خائفاً منه لأنني أقر بجريمتي ، وأستحق
جزائي . ولكن ، بالله عليك ، أيها المأمور ، أين هي القروية
البائسة (..........) الآن ؟
أجابه المأمور على الفور : " أنها تنتظر ذات الحكم . وقد تكون
صعدت أو هي في طريقها إلى الصعود إلى أعواد المشنقة الآن .
"
أنبهر المجرم . وقبل أن يكمل سيجارته ، رماها على الأرض ، باصقاً عليها
، وهرول نحو المشنقة دون طلب من يرافقه ، صارخــــــــــــا بأعلى صوته
:
" أنها السبب في كل شيء
................................................... "
*قحطان فؤاد الخطيب
الموصل
juror_qahtan1@yahoo.com