كان جل ما تتوق له الحاجة المسنة (أم غائب) ، وقد دلفت في عقدها الثامن هو
أن تلملم دنانيرها المبعثرة هنا وهناك قبل ولوجها العالم الآخر ، دون إعطاء
مبرر ما . لذلك شرعت تقلم أظافر منزلها ، بأن باعت محتويات ما تسمى (بغرفة
الضيوف) كاملة ، كما باعت ما زاد عن حاجتها في مطبخ الفناء الشرقي(1)
، إضافة إلى بيع غرفة نومها الأثرية ، وما تبقى من الكراسي المكسورة
والأثاث العتيق ، فيما منحت ابنتها الصغرى فقط عقد اللؤلــؤ القديم ، والذي
اشتراه لها المرحوم (أبو غائب) قبل عشرات السنين . وأصدرت (الأوامر) بتحديد
زيارات أبنائها السبعة وبناتها الأربع إضافة إلى أولادهم الذين لا حصر لهم
إلى أضيق الحدود ، في حين كلفت صهرها الأصغر القيام بضبط أمورها المالية
وإيداع ما يتجمع لديها من نقدٍ في حسابه المصرفي ، ذمة عليه ولـقاء وصولات
، رغم أنها أمية لا تقرأ ولا تكتب ، وبعلم الكل .
وبلغت حصيلة كل مبيعاتها مع فرق الأسعار آنذاك(2) (778) ديناراً
لا غير . وهذا المبلغ ، بالنسبة لها ، فوق مستوى تفكيرها وتوقعها مقارنة
بمؤخر صداقها (5) دنانير فقط . وما هذا وما سيتراكم فيما بعد من مبالغ ليس
إلا كل ما تركه المرحوم ، زوجها ، أبو غائب .
ولم يبق لها من حطام الدنيا سوى الجدران الأربعة لدارها ، ذي الثمانية
والأربعين متراً مربعا مساحة . وقد اختمرت في ذهنها فكرة بيع الدار أيضاً
وإستحصال فترة ستة أشهر بعد البيع لأخلائه ، علها ، حسب زعمها ، تنتقل إلى
جوار ربها في بحر هذه الفترة ، وبهذا لا يبقى لها أية تعلقات فوق هذه
البسيطة ، ويكون الانتقال إلى جوار خالقها بصمت لا يثير غبار القسام الشرعي
والحصص والإرث والخ .... !
ولم يجد أبناؤها وبناتها بداً من طاعة أمهم ، وهي في هذا الخريف من العمر
الحرج . فاستنفروا كل طاقاتهم لبيع (العقار) ! وانطلق كل منهم في اتجاهه
يبغي كسب ود أمه ، عسى أن يفوز ، ولو بدريهمات يحل بها مشاكله . وأخيرا بيع
الدار ، من دون إشراك أحد من أفراد الأسرة باستثناء الحاجة المسنة (أم
غائب) فقط والمالك الجديد ، الجار الملاصق داره بدارها . وبعد مقابلات
وإجراءات أصولية قانونية انتقلت ملكية الدار إلى المالك الجديد الذي سلمها
، بحضور أفراد أسرتها ، سبعة آلاف ديناراً نقداً . بيد أن السيدة المسنة
أومأت إلى صهرها الأصغر ، زوج ابنتها الصغرى ، هيفاء ، بتسلم المبلغ دون
أبنائها أو بناتها . وتطلع الأبناء إليها منشدهين وقد صعقهم سلوك أمهم
الهرمة وكأن عيونهم تتساءل .... لماذا وقع الاختيار على زوج هيفاء دون سواه
؟
- هاك يا حسن النقود وضعها مع بقية نقودي الموجودة لديك في حسابك بالمصرف .
- نعم يا عمتي .
وهنا سأل الابن الأكبر وقد بدأ يساوره الشك بأن أمه خرفه ....
- وماذا ستفعلين بكل هذه النقود ، يا أماه ؟
- إذا وافتني المنية تقاسموها بينكم بالعدل وإلا ....
- ولماذا لا نتقاسمها الآن وأنت بين ظهرانينا ؟
أجابته ، كمن قرصها تحصيل حاصل تجارب السنين وشرعت تصرخ :
- افترض أن عمري طويل ، هل ستنفق علي الدراهم أنت وإخوانك وأنتم تئنون من
الجوع ؟
- بالتأكيد ، يا أماه . فنحن سبعة أخوة وأربع أخوات .
- ولكن الزمن تغير ، يا ولدي . فالعمل بالمضمون أضمن .
ثم سألت البنت البكر ، بدون حياء ....
- وأين سـتعيشين بعد انقضاء فترة الستة شهور ؟ ألا تشعرين بجنون تقلبات
الأسعار بين ثانية وأخرى ؟
- لا عليك ، فالزمن كفيل بحل كبرى المشكلات و ....
ودارت عقارب الساعة بسرعة ، كما دار دولاب الحياة بسرعة ، أيضاً ، بحيث
طويت صفحة الستة أشهر وكأنها ست ساعات . وجاء المالك الجديد ومظلة القانون
تحميه وهو يقول للسيدة المسنة :
- أراك غير ملتزمة بإخلاء الدار لحد الآن !؟
- ولمــــــاذا ؟
- لأن الفترة القانونية للأخلاء انتهت .
قالت وكأن لسان حالها يقول (( ارحم عزيز قوم ذلْ )) ... ولكن ، لا أحد
يريدني . نعم إنني غريبة .
- إنها ليست مشكلتي بل مشكلتك . لقد قبضت الثمن سلفاً ووقعت العقد رسمياً .
قالت بانفعال مشوبٌ بدموع ساخنة :
- خذ دراهمك وأعد لي داري .
- يا حاجة ... القانون قانون ، والأفضل لك ترك الدار فوراً والانتقال إلى
دار أحد أبنائك أو بناتك على الأقل .
صرخت ثانية بوجهه وقد مزقتها اللوعة :
- قلت لك ، إنهم لا يريدونني ، لا يريدونني ، لأنني غريبة في وسطهم .
وبعد محاولات يائسة توصل المالك إلى أنه لا جدوى من محاورتها لكبر سنها
وحالة الاكتئاب المزمن التي انتابتها . فما كان منه إلا المضي إلى أقرب دار
يعود إلى ابنها البكر، والانفعال قد ارتسم على محياه . وبالصدفة لاقاه
الابن الأصغر الذي استوعب كل دقائق الموضوع بخصوص إخلاء أمه دارها المباع .
وقد سأله المالك الجديد فيما إذا كان بالإمكان حل الأشكال باستضافة أمهم
ولو لفترة قصيرة لحين شرائها داراً بديلاً . فما كان منه ألا أن تفوه
بكلمات تكون النتانة منها براء حين قال :
- ولا واحدة من زوجاتنا توافق على استضافتها ، ولا حتى أي من أزواج
شقيقاتنا يوافق على استضافتها أيضاً . فأين الحل ؟
- أتسألني أين الحل وهي أمكم ؟ ألم تسمع القول المأثور ( الجنة تحت
أقدام الأمهات ) ؟
- نعم أفهم ذلك جيداً . ولكن دعني أتساءل : لماذا باعت الدار ؟ وماذا فعلت
بنقودها ؟ ولماذا ائتمنت صهرها ولم تأتمن أبناءها ؟
وهنا خرجت أحدى زوجات الأبناء وقد رقد طفل صغير على كتفها حيث قالت وكأنها
سمعت كل الحوار :
- لم لا تشتروا لأمكم داراً بنقودها ؟
رد الابن وقد استهجن هذا الطرح من زوجة أخيه :
- إنها لا تستطيع شراء غرفة بكل ما جمعته من أموال . لمن نشتري الدار
والموت قاب قوسين أو أدنى منها ؟ لدي فكرة ايجابية تحل الإشكال . ثم أردف
يقول : لماذا لا نناقش مع أمي مسألة نقلها مباشرة إلى دار رعاية المسنين ؟
فهناك تريح وتستريح ، حيث نستطيع زيارتها كلما سنحت لنا الفرصة بذلك ؟
وما هي إلا دقائق حتى كانا أمام دارها . لقد كانت ترتعش من شدة الألم
والشيخوخة وخيبة الأمل بأولادها ، ثم رفعت يديها للسماء شاكية حالها البائس
وطالبة بالحرف الواحد ( الانتقام ) من ناكري الجميل . لقد أكدت
للمالك الجديد عدم رضاها المطلق على أولادها وبناتها العاقين ، محيلة أمر
حسابهم لله . وأخيراً صرخت للمرة الثالثة بصوت هستيري دراماتيكي بوجه
المالك الجديد وقد نفذ صبرها :
- ماذا تنتظر ؟ ألم تسمع فلذة كبدي يقدم وصفته السحرية لحل المشكلة بإيصالي
لدار رعاية المسنين ؟ أجل ماذا تنتظر ؟ خذني أيها المالك المسكين إلى هناك
. فبغير هذا لا تحصل على الدار . فأنا غريبة هنا ، وضيفة ثقيلة على الآخرين
...........ستقوم الساعة ....... نعم ستقوم القيامة ....... هيا ... خذني
إلى هناك . هاك ، تفضل ، هذه مفاتيح الدار . خذها ....... مبروك عليك. لم
يبق لي في الدار سوى الذكريات . وداعاً يا داري العزيز . أرجوك أوصلني
بأية وسيلة إلى دار رعاية المسنين . فهناك القلوب أرحم . و ....
- أماه ... أماه ...
- ابتعد أيها العاق . انك منبوذ وجبان . دعني أنفذ ما يدور في رأسك ورؤوس
إخوتك . إلى دار رعاية المسنين أيها المالك. إلى هناك
......................
]]]]]]]]]]
وأخيراً أسدل الستار على المشهد المأساوي بأن رضخ المالك الجديد إلى طلب
إيصالها بسيارته العتيقة لدار رعاية المسنين . ولحسن الحظ استقبلت كما
توقعت أو كما شاء القدر أن يرسم السيناريو كذلك ، نعم استقبلت بالأحضان
والابتسامات وكأنها عروس في يوم زفافها . لقد نسيت أو تناست المشهد
التراجيدي السابق لأن طبيب الدار هرع نحوها متحسساً معاناتها ومخففاً عنها
، إذ أوصى بجناح يتناسب مع عمرها . لقد أحست بأن هذا الطبيب لا يقل عطفاً
عن صهرها الأصغر ، كما أحست بأن فترة تعارفهما وكأنها أشهر وليست بضع دقائق
. إذ التمست منه أن يستدعي صهرها الصغير حسن بصورة رسمية كي يجلب معه كامل
دراهمها حسب الوصولات الموجودة في حوزتها . ولبى الصهر النداء . بيد أنه
بدأ يتملص ويناور ويتخاذل في رد الأمانة إلى أصحابها . إلا إنها كانت له
بالمرصاد ، إذ إعتبرته جزءاً من الشلة العاقة . وبعد محاولات يائسة أقحمت
إدارة الدار بموضوع النقود ملوحة بنقل الموضوع إلى القضاء . عندها انصاع
بعد تلكؤ وتردد إلى جلب كامل المبلغ وتسليمه بيدها أمام إدارة الدار وفي
غضون دقائق معدودة حيث قال :
- وماذا ستفعلين بهذه الآلاف ؟
أجابته بعصبية شديدة :
- وما دخلك بالأمر ؟
وحيث إنها لا تقرأ ولا تكتب ، ولأن آثار الصدمة لا زالت شاخصة فيها ، فقد
التمست من الطبيب المؤتمن الذي أحست بوشائج قوية تربطهما أحدهما بالآخر ،
التمست منه أن يحسب المبلغ وأن يحرر لها وصية رسمية بحضور الآخرين جاء فيها
ما يلي : (((إنني الموقعة أدناه ، ..... ، أتنازل عن تحويشة عمري بما
يساوي 7778 ديناراً لإدارة هذا الدار الذي سأقضي فيه آخر فصل من حياتي ،
لما لمست فيه من حرارة الاستقبال الذي فاق استقبال الأبناء والبنات، ولما
أحسست به من دفء الكلمات التي أرجعتني عقوداً إلى الوراء وأشعرتني بأنه
لازالت الدنيا عامرة بالأخيار . كما أوصي أيضاً بإعطاء جسدي الهزيل إلى
الكلية الطبية ، إذا رضيت به ، علها تكتشف سر طول حياتي رغم منغصات الحياة
المفزعة ورغم تخلي أولادي وبناتي عني . كما أعلن أمام الله وأمامكم براءتي
من كل أولادي وبناتي . )))
لقد اندمج كل الموظفين والعمال والعاملات معها ، لروحها المرحة ، وحديثها
الشائق ، بغض النظر عن فداحة معاناتها وكبر سنها . بيد أنها كانت كثيرة
الشرود والتساؤل ولعلهـا معذورة فعلاً لذلك :
- ما معنى امتلاكي أحد عشر مخلوقاً ولا أحد منهم يتفهمني ؟ لماذا هذا
التغير في البناء الإنساني ؟
ولم تمضِ سوى سويعات حتى فارقت الحياة ودنانيرها لم تدخل بعد قاصة الدار
ودموعها لم تجف بعد . ونفذت بنود وصيتها تسلسلياً ، بأن سجل كامل المبلغ
إيرادا لخزينة الدولة حسب ما جاء في الوصية ، فيما نقلت جثتها فوراً إلى
الطبابة العدلية ، ومن هناك إلى ثلاجات الكلية الطبية بعد أن إستحصلت
الموافقات على القيام بذلك .
]]]]]]]]]]
ودنا الليل ، فإذا بزحف الأحد عشر (صنماً) نحو دار رعاية المسنين يحملون
بين ثناياهم أنصاف الحلول لأمهم البائسة العجوز : ( لقد عثروا على غرفة
للإيجار لأمهم المسنة في دار أحد الدفانين ! ) لقد تحدثوا بكل صفاقة مع
الخفير عن (مشروعهم) الذي لم يفهم منه شيئاً . وقد منعهم من دخول الدار
لعدم معرفته بالنزلاء الجدد بعد ، ولأن الليل ليس وقت زيارات بل وقت راحة
النزلاء . لقد كانوا كالذباب في طنينهم ، وكالأقزام في تفاهتهم وضحالتهم .
وما هي سوى لحظات حتى رن جرس الهاتف صدفة حيث كانت مسؤولة الدار الخافرة
تتكلم مع الموظف الخفير بصدد مسألة قطع التيار الكهربائي المفاجئ ، وفيما
إذا أصلح الخلل أم لا . إلا أنه أجاب بنعم . وحاول ضرب عصفورين بحجر واحد
حين قال :
- في القاعة الآن أحد عشر زائراً ، يرومون التحـدث مع النزيلـة (أم غائب) .
لقد منعتهم من الدخول و ....
قاطعه أحد الأبناء وأخذ منه السماعة شاكياً وقائلاً :
- هل يجوز لموظف الاستعلامات كهذا أن يمنعنا من زيارة أمنا ؟ أين العدل
وأين الأنصاف ؟
- لا ، ولكن ليس في هذا الوقت المتأخر بالذات .
لقد أجابت بحسن نية وعدم إلمام بتفاصيل الموضوع .
- إذن اسمحي لنا بالدخول .
وهنا أخذ الخفير السماعة وعيناه تشعان غضباً . لقد أخذ التعليمات الكاملة
من سيدته معتذراً لها عن الإحراج الذي أوقعها فيه . ثم إستفسر منهم عن
الاسم الثلاثي لها وتاريخ دخولها الدار . بعدها فتح درجاً أخرج منه سجلاً
كبيراً ثم أخذ يقلب الصفحات ، إلا انه رغم تدقيقه لم يجد الاسم . ثم عاد
يقلب الأوراق ثانية وثالثة ، إلا أنه لم يجد ذلك الاسم . سألهم:
- هل يجوز أن اسمها مع الوفيات ؟
زمجر الكل في وجهه مرة واحدة كأنهم يريدون افتراسه قائلين له :
- فأل الله ولا فألك . إنها دخلت الدار اليوم والحبر لما يجف بعد .
وفعلاً فتح سجل الوفيات ، حيث وجد اسمها هناك وبجواره ملاحظة طويلة مربوطة
بدبوس كبير . جاء فيها :
((( في الساعة ... من يوم ... توفيت السيدة المسنة ... وأرسلت جثتها إلى
الطبابة العدلية ثم إلى الكلية الطبية بناءاً على وصيتها المثبتة أعلاه . و
... )))
وساد وجوم قاتل أثناء تصفحهم الوصية الموشحة بختم إبهامها الأيسر . لقد
ذهلوا وصفعوا بقوة بمضمون الوصية المتوجة بعدم رضاها عنهم في الدنيا
والآخرة . وإنصرفوا مذهولين ، واحداً تلو الآخر ، والصمت والوجوم والندم
يلفهم.
لقد خسروا أمهم بجرة قلم ونتيجة تصرف دنيوي زائل طائش .
وخسروا رضاها ونقودها ووجودها حيث جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن !
بل ... خسروا الدنيا والآخرة على حد سواء .
*قحطـان
فؤاد الخطيب
juror_qahtan1@yahoo.com
(1) الحوش
(2)
10 أيلول 1990
الموصل في 10 أيلول 1990