الأدب  ( 1-D)

 صفحات خاصة

كُتاب : قصة - شعر - مقال - نقد

.

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

الفيلسوفة التائهة

قصة قصيرة

 قحطان الخطيب*

 

" بات من المستحيل أن اصمت وفي فمي الدم ... وبات من المستحيل أن أعيش في النار ما دامت هناك الجنة . " هكذا راحت الآنسة الشابة جوليت تبعث بعباراتها المنسابة ، التي عجزت عن تدوينها بما احتوته من عمق في الفكرة ، وجمال في
الأسلوب ، وخصوبة في الخيال . ثم وجدتني مندهشاً أمام هذا النوع من الحواء .

قالت بلهجة تمثيلية رائعة ..... " أنا اكره أبي وأمي ... أكرههما ، لأنهما تسببا في وجودي " . ثم استدركت قائلة: "أتدري لماذا اكرههما ؟ " عجبت من أمرها وأنا لم يمض على تعرفي عليها سوى أيام تعد بالأصابع ثم قالت : " إن وجودي يعني ، بالنسبة لي الخطأ الكبير . " ثم راحت تبعث بتفسيراتها وتعليلاتها قائلة : " فأبي لم يقرر الحصول على أطفال : لا بنين ولا بنات . ولكن جئت صدفة . " ثم رفعت عينيها وهي تتأملني كأنني أريد أن انتزع منها الاعتراف . وأردفت تقول : " إن أبي كانا تحت الأمر الواقع ، بل قل كان أبي يندب حظه حين عرف بأن أمي ستضع مولوداً . " ثم تساءلت بعصبية : " ولماذا تزوجها أذن ؟ ‍! " وتوقعت أن أعلل لها سؤالها ، ولكنها راحت تقول : " أتدري كم أثق فيك .... ؟ " ثم ابتسمت وقالت : " أجل إنني أثق فيك ، ويتراءى لي بأنـك خبير بالحياة ! "

كانت فتاة خضراء العينين ، معتدلة القامة ، شعرها مفحم بالسواد ، رشيقة الحركة ، رقيقة الحديث . كانت تضحك ثم تسكت، تسأل نفسها  ثم تجيب . لقد سبق وعرفت بأنها في سنتها الجامعية الأخيرة . كانت ذكية ..... تتحدث في كل شيء بلباقة . وكانت تريدني أن افهم بأنها أحسن حواء !

وقلت لها : " هل أنت فيلسوفة ؟ ! أجابتني كمن أحبت هذا السؤال كثيراً . ثم راحت بغرور تعدد بأصابعها ذات الأظافر الطويلة الملونة بلون زهور الربيع ، أسماء الكتب والكتاب الذين قرأت لهم وتأثرت بهم . فذكرت المذاهب والشخصيات بلا حسـاب ثم قالت : " أحب الرمزية ... أحب اللامعقول ... أحب سارتر ... أحب الفن ... الأدب ... التمثيل ... آه ، أعبد التمثيل . وهنا لفظت عبارتها التالية التي أبعدتنا عن الطريق الذي كنا نسير فيه ، وقالت :

" لاشيء يعيد للخضرة نظرتها . غاب القمر الذي كان يتلألأ...................... . "

كنت ألاقي صعوبات شتى وان أدون أفكارها الغامضة ، ثم واصلت تقول : " لتحرسك الشمس ، ولترعك النجوم ."

ولست أدري من كانت تعني ، وماذا كانت تريد أن تعني . قلت لها : " هل أنت تحت وطأة الحب؟" أجابت ببرود : "سؤال
مألوف ... أبدا . " "وهل فشلت في الحب ؟ " قالت " بكل تأكيد ... أبداً . " فقلت لها" وماذا تريدين بكلماتك هذه ؟!" قالت : " أما عن الحب فلا أؤمن به ... أعني أنه زيف ... وكذلك لا أؤمن بالإنسان . " ودفعني الفضول لأن استطلع رأيها في لغتها هذه فإذا بها تقول : " أحب استعمال اللغة التي لا يفهمها الآخرون ، لأن وقعها طيب في نفسي . " قلت لها : وهل كل البنات هكذا ؟! أجابت " كل ما اعرفه أن هناك فتيات سخيفات وعظيمات ، وضيعات ومخلصات ، عالميات  ومحليات . " قلت لها متهكماً : " وهل لك أن تحدثيني عن العالميات والمحليات ؟ " قالت برباطة جأش : " إنني لا أحب التدخل في شؤون الآخرين إلا إذا جلبت لهم السعادة . إنني غير سعيدة لأنني لا اعرف ماذا أريد . " وهنا افترضت في  نفسي طبيباً سايكولوجياً ، وتمنيت فرويد بقربي ليحل رموز هذا النوع من الإناث . وهنا امتلكت عواطفي محاولاً وضعها في جو تستطيع خلاله أن تفضي بأفكارها لعلها تفسر هذه الطلاسم . ثم تحدثت بلهجة حزينة : " أنا أؤمن بأن السعادة ليست في إدخال السرور إلى نفسي بل إلى القلوب التي تحتاجها . " ثم سألتها وماذا تعنين بالذين يحتاجونها ؟ قالت " الرجال بالأخص ... وأنى ارثي لهم . إنهم يتغزلون بالفتاة ولكنها ألاعيب . " أحست بأن وقع الكلمات كان ثقيلاً علي ، فاستدركت تقول : " ليس كل الرجال ... فانا أعجب بالرجل المفكر ، والأديب ، والحزين ، والعميق ! أعجب بالرجل الذي يقيم أفكاري ، ويعجبني أن أتسلى به وهو يتلوع . انه طفل كبير ! "

لم تكن الفتاة مسلمة ، ولم تكن متدينة بل كانت تتباهى بأنها عصرية ... متحررة ، كانت ضائعة ... عابثة ... كانت لا تعرف ماذا تريد ... كانت تضحك ثم تحزن . كانت تشكو الفراغ ، وربما ساعد حبها للتمثيل وحياة النجوم على تغذية هذا الفراغ . لقد جمعتني بها ظروف شاذة لم أكن أتوقعها ... ولست ادري ماذا كانت تهدف وهي تبعث باعترافاتها بسخاء . ولم يكن يدر بخلدي أن تنطلق حواء فتحدثني عن قلبها ونفسها وعقلها . لقد عرفت بأن أفكارها سترى النور وستترجم إلى حروف وكلمات فإذا بها تقول :

" أحب أن أرى جوليت في المرآة ... ترى هل ستقبل المرآة ؟ " ثم أجابت نفسها وهي تهز رأسها ويديها الناعمتين :

 " لابد وأنها ستقبل في يوم من الأيام . "

 

نشرت في جريدة ( العرب ) البغدادية بتاريخ 7/8/1969

*قحطان فؤاد الخطيب

juror_qahtan1@yahoo.com