
قصة قصيرة
" بات من المستحيل أن اصمت وفي فمي الدم ... وبات من المستحيل أن أعيش في
النار ما دامت هناك الجنة . " هكذا راحت الآنسة الشابة جوليت تبعث
بعباراتها المنسابة ، التي عجزت عن تدوينها بما احتوته من عمق في الفكرة ،
وجمال في
الأسلوب ، وخصوبة في الخيال . ثم وجدتني مندهشاً أمام هذا النوع من الحواء
.
قالت بلهجة تمثيلية رائعة ..... " أنا اكره أبي وأمي ... أكرههما ، لأنهما
تسببا في وجودي " . ثم استدركت قائلة: "أتدري لماذا اكرههما ؟ " عجبت من
أمرها وأنا لم يمض على تعرفي عليها سوى أيام تعد بالأصابع ثم قالت : " إن
وجودي يعني ، بالنسبة لي الخطأ الكبير . " ثم راحت تبعث بتفسيراتها
وتعليلاتها قائلة : " فأبي لم يقرر الحصول على أطفال : لا بنين ولا بنات .
ولكن جئت صدفة . " ثم رفعت عينيها وهي تتأملني كأنني أريد أن انتزع منها
الاعتراف . وأردفت تقول : " إن أبي كانا تحت الأمر الواقع ، بل قل كان أبي
يندب حظه حين عرف بأن أمي ستضع مولوداً . " ثم تساءلت بعصبية : " ولماذا
تزوجها أذن ؟ ! " وتوقعت أن أعلل لها سؤالها ، ولكنها راحت تقول : " أتدري
كم أثق فيك .... ؟ " ثم ابتسمت وقالت : " أجل إنني أثق فيك ، ويتراءى لي
بأنـك خبير بالحياة ! "
كانت فتاة خضراء العينين ، معتدلة القامة ، شعرها مفحم بالسواد ، رشيقة
الحركة ، رقيقة الحديث . كانت تضحك ثم تسكت، تسأل نفسها ثم تجيب . لقد سبق
وعرفت بأنها في سنتها الجامعية الأخيرة . كانت ذكية ..... تتحدث في كل شيء
بلباقة . وكانت تريدني أن افهم بأنها أحسن حواء !
وقلت لها : " هل أنت فيلسوفة ؟ ! أجابتني كمن أحبت هذا السؤال كثيراً . ثم
راحت بغرور تعدد بأصابعها ذات الأظافر الطويلة الملونة بلون زهور الربيع ،
أسماء الكتب والكتاب الذين قرأت لهم وتأثرت بهم . فذكرت المذاهب والشخصيات
بلا حسـاب ثم قالت : " أحب الرمزية ... أحب اللامعقول ... أحب سارتر ...
أحب الفن ... الأدب ... التمثيل ... آه ، أعبد التمثيل . وهنا لفظت عبارتها
التالية التي أبعدتنا عن الطريق الذي كنا نسير فيه ، وقالت :
" لاشيء يعيد للخضرة نظرتها . غاب القمر الذي كان
يتلألأ...................... . "
كنت ألاقي صعوبات شتى وان أدون أفكارها الغامضة ، ثم واصلت تقول : " لتحرسك
الشمس ، ولترعك النجوم ."
ولست أدري من كانت تعني ، وماذا كانت تريد أن تعني . قلت لها : " هل أنت
تحت وطأة الحب؟" أجابت ببرود : "سؤال
مألوف ... أبدا . " "وهل فشلت في الحب ؟ " قالت " بكل تأكيد ... أبداً . "
فقلت لها" وماذا تريدين بكلماتك هذه ؟!" قالت : " أما عن الحب فلا أؤمن به
... أعني أنه زيف ... وكذلك لا أؤمن بالإنسان . " ودفعني الفضول لأن استطلع
رأيها في لغتها هذه فإذا بها تقول : " أحب استعمال اللغة التي لا يفهمها
الآخرون ، لأن وقعها طيب في نفسي . " قلت لها : وهل كل البنات هكذا ؟!
أجابت " كل ما اعرفه أن هناك فتيات سخيفات وعظيمات ، وضيعات ومخلصات ،
عالميات ومحليات . " قلت لها متهكماً : " وهل لك أن تحدثيني عن العالميات
والمحليات ؟ " قالت برباطة جأش : " إنني لا أحب التدخل في شؤون الآخرين إلا
إذا جلبت لهم السعادة . إنني غير سعيدة لأنني لا اعرف ماذا أريد . " وهنا
افترضت في نفسي طبيباً سايكولوجياً ، وتمنيت فرويد بقربي ليحل رموز هذا
النوع من الإناث . وهنا امتلكت عواطفي محاولاً وضعها في جو تستطيع خلاله أن
تفضي بأفكارها لعلها تفسر هذه الطلاسم . ثم تحدثت بلهجة حزينة : " أنا أؤمن
بأن السعادة ليست في إدخال السرور إلى نفسي بل إلى القلوب التي تحتاجها . "
ثم سألتها وماذا تعنين بالذين يحتاجونها ؟ قالت " الرجال بالأخص ... وأنى
ارثي لهم . إنهم يتغزلون بالفتاة ولكنها ألاعيب . " أحست بأن وقع الكلمات
كان ثقيلاً علي ، فاستدركت تقول : " ليس كل الرجال ... فانا أعجب بالرجل
المفكر ، والأديب ، والحزين ، والعميق ! أعجب بالرجل الذي يقيم أفكاري ،
ويعجبني أن أتسلى به وهو يتلوع . انه طفل كبير ! "
لم تكن الفتاة مسلمة ، ولم تكن متدينة بل كانت تتباهى بأنها عصرية ...
متحررة ، كانت ضائعة ... عابثة ... كانت لا تعرف ماذا تريد ... كانت تضحك
ثم تحزن . كانت تشكو الفراغ ، وربما ساعد حبها للتمثيل وحياة النجوم على
تغذية هذا الفراغ . لقد جمعتني بها ظروف شاذة لم أكن أتوقعها ... ولست ادري
ماذا كانت تهدف وهي تبعث باعترافاتها بسخاء . ولم يكن يدر بخلدي أن تنطلق
حواء فتحدثني عن قلبها ونفسها وعقلها . لقد عرفت بأن أفكارها سترى النور
وستترجم إلى حروف وكلمات فإذا بها تقول :
" أحب أن أرى جوليت في المرآة ... ترى هل ستقبل المرآة ؟ "
ثم أجابت نفسها وهي تهز رأسها ويديها الناعمتين :
" لابد وأنها ستقبل في يوم من الأيام . "
نشرت في جريدة ( العرب ) البغدادية بتاريخ 7/8/1969
*قحطان فؤاد الخطيب
juror_qahtan1@yahoo.com