الأدب  ( 1 )

 أخبار و مقالات و دراسات أدبية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

قراءات و دراسات أدبية

 حالة سقوط

رواية

محمود الورواري

قراءة و تحليل

أحمد توفيق

          اللغة الشجية ومدى ملاءمتها للحدث الدرامي من أهم أسباب تميز الرواية
محمود الورواري الذي كتب القصة القصيرة وتميزت مجموعتيه: العزف على وتر مقطوع, واختزال في المسافة والسفر, وكتب المسرح وتميزت مسرحيتيه: الخفافيش ووجع الأمكنة وكانت لغته تنبئ عن كاتب مختلف, يعي تقنيات الكتابة وجماليات الفن, تميز أيضا في تلك الرواية "حالة سقوط", التي صدرت مؤخرا عن دار وعد للنشر والتوزيع, فلم يقف عند حدود الرصد المواجه للأحداث التاريخية لأزمة الشرق الأوسط , بأن يواجه المتلقي بأحداث تسجيلية مباشرة, لكنه تعدى تلك الواجهة التي تستهدف المتلقي العادي, ليقدم خلفية متسعة للأحداث, استطاع الكاتب فيها أن يستفيد بتجربته الذاتية وخبرته الإعلامية التي أتاحت له فرصة التحرك في مسرح الأحداث: مصر,الأردن, الإمارات, إيران, العراق, أفغانستان , فبداية من مشهد المطار الذي تكرر أكثر من مرة, مرورا بالأحداث الإنسانية التي عاش معظمها والتقطها بعناية والتي تصاعدت تدريجيا حتى ذروة الحدث ثم تساقطت تباعا مع تطور الخط الدرامي, فالشخصيات التي مرت مرورا سريعا كطبيبة الأسنان الروسية التي تعمل بائعة للخمر في مطار دبي, عاملة الهاوسكيبنج في فندق إزادي, بنفشيه فتاة المطعم الطهرانية, برفانا, مؤيد الفنان التشكيلي الكُردي, لا تقل أهمية عن الشخصيات الرئيسية في الرواية فـ "مني" حبه الأول الذي افتقده بعد زواجها من شخص آخر, ظلت في قلبه حتى بعد أن انقطعت علاقته الجسدية بها بعد إنجابها الطفل الأول من زوجها الأردني, و"وجد" التي التقى بها أول مرة في عمان عند شقيقها محسن وقامت بينهما علاقة حب وطيدة , وكانت المقابلة الثانية معها مصادفة في أحد النوادي الليلية في طهران بعد أن أجبرتها الظروف على السقوط,, وكان ذلك سببا في عدم اكتمال تلك العلاقة, ومحسن الفنان العراقي, شقيق "وجد", الذي عانى وحبيبته زهوة الظلم الطائفي في عهد صدام, وتحولت حياتهما لمأساة في عهد الغزو الأمريكي, وحمزة العربي زميل الدراسة الذي التقي به في طهران, بعد رسالة مفاجئة وصلته منه, وحكايته مع "رولا" زوجة صديقه المناضل الفلسطيني التي تزوجها بعد مقتله, وقصته ونضاله في أفغانستان, كلها رموز وطموحات وبطولات تصاعدت مع تصاعد الخط الدرامي ثم تساقطت تباعا تحت وطأة الظلم والقهر الذي تعرضوا له سواء من الأنظمة الجائرة أو الطائفية: سُنة, شيعة, كُرد, عرب أو من تحولات سياسية أو من غزاة, لتشكل جميعها المشهد الدرامي لحالة السقوط.
الراوي أيضا لم يقف عند حد تفاعله ومعايشته لتلك الشخصيات فحسب ولكنه كان راصدا أيضا لتحولات المكان, فالمكان عند محمود الورواري كائن حي يتأثر بالأحداث والتحولات السياسية وظلم الحكام, فالمكان ومفرداته يعبران عن الإنسان, فيقول الكاتب: ثمة علاقة بين أشجار المدن ونسائها فأشجار القاهرة وارفة الظل كأجنحة حنونة, دون أن تعبأ كثيرا بعلوها, وهي صورة معبرة بالفعل عن المرأة المصرية, أما عند وصفه للمرأة الإيرانية, فإنه يصفها بالمهتمة بالعلو كأشجار طهران العالية,التي تفتقد الأفرع الوارفة التي يستظل تحتها الناس, ثم عاش الراوي مع تلك الأماكن التي اختلفت مسمياتها بعد الثورة الإسلامية: فندق الحرية , نادي الاستقلال, وغيرها من الأماكن التي لم يقف الاختلاف عند حدود الاسم فقط, لكن تعدى الكاتب ذلك ليرصد مدى التحولات والمتغيرات التي طرأت عليها, وهكذا عندما يتعمق في الحديث عن عمان ومعان في الأردن, وأفغانستان, وبغداد قبل الغزو وبعد الغزو من خلال مآسي أبطال الرواية, فالكاتب لا يفرق بين الإنسان والمكان فكلاهما يحيا نفس التحولات والقهر السياسي للأنظمة, وللغزاة الأمريكان.
أما عن المقولات التي استهل الكاتب بها مقاطع روايته " حالة سقوط" فقد كان موفقا فيها لحد بعيد, فعلى سبيل المثال: (لكل مدينة غرباؤها.. وأنا الغريب في كل المدن) , تجد مدى تناسب هذه المقولة مع المقطع الأول من الرواية الذي يركز فيه الكاتب على مدى إحساس البطل وهو الراوي بالاغتراب في ترحاله وتنقله بين المدن والمطارات.
وكذلك في المقولة التي استهل بها المقطع الرابع: (الشواطئ مفهوم نسبي للنجاة فهي تحمل الموت للحيتان) فالكاتب أو الراوي يتساءل: هل أرادت الحيتان بهروبها هذا.. الهروب من أوطانها أيضا؟ , أم أنه نوع من تنفيذ أحكام الإعدام بعد محاكمة جائرة لدكتاتور؟, وهو هنا يشير لهروب العراقيين المعارضين لصدام من أوطانهم تجنبا لتنكيله بهم, وهروب المواليين له بعد محاكمته الجائرة وإعدامه خوفا من محاكمتهم, وفي مقولة ( ما أصعب أن يقتلك أخوك وينقذك غريب) التي تصدرت المقطع الحادي عشر كان متوائما مع تلك اللحظة التي تعرض فيها الراوي للاعتداء من أخوة عراقيين حرضهم ضده شقيق زوج "وجد" وأنقذهم السائق الإيراني, أما مقولة (في أوطاننا.. كل خيبة مرهونة بخيمة) التي بدأ بها الكاتب المقطع الثالث عشر من الرواية, فكانت مناسبة لمآسي العراقيين في ظل الغزو الأمريكي والصراع الطائفي, وهكذا في معظم المقولات التي استهل بها الراوي مقاطع روايته كان موفقا إلى حد بعيد.
استطاع الكاتب في روايته " حالة سقوط " بواسطة اللغة السلسة الشجية المحملة بالدلالات- التي تعد من أسباب تميز هذا العمل الإبداعي- أن يعبر بها من هموم الذات إلى هموم الوطن والإنسان ويقدم حالة روائية متميزة
أحمد توفيق