الأدب  ( 1 )

 من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 مختارات قصصية

 

*

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 هودج السلام

قصة قصيرة

محمد نجي

          بين أنامل يانعة تشع أحلاما لغد مشرق ، انبرى قلم يفوح عطر مداده. فطم من محبرة الكبت و النسيان، و أمسكته هذه الأنامل  في وداعة و هي تغازله بنفحات من شهيقها اللافح الذي امتزج بمكر الزمان و خداعه. انصهر مداده  من شدة الوهج الذي عصف بأمواج الحنين إلى سفر تقاس فيه المسافات بالسنة الضوئية. طفق السخي يتدفق في صبيب منتظم يخترق مسامات ورقة بيضاء ملئت شوقا حالمة بأن  تزهو  بما ترسم الأنامل النشطة. ظلت الورقة  تتوسل أن يسقيها بنعيم بنات أفكاره كي تستحم بنفحاتها.  تحركت الأنامل و هي ماسكة بالقلم ثم  انسكبت، فجأة على سطح الحقل، ملء  المعاني و هي منحنية تواضعا، ترسم عليها خطاطات نابضة بقناعات السمو و الصفاء. وجدت نفسها مغمورة بدفء خارق متدفق بسخاء. نسيت في خضم هذا الطقس النوراني مآسي الوجود التي مزقته مظاهر الحقد و التمييز. تهاطل عليها مداد كالماء و كالثلج و كالبرد يطهر رواسب ماض بغيض. في زاوية من وجداني المنبهر، اتخذت موقعا يسمح لي بملاحظة  انخرطت من خلالها مع هذا الطقس. قلت  في نفسي

 -  « و هل هناك أعظم من  علاقة من  تلك التي ننسجها بين  القلم و  الورق  ؟ »  حلت عقدة لساني بعدما كانت قد غزته حبسة مستطيرة . أمامي، تبادل الطرفان حديثا و همس كل واحد في أذن الآخر في حذر شديد. فجأة سمعنا أزيزا و هديرا منبعثين من مكان سحيق. رافقهما مرور سحابة بيضاء ظلت تدنو ببطء منهما. توقف طقس الكتابة و الحوار بعدما حملت السحابة العشيقين على غمام بياضها. راح الرفيقان ينشدان أنشودة غيث السلام الربيعي،  زاد من ري أحلام المداد و غذى في نعيم مسامات الورقة الحاضنة لتلك الأحلام و الخطاطات. سقا غيث السلام الحقل الخصيب و بدأ يزهر بشتى أصناف الورود العطرة . تحوم عليها أسراب نحل حكيم في بطنه استوى  رحيق الأزهار.  من بعيد تسمع طنين النحل و هو يهتف  بدبيب أنشودته  بالشفاء  في سخاء طائي . تجول الرفيقان  بين مزهريات الورود التي رسماها للتو. دعيا لشهد أصيل و اكتشفا على حين غرة باقة حكمة المحبة التي رسمها النحل المجد في عمل جماعي نادر. أغدق النحل على مضيفيه بعسل الشهد العجيب ثم  توطدت الصداقة و نبعثت أحلام السلام . المضيفان لم يسرفا في تذوق الطبق. أكلا بزهد. ساحت الورقة و القلم   في واحة بها عيون الأمل جارية.    استجمع العاشقان شروط عقد قران الإبداع. في عرس بهيج. حضره الخاص و العام. جاءت  الورقة على استحياء و قد اكتمل نضجها. أهدت مسحة مسامها للرسام الماهر الكريم الذي وجد السطح خصيب. طقس الكتابة بدأ و حلم الإخصاب زاد. نسجت  ملحمة شعرية بشتى لغات العالم. حمل المتعاقدان على هودج محبة الحكمة المشع. الهودج تحمله واحة السلام و الوئام. غزت نفوس بعض الأشباح الغيرة المستطيرة. خشيت على مواردها التي تنبع من مخادع المكر و التضليل. لم يرقها المنظر البهيج الذي ينبعث من الهودج النفيس. من فوقه كانت الورقة ترمي بقطع حلوى  الحكمة كعادة الغادة  الحسناء  حين تزف لبعلها. تذكرت ذلك المشهد الكريم عندما كنا أطفالا كالملائكة. كنا ننتظر بشغف  ملحمة  عرس كي نجني من العروس قطع الحلوى غير عابئين بخطر رفسات  حوافر الدابة التي تمتطيها. زغاريد الأنيسات يحدث رنينا حادا يهتز له طبل الأذن محدثا ذبذبات الفرحة في النفوس الطيبة . صدى الزغاريد يرجع بعدما اصطدم بمكر بعض الأشباح الحقودة. غزا آذانها وقر. منظر الهودج عظيم و غيرة الأشباح شواظ من نار و لهيب. تحلم العفاريت و هي تمتطي صهوة حصان الدونكيخوط الهزيل بأن تخرق سفينة الهودج المحمول على بياض غمام السلام. في طقس ربيعي يهتف بأنشودة نسيم السلام، يغزو الأمل أرجاء الحياة. مولود جديد يزدان به فراش الورقة و القلم. حول العالم يظهر مشروع السلام الغض الأصيل. شجرة العدالة يسقيها المولود الجديد  بماء الصفاء.  تجتمع  الأشباح  حول شجر زقوم المكر و التضليل،  منه يأكلون كي ينسوا مجد الورقة و القلم في تأسيس مشروع سلام مشرق و حقيقي.               

  محمد نجي  -  المغرب/ تاهلة