الجريمة
والعقاب ( سابقا ) *
قصة

ابراهيم
درغوثي*
تنويه :
هَُبل ، هو الرب الذي
عبدته قريش في سالف الأزمان . وكانت تمجده وترفعه فوق كل الأرباب . ويا يوسف لا
تنساني عند ربك .
*****
سأحكي لكم
حكايتي ، فاسمعوا وعوا ، وإذا وعيتم ، فانتفعوا .
هي حكاية بسيطة جدا ، ولكن الجرائد جعلتها تكبر حتى سمع بها القاصي والداني .
أما أنا ، فما زلت مقتنعا في قرارة نفسي بأنها حكاية صغيرة لا تستحق كل هذا
الكلام الذي قيل حولها .
فهل ستقوم القيامة لأنني قتلت رجلا شيخا وزوجته العجوز ؟
أرأيتم كيف أنها حكاية بسيطة كآلاف الحكايات التي تقع يوميا في العالم ويقتل
فيها الشريف والوضيع ، والمرأة والرجل ، والعاشق والمعشوق ، والسارق والمسروق ،
والفاعل والمفعول به ، والزاني والفاضل ، والقحبة والشريفة ، والغني والفقير،
والكبير والصغير ، ( هل أزيدكم ؟ )
إنها حكاية لا تستحق كل ما كتب عنها . لا تستحق دروس علماء النفس التي ناقشتها
، ولا محاضرات الأفاضل أساتذة الجامعات التي ألقيت في الكليات حولها ، ولا
أطنان ورق الجرائد التي حبرها الصحافيون وملأوا بها الأكشاك ، ولا أشرطة
السينما التي جعلت مني بطلا رغم أنفي .
إنها حكاية قتل بسيطة . فأنا قاتل عادي . لا أنتمي إلى فرقة من فرق الموت ، ولا
إلى عصابة دولية تتاجر بأعضاء القتلى .
ببساطة أنا من قتل العم أحمد التابعي والخالة صلوحة دون أن يخامرني الشك لحظة
واحدة أنني اقترفت جريمة . فقد قتلتهما بسهولة عجيبة حتى أنني احترت وأصابني
العجب للسرعة التي ماتا بها ، فكأنهما كانا يترقبان منذ أمد بعيد ضربة المطرقة
التي هويت بها في كل مرة على جمجمة أحدهما . ضربة واحدة بالمطرقة على مؤخرة
الرأس ، ويسقط الجسد بين يدي بدون ألم ولا أنين . وبدون أن تسيل قطرة دم واحدة
على الأرض . فقط ، قطرة أو قطرتان تخرج من الأنف ، فأمسحها بكفي ، وينتهي الأمر
.
قلت لكم منذ البداية إنها حكاية صغيرة ، ولكن الجرائد نفخت في أحداثها حتى كبرت
وفاحت رائحتها .
لست أدري لماذا كل هذا التهويل ؟ فالعم أحمد كان سيموت ميتة طبيعية بعد سنة أو
سنتين على أقصى تقدير . والعمة صلوحة كانت كثيرة الشكوى من مرض الروماتيزم ،
فأرحتها منه ، وأرحته منها بضربة صغيرة من مطرقتي .
هل تعرفون أنتم ، يا من أقمتم الدنيا على رجل واحدة أن العم أحمد التابعي رجل
جاوز السبعين ، وكان يستفزني بنظارته الطبية ، وبحمالتي بنطلونه ، وبسيجاره
الذي يتعالى دكانه في الجو كدخان قاطرة قديمة . فماذا لو لم أبادر بقتله ؟ أما
كان السرطان سيقضي عليه ؟ سرطان الحنجرة والبلعوم يتغذى على السيجار . والعم
أحمد يعشق السيجار يا سادتي الكرام . إذن ، حسب ظني واعتقادي أكون قد أرحته من
ذاك المرض اللعين الذي كان سيفتك بحنجرته ، وكان سيسبب له آلاما لا تقدر على
تحملها الجبال الرواسي .
ما كنت أعرف الرجل قبل اقترافي عملية القتل ، ولكنني كنت أعرف القصر . زرته مرة
قبل عودة الشيخ وعجوزه من باريس . سألت عن واحد من أصحابي يعمل بالبناء فدلوني
على القصر . ومن يومها ، وقعت في حب هذه العمارة التي صارت سبب قتل العجوزين .
أعجبني القصر ، فقررت امتلاكه بكل الطرق . وبما أنني فقير ، فقد عولت على الحظ
. ووقف الحظ إلى جانبي مرة في حياتي ، إذ دعا الرجل صديقي للقيام ببعض أشغال
البناء في المنزل لكنه اعتذر له بكثرة أشغاله ، ورشحني لتعويضه . فعملت في
القصر . وقتلت الشيخ وزوجته ، وفزت بمعشوقي .
قبل ذلك ، كنت عندما أحن إليه ، أمر من أمامه ، فأتمسح على حجر سور الحديقة .
وأطير كالفراش ، فأقع على الورد . أترشف من طله . وأعود إلى الشارع أذرعه آلاف
المرات . ولا أتعب . ولا أمل .
وأغبط العجوزين على هذا النعيم .فيلا عصرية بطابقين على الطراز الأمريكي . تحيط
بها الورود وأشجار الحور من كل جانب .وتطل شرفتها الكبيرة على البحر ، و يلمع
قرميدها الأندلسي تحت أشعة الشمس ، وتفوح منها روائح الزهور في كل الفصول .
كنت أقول في نفسي : هذه الفيلا لا تصلح لهذين العجوزين . هذه تلزمها واحدة من
حور العين ورجل من أهل الجنة .
وكنت أرى نفسي واحدا من أهل الجنة ، فقررت الاستيلاء على هذا القصر عندما سنحت
لي الفرصة ، فقتلت العجوزين ، وسكنت القصر .
صحيح لم أسكنه كما الأسياد . ولكن ، وعلى كل حال ، وحتى وإن كنت في نظر سكان
الحي مجرد حارس ، فإنني في نظر نفسي سيد هذا القصر ومولاه . أنام فوق أسرته ،
وأستعمل كل الأجهزة العصرية الموجودة داخله ، من الفيديو إلى الثلاجة ، ومن
البيك آب إلى جهاز التلفزيون الضخم الواسع وسع السماء . وأعوم في مسبح الحديقة
. وأتجول في الشرفة المطلة على البحر . ويغبطني المصطافون على هذا النعيم الذي
جاءني من وراء ضربة مطرقة .
البنات الجميلات بالمايوه يستلقين تحت الشرفة ،يسترقن النظر إلي ، ويطمعن في
ابتسامة مني . وأنا أدخن السيجار ، وأربت على فروة القطة ، وأتجاهلهن .
طيب يا أسياد الحي .
أنا في نظركم مجرد حارس لقصر العم أحمد التابعي الذي دفنته هو وزوجته في رواق
جانبي من أروقة القصر . رأيكم هذا لا يهمني . المهم بالنسبة لي أن المصطافين
يظنون أنني صاحب القصر وسيده . فموتوا كمدا ، واقعدوا فوق إصبعي الوسطى . وإذا
لم يكفكم إصبع ، فهاكم قبضة يدي . نحن جميعا أبناء آدم وحواء . نحن من تراب يا
أبناء الزواني . فلم التكبر والتجبر ؟ لماذا تنظرون لقامتي العالية وبنيتي
المتناسقة أكثر من أجسامكم المترهلة وقاماتكم القصيرة بعين المحتقر ؟ ألا
تعلمون أن لا فرق بيني وبينكم إلا بلون الرخام الذي يزين القصر ؟ وإن كنتم
تملكون قصورا من طابق واحد ، فأنا أملك قصرا من طابقين .
وأولادي يلعبون فوق قبر عمكم أحمد .
وأذكركم مرة أخرى بإصبعي الوسطى .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ولله الأمر من قبل ومن بعد .
*****
عندما جاء موزع البريد أول مرة إلى القصر ، رأيت في وجهه صورة ملك الموت . وقلت
في نفسي لنفسي سيقتلك هذا الرجل يا مسكين .
عرفت بنور قذفه الله في صدري أن هذا الرجل سيكون سببا في موتي . وتمنيت له ضربة
بمطرقتي على مؤخرة رأسه المفلطح .
قلت له : أنا حارس القصر يا ساعي البريد . والعم أحمد سافر . سافر بعيدا . ركب
صاروخا بعدما اقتطع تذكرة ذهاب بدون عودة .
وإن عدت ، سأبادرك بالمطرقة .
وأغلقت في وجهه باب الحديقة ، وعدت إلى بهو القصر . جلست أدخن السيقار ، وأفكر
في هذه اللعنة التي لم أحسب لها حسابا .
كنت بين اليقظة والنوم عندما رأيت العم أحمد يخرج من قبره . رأيته ينفض التراب
عن جفنيه ، ويعدل من بنطلونه ، ويمسح عرقا كان ينز من جبهته . جاء يمشي نحوي
بخطاه الثقيلة ، فقمت أستقبله مرحبا كما نرحب بضيف عزيز .
قال : مع من كنت تتكلم ؟
قلت : مع موزع البريد .
قال : هو موعد الحوالة البريدية التي أتقاضاها كل شهر ، فلماذا لم تدق على
القبر . كنت في غفوة ، ولم أستيقظ إلا عندما استمعت إلى اصطفاق الباب وراء
الطارق .
هذا الساعي صديقي . كنت أحسن إليه لما كان يزورني . أسقيه مرة كأس ويسكي .
وأطعمه مرة أخرى حبة شوكولاطة ، ولا أبخل عليه أبدا بالسيكار .
فلماذا حرمتني من رأيته ؟
قلت : سيعود ، سيعود لا محالة يا سيدي . رأيت في عينيه إصرارا على العودة .
قال : لا تنسى أن تناديني إذا عاد .
قلت : سأضع تحت رأسك منبها يدق كل ساعة .
قال : لا تترك ورد الحديقة يذبل .
قلت : عد إلى قبرك ، وسأسقي الورد .
وعاد إلى قبره لينام . وذهبت أسقي زهور الحديقة .
أحلب السحاب وأسقي الزهور .
وأضحك للمصطافات . أشتري ودهن بالابتسامات فيتساقطن تحتي تساقط الفراش على
الزهور . وأنا أختار ولا ترضيني إلا الكاعب الصبوح .
أقول لهن : جئن طوعا أو كرها . فيأتين طائعات . يجلبهن جمال القصر ورقة هوائه
وشرفاته التي تطل على الأمواج المبعثرة على الرمل . فأنكح في اليوم الواحد
أربعا . أدخل بهن مساء وأطلقهن عند الصباح .
ويعود موزع البريد ، فأسكت المنبه القابع عند رأس العم أحمد بقبضة يدي . أسكته
حتى لا يسمع النداء .
وأقول للموزع : مت كمدا ، فأنا المصطفى . أنكح حور العين ، ولا أشبع . ولا
تسألني مرة أخرى عن صاحبك .
صاحبك سافر إلى درب التبانة ولن يعود إلا بعدما ينفخ في الصور .
وأنا الآن سيد هذا القصر ومولاه .
- ألم يترك العم أحمد عنوانا أحول إليه حوالاته البريدية أيها الحارس ؟
- ستقتلني هذه الحوالة يا موزع البريد .
وأصفق وراءه الباب ، فيدق جرس المنبه اثنتي عشرة دقة . وتطلق المدافع اثنتي
عشرة طلقة . ويندفع أفراد الشرطة العدلية داخل القصر كمردة من الجان .
*****
حين لسع الفأس سوأة
المرأة الراقدة في القبر بدون كفن قالت :
- آخ ... ما أحر برد الصبح دثرني يا ولدي ، فالبرد تحت التراب شديد .
وحركت يدها تغطي سوأتها .
- آخ ... ما أحر البرد تحت التراب يا ولدي .
وحركت الفأس التراب من جديد ، فقامت الخالة صلوحة . نفضت التراب عن شعر رأسها ،
ومسحت عينيها وقالت :
- لقد سرقتني سنة نوم . هل شربت كأس الشاي ؟ سأذهب أسخن البراد وآتي بصينية
اللوز المحمر .
وقفت العجوز وسارت باتجاه الطابق العلوي وهي تغطي سوأتها بيدها اليمنى ، وتحمل
براد الشاي بيدها اليسرى .
قال الشرطي الواقف فوق رأسي كأنه واحد من زبابية جهنم ، حين رأى العجوز تغادر
القبر الذي نفضت التراب عن بابه منذ حين :
- إلى أين تذهب العجوز ؟
قلت : ستعود بصينية الشاي واللوز المحمر.
هذه العجوز كريمة كأحسن ما يكون الكرم يا سيدي .ولكن مرض الروماتيزم اللعين ،
دمرها . كم اشتكت لي من آلامه فقلت لها سأشفيك منه يا سيدتي . وضربتها بالمطرقة
على الرأس ضربة واحدة . ما كنت عنيفا معها يا سيدي . والله الذي لا إله سواه ،
إنها ضربة واحدة ، فسقطت على الأرض ونامت كما ينام الرضيع .
كانت في العادة تختار مجلسها قريبا من خلطة الملاط . تخرج كرسيا من الخيزران .
تتفحصه جيدا قبل أن تفتحه ، ثم تبدأ في التوجع :
- ما ألعنك يا برد باريس .
وحين سألتها عن الحمامات الإستشفائية قالت :
- تعبت من التدليك ومن بخار الأحواض يا ولدي .
فقلت في نفسي أنا من سيريحها من هذا الألم ، وأهويت بالمطرقة على جمجمتها ،
فسقطت على الأرض . مسحت الدم النازف من أنفها . وشربت كأس الشاي . وذهبت إلى
داري أستريح من تعب الضربة .
في المساء ، عدت إلى القصر .حفرت جبا عميقا في أحد أروقته المهملة ، ثم ذهبت
أتفقد العجوز وزوجته . وجدتهما يمارسان الحب بشبق ، فتواريت مدة خجلا حتى
انتهيا . فناديتهما .
قالت العجوز : ماذا تريد يا ولدي ؟
قلت : لقد جهزت لكما الدار الجديدة . اهبطا لتستريحا و تناما في سرير الهناء
الأبدي .
قالت : عمك أحمد لا يستطيع المشي ، تعال ساعده .أعطيته كتفي يتوكأ عليه ،
فأعطاني جسده المنهوك كله .
وجاءت زوجته ، فتمددت بجانبه هامسة :
- دثرنا ولدي . دثر العجوزين العاشقين برحمة ربك .
تركت التراب يهطل حتى فاض الجب . وجئت بقطع الجليز المزدان بصور الورد
والفراشات . ألصقت القطع فوق القبر، فعاد الرواق كسابق عهده يزدان بالربيع .
وقفت عند رأسيهما ، وقرأت الفاتحة ويس .ومسحت على وجهي بيدي الاثنتين . وترحمت
عليهما وأنا أضع مفتاح القصر في جيبي .
وذهبت إلى البحر .
*****
في المدة التي قضيتها
في القصر ، أهذب حجر الجدران الناتىء وألمع جليز الممرات ، رأيت العم أحمد يقرأ
في مجلدات كبيرة مذهبة الحواشي . وكان يكثر من الكلام مع زوجته عن تبني طفل
يؤنس وحدتهما . سمعته يقول لها أكثر من مرة :
- ماذا لو اعتبرنا هذا الطفل حفيدا لنا ، نسيه ولد من أولادنا عندنا وذهب في
حال سبيله .
وكانت العجوز تسخر من هذيانه ، وتضحك حتى تدمع عيناها وهي تردد :
- متى كان الأولاد ينسون الأحفاد عند الجدود أيها الهرم ؟
فيقوم يجري وراءها . فتهرب منه وتحتمي بي . تختبىء من الشيخ وراء ولدها . هكذا
سمعتها تقول للعجوز . والعجوز ، يهمس في أذني كلما وقفت عند رأسه أقرأ من
الكتاب سورة البقرة :
- لو سألتني ، لتبنيتك يا ولدي ، وأعفيتك من القتل .
لو سألتني لوهبتك قصري وذهب خالتك صلوحة ومجوهرات بايات تونس التي أممها
بورقيبة ، وكنوز زبيدة بنت المهدي حرم الرشيد ، وزهور الحديقة ، والشرفة المطلة
على البحر ، وسيجاري ، وقوارير الخمرة المعتقة .
أعرف أن التبني في شريعة الإسلام حرام . وأعرف قصة زيد بن حارثة الشيباني . زيد
بن محمد .وأعرف أن زينب بنت صفية رفضت أن تسكن زيدا في قلبها ، فطلقها الرب من
فوق سبع سماوات بمرسوم إلاهي مدموغ بطابع الألوهية . فعاد زيد إلى حارثة
الشيباني . و صارت زينب تفخر أمام زوجات الرسول بأنها أكرم منهن . تزوجهن على
الأرض . وتزوجها في السماء .
آه لو سألتني لتبنيتك يا ولدي ، فأنا لا وارث لي إلا بيت مال المسلمين .وأنت
عملت في قصري أسبوعا ، فدخلت القصر من بابه الصغير ودخلت قلبي من الباب الكبير
.
فلماذا لم تسألني عن التبني أيها المسكين ؟
عرفت حكايتك من صديقك البناء . فأنا لا أدخل داري إلا من أثق به . وأرعبني أن
يعمل قاتل في بيتي . فعندما قال لي صديقك أنك ، وأنت في ريعان الشباب ، قتلت
طبيبا متقاعدا ، فحوكمت بالسجن المؤبد . لكن عفوا رئاسيا شملك ، فخرجت من هناك
بعد عشرين سنة تتقن مهنة البناء ، رغبت في رؤيتك .
أحسست كأن شيئا خارقا سيقع في بيتي . ومع ذلك ، لم أتراجع عن استخدامك في البيت
.
هل هو قدري الذي قادك إلى هنا ؟
آه يا رأسي .
إلى الآن ، مازال رأسي يوجعني كلما تذكرت مطرقتك .
لقد أخبرني صديقك أنك لم تكن تنوي قتل الطبيب . ولكنه أكثر من الصراخ عندما
اكتشفك في بيته ، فخنقته حتى لا يفضحك . وقال إنك لم تكن تنوي القتل يومها ،
وإنما السرقة فقط . فلماذا نويت قتلي ، وأنت تشرب من شاي خالتك صلوحة ؟
هل هو القصر الذي دفعك لقتلنا ؟
آه ، لو سألتني لجعلتك ولدي وأعفيتك من شر المطرقة .
على كل حال أنا لم أتحسر كثيرا على موتي ، فقد عرفت هنا أنني كنت سأموت بعد شهر
. فقط ، أطلب منك أن تعتني بأزهار الحديقة وبقطتنا فافو . لا تترك قطط الجيران
يلاعبنها . وأغلق الباب جيدا وأنت تنام ، فقد كثر السراق في هذه الأيام .
وأرواح الموتى المسروقين لا تحصى ولا تعد بدءا من السماء الأولى حتى السماء
السابعة .
لا تتركنا وحدنا يا ولدي في هذا القصر الشاسع ، فأنا أخاف الوحدة . وروحي ستصاب
بالكآبة إذا أقفر القصر .
آه لو سألتني لجعلتك ولدي ونسيت زيدا وزينب . فما عادت هذه القصة تهمني من قريب
أو بعيد .
لماذا لم تشتر لنا الحليب ياولدي ؟
فالأرواح أيضا يلذ لها شرب القهوة بالحليب .
والقهوة تصبح ألذ تحت الجليز المزين بالورد والفراشات الجميلة .
*****
اقترب شرطي من الكرسي
الهزاز الذي كنت أتأرجح فوقه وأمرني بالوقوف ، فلم أمتثل لأوامره . ظللت أتأرجح
ذات اليمين وذات الشمال ، والرجل واقف لا يدري ماذا يفعل إلى أن وصل رئيس
الفريق المكلف بإيقافي ، فأمسك بي من كتفي وهزني هزا عنيفا وهو يصرخ في وجهي :
- قم يا ابن الفاعلة . هل نسيتني يا مخنث ؟
أنا من أخرجك في المرة الفائتة من المحكمة ، وأنت تبكي وتقبل يد القاضي الذي
حكم عليك بالمؤبد ، ثم أوصلتك إلى باب السجن . هل
نسيتني يا ابن القحبة ؟ أنا لم أنس مؤخرتك البضة ودموعك النازلة على خديك
الطريين . يومها أشفقت على شبابك . أما اليوم ، فسأضع بيدي الاثنتين حبل
المشنقة حول عنقك .
ودفع بي إلى اثنين من الشرطة شدا وثاقي شدا عنيفا وهما يرددان :
- لن يذهب تعب ساعي البريد هدرا . اليوم سيفرح بنجاحه في إقناعنا بأنك قاتل
العجوزين .
ودفعا بي داخل سيارة سوداء وركبا على يميني وشمالي . وزمجر المحرك ، فأيقنت
بالهلاك .
رأيت القاضي الذي أصدر حكمه بسجني مدى الحياة يبتسم بخبث ويقول لمن شفع في
شبابي :
- ألم أخبركم أن لا مكان لهذا الوحش خارج السجن .
ولكنكم كابرتم . هاهي نتيجة مكابرتكم .
كم كرهت ذاك القاضي . كرهت نظارته الطبية المستديرة كقعر قارورة . وكرهت عينيه
الصغيرتين اللماعتين وهو يتفحصني بهما من رأسي إلى رجلي ، ويصدر حكمه بصوت كريه
كقزقزة منشار يقطع الخشب .
بعدها أمسك شرطي بزندي وقادني إلى سيارة السجن
الواقفة قرب باب المحكمة .
أعتقد أنا أيضا أنه هذا الرجل الذي عنفني قبل قليل .
كنت يومها أبكي . وكان ينظر إلي ويتشهاني بشبق ، ثم يمرر كفيه على خدي متظاهرا
بأنه يمسح دموعي إلى أن وصلنا إلى السجن المركزي ، فأعطى الأمانة لأهلها كما
قال و طعنني في صدري بسيف لسانه :
- آه يا مسكين . سجن مؤبد وأنت في هذا العمر .
وتلقفني السجان ، فرمى بي داخل قاعة فسيحة ، وأغلق الباب ورائي .
خمدت الحركة مدة دقيقة ، وأنا واقف قرب الباب ، ثم علا ضجيج زفة جاءت تستقبلني
. تهليل وتكبير . وصراخ . وقرع على أواني الأكل . واجتمعت حلقة الذكر حولي .
ولم يهدأ النباح وتقبيل خدي إلا عندما صرخ مارد في الجمع أن كفى .
وتقدم الرجل نحوي تتبعه بنت تحرك ردفيها ، وتتمايل بغنج ودلال .
قال الرجل وهو يشيربإصبع كالسكين نحو صدري :
- ما اسمك يا بنت ؟
- سمير . اسمي سمير يا سيدي .
- اصمتي لا تكثري من الكلام . أنت من الآن سميرة .
- بل اسمي سمير . أنا سمير يا سيدي .
- قلت أنت سميرة . وكفى . لا تزيدي حرفا واحدا .
ونظر في عيني كمن يهم بافتراسي . فطأطأت رأسي وأنا
أردد :
- بل أنا سمير يا سيدي .
وهوت يده على صدغي ، فانفجر نور كالبرق من عيني ، ووقعت على أرضية الغرفة .
قال : ساعدها ياحمودة ، فوقع حمودة فوقي بعطره اللذيذ وهو يقول :
- قومي يا حبيبتي أجيبي سيدنا هُبَل
.
فوقفت وأنا أرتعش كالطير المذبوح .
وجاء هبل . أمسكني من زندي ، ومشى . فمشيت وراءه . طاف بي نوادي السجن وهو يصيح
:
- يا معشر قريش . لقد اشتريت هذا الغلام .
وحمودة وراءنا ، يصفق ويرقص ، ويطلق الزغاريد . والسجناء يباركون للشاري
ويقبلون يده قائلين :
هنيئا مريئا يا مولانا .
وأنا أرتعش .
وحمودة يبكي .
قلت له : ما مصابك يا صاحبي ؟
فرد : مصيبتي فيك يا ضرتي .
وعاد إلى البكاء :
- و أنا يا مولاي . من لي بعدك يا سيد الرجال ؟
والرجل يصفعه على قفاه ، ويهدده بجمع يده قائلا :
- زين العروس يا حمودة . أريدها شهية هذه الليلة .
ومشيت وراء حمودة إلى دار هُبَل
، فأغلق الباب ورائي وارتمى على السرير يبكي .
قلت له : لم كل هذا البكاء يا صاحبي ؟
فقال : لم تعد لي حظوة عند هُبَل
، وأنت تزفين له عروسا هذه الليلة .
أغمي علي من شدة المفاجأة ، ولم أفق إلا وأنا أرقد مع رب السجن فوق سرير واحد .
فكدت أموت من الخوف .
لكنني ثرت عليه و وصحت في وجهه ، وضربته بيدي ورجلي ، وعضضته في كامل بدنه
وأغلقت جسدي بكل مفاتيح الدنيا .
ولكن متى وقفت المفاتيح في وجوه الكبار؟
أصبحت بعد ترويضي زوجة لهبل . أتعطر، وأرقص مؤخرتي في وجوه السجناء ، وأضع أحمر
الشفاه ، وألبس حامل النهدين ، وأطبخ الشاي لسيدي الذي يمتطيني فارسا مهابا متى
سنحت له الفرصة . وأنا أحلم بقصر أسكنه وحدي .أحلم بقصر أمارس فيه الحب فاعلا
مرفوعا بالضمة الظاهرة في آخره . أمارس الحب مع حور
العين . أتزوج في المساء أربعا ، وطلق في الصباح أربعا .
وأموت قهرا ، وسيدي يناديني إلى سريره في ليل السجن الطويل .
*****
لما شاهدت بيت نوم
العجوزين قلت ، لقيتها ، هذا بيت النوم الذي وعدني به جبجائيل ، وأنا في زنازين
السجن . نفس السرير العالي المذهب الحواشي . والشراشف المطرزة بأزهار الفل .والوساند
الحريرية الحمراء . والفانوس الصغير الراقد بجانبي الأيمن . والشباك المطل على
حديقة القصر .
قلت هذا قصري . وتعجبت لوجود العجوزين فيه . ولم أستغرب موتهما بتلك السهولة
فكأنهما كانا يترقبان مجيء صاحب الأمانة ليسلما له أمانته .
*****
آه يا ليل السجن
الطويل .
لما شبع مني هُبل وملني ، صار يكترني لمن يدفع أكثر
.
في الليلة الأولى ، باعني لواحد من أصحابه يتاجر بالخمرة في السجن يبيع
القارورة الواحدة بعشرين دينارا . وتوارد على لحمي تجار المخدرات ، والسجانة ،
وأصحاب الحظوة عند هُبل ، واختلسني فتوات السجن
الآخرين عند غيبة رجلي . هكذا دهرا طويلا . ثم نزلت أسهمي في السوق بين ليلة
وضحاها لما عرف الجميع أن رب السجن سلاني ، فأصبح الواحد لا يدفع لي مقابل
المبيت في فراشه ليلة كاملة أكثر من دينار واحد .
وكبرت مصيبتي . فذات يوم وكنت أتهيأ للخروج من غرفتي جاء عندي هُبل
. لم يقبل قهوتي . ردها علي . وأمسكني من يدي ، وخرج بي إلى نوادي السجن .
ونادى مناد أن استمعوا إلى سيدكم . قال :
- يا معشر قريش ، لقد أطردت هذا الغلام من رحمتي ، فهو لكم سبيا مستباحا .
وانصرف .
تعلقت بردائه وطلبت غفرانه ، فقام يعنفني :
- لقد ولغت فيك الكلاب ، ولن يكون لي فيك نصيب بعد اليوم .
تركته حتى غاب ، وقلت للجمع الواقف حولي :
- من منكم يشتري هذه المؤخرة ؟
فسكتوا . تركت سروالي ينزل حتى الكعبين ، وقلت :
- هي لكم غنيمة حرب ، فمن يريدها له وحده يدفع لي مهرها رأس هُبل
.
تركوني عريان السوأة وانصرفوا ...
في تلك الليلة ، جاءني حمودة برأس الرب فوق صينية .
كان الرأس يقطر دما ، فرماه في حجري ، وقال :
- هو لك هدية لا مهر زواج .
كان الدم يشخب من العروق . وكانت العينان تبحلقان في حمودة بذهول . وكان الفم
منفرج عن ابتسامة بلهاء وكأن لسان حاله يقول :
- هو أنت من ذبحني يا حمودة ؟
ترك الرأس في حجري . وتركني أبكي ، وذهب يقرع باب السجان . قال له :
- دونك وجثة هبل . هي لكم . لم أقتطع منها سوى هدية بسيطة لضرتي سميرة .
وصفق الرجل بيدية تصفيقا متواصلا موقعا مدة ربع ساعة حتى أفاق كل من في السجن .
رأى الخلق الواقف عند جثة هبل عجبا . اكتسى جسم حمودة ريشا ، ونبت له جناحان
مكان اليدين .
فصفق بجناحيه .
وطار ....
*****
قال لي المحقق :
- أين دفنت جثة العم أحمد ؟
- ماذا تقصد ؟
- ألم تقتل الرجل ؟
- ولماذا أقتله ؟
- أنا أسأل وأنت تجيب يا ابن الزانية . تكلم قبل أن أدخل في إستك هذه العصا .
- أنا لم أقتل أحدا . بل أنا قتيلكم يا سيدي .
وحرك في يده خيطا ، فاشتعل الكهرباء في كامل بدني . صرت فانوسا يلتهب نورا
ونارا
قال :
- ألن تقول أين دفنت الجثة ؟
*****
الجثة .
آه . الجثة بقيت ثلاثة أيام مطروحة أمام مرحاض السجن حتى حام حولها الذباب
الأخضر . وانتفخت البطن وسال الصديد من الوريدين المتورمين .
قال مدير السجن :
- سأجعلكم تتأدبون عن القتل . والله لن أدفن هذه الجثة إلا بعدما يخرج منها
الدود ، ويملأ هذه القاعة القذرة .
انزوى كل واحد في ركنه متوجسا . وقل الكلام والحركة بين السجناء إلى أن كانت
الليلة الرابعة . سمعنا طرقا على الأبواب مصحوبا بدمدمة قوية .خرجنا نستجلي
الأخبار ، فرأينا هُبل يسير في الأروقة مقطوع الرأس
، وحراس السجن يطلقون عليه النار . كان الرصاص يرتد عن جسمه المصفح . وكان
يتبختر كعادته أيام العز . ومدير السجن يصيح " :
- ادفنوا غدا جثة هذا المسخ في السبخة الغربية .
*****
قال : زده عذابا
ياشعبان . وتحرك خيط الكهرباء من جديد يحرقني ، فأموت جالسا على كرسي المهانة .
في اليوم السابع ، استوى المحقق على العرش بعدما انتزع مني الاعتراف .
قال مبتسما تلك الابتسامة التي تذهب إلى القلب كطلقة رصاص :
- خذوه إلى القصر ولا تعنفوه إذا عصى أوامركم . عاملوه بالمعروف ولا تشددوا فقد
أخذ نصيبه وزيادة .
عندما فتح رجال الشرطة الباب ، رأيت تمثالا لساعي البريد .كان التمثال من
البرنز البراق . حين وصلت بجانبه صاح :
- هذا قاتل العم أحمد وزوجته .
ونزل من قاعدته المنتصبة بشموخ وسط حديقة القصر .
سار أمامنا إلى أن وصل إلى مكان القبر ، وقال :
- احفروا هنا .
فانشقت الأرض ، وزلزلت زلزالها .
وقامت القيامة ...
*إبراهيم درغوثي /
تونس
نائب رئيس إتحاد
الكتاب التونسيين
=======================
تعقيب
الأديب المبدع الأستاذ إبراهيم الدرغوثي
هُبَلْ يتعشق صاحب الأمانة في السجن المركزي ، عمل أدبي رائع يمكن
تصنيفه كرواية صغيرة أو قصة طويلة ؛ و يتناول فيه الكاتب عدة محاور نفسية و
إجتماعية :
أولا : المحور النفسي :
فهو يؤكد على أن صاحب النزعة الإجرامية لا يردعه عقاب ، فبعد عشرين
سنة من السجن و العفو عنه بمكرمة رئاسية في إحدى المناسبات الوطنية ، يعود بطل
القصة – الرواية ، إلى إرتكاب جريمة أفظع من سابقتها .
ثانيا : المحور الإجتماعي :
و
يتطرق العمل إلى حالة السجون المزرية ، و بينما من المفترض أنها مدرسة إصلاح ،
نراها هنا مدرسة لتعميق الإجرام ، و تحويل السجناء إلى عصابات تمارس جميع
الموبقات ، و أبشعها تسلط بعضهم على بعضهم بعضا لممارسة ابشع انواع الرذيلة ،
في حين أن إدارة السجن غافلة عن هذا كله .
و يتخلل هذا المحور مقارنة لافتة بين الفقر و الغنى ، و نظرة الفقير
الحاسدة إلى النعم التي يتمتع بها الغني ، مع شعور قوي بالمرارة لانتفاء
العدالة ، التي تدفع بعض ذوي النفوس الضعيفة إلى ارتكاب جنحهم و جرائمهم .
أما الأسلوب فقد مازج بين الواقع بكل فجاجته و بين الخيال مجردا و
مجسدا ، بلغة مكينة و استرسال مشوق يشد القارئ .
و صفوة القول ، ( هُبَلْ ) هو من أجمل الأعمال التي قراتها مؤخرا ،
و أشد على يد الأستاذ إبراهيم الدرغوثي مهنئا .
دمت يا أخي و دام تألقك