
قصة
وفاء شوكت خضر
وقفت
أرقب
الوجوه حولي في موقف الحافلات ، شقراء شعرها انساب على كتفيها ، تنشغل بحقيبة
وضعتها على الأرض لتتخذ منها مقعدا.
التقت أعيننا دون قصد ، استوقفتني نظرتها ،
باغتتني بابتسامة ، محدقة نظراتها لا تنداح ببصرها عني ، أدركت من ملامحي بشعري
القاتم ، وحاجبي الغليظين ، شواربي الكثة ، لون بشرتي ، أني غريب ، فتعلقت
نظراتها
بي ، ولم تفارقني
.
نهضَت حال وصول الحافلة ، وانشغَلت برفع تلك الحقيبة ، لحظة
هبت ريح حملت أتربة الرصيف لتذروها في الوجوه الواقفة ، ألقت بما في يدها تمسك
أطراف ثوبها القرمزي الذي تلاعبت به الريح ، اختل توازنها حتى كادت تسقط
بتعثرها
بتلك الحقيبة القابعة على أرض الرصيف
.
اندفعت دون وعي إليها أساعدها بالنهوض ،
أسندت جسدها بذراعي أقيها السقوط ، وما أن لامست يدي ذلك الجسد البض ، حتى سرت
بجسدي ارتعاشة شحب وجهي لها ، وأخفيته بانحناءة حتى صار بين صدري وصدرها ، حملت
الحقيبة ، وساعدتها على الصعود إلى الحافلة، اجتزت المقاعد بحثا عن مقعدين
شاغرين ،
فلن أفوت الفرصة التي أتتني دون سابق تدبير ، رفعت الحقيبة ، وضعتها في المكان
المخصص .. ، ومنحتها الفرصة لتسبقني في الجلوس ، لامس جسدها جسدي ، ، تدفق الدم
إلى
وجهي ، تصبب جبيني عرقا ، جلست ،وجلست إلى جانبها، تعارفنا بعد لحظات صمت، ولا
زالت
تلك الإبتسامة على شفتيها تحاصرني ، فأخفض نظراتي تهربا من عينيها المصوبة إلي
كالسهام
.
ـ اسمي إيمي
..
رفعت بصري ، لتعاود تلك النظرات محاصرتي
.
ـ
سـ .. سـ .. سامي
..
كنت أتوسل صوتها ، وهي تبتلعني بنظراتها ، وأفكاري تتأجج
بخيالات ، لمغامرة محمومة ، اخوض غمارها مع حسناء أمريكية ، آه من تلك العينين
الزرقاوين ، كيف باتت تتفحصني ، سرت الرعشة في جسدي ، ابتسمت ، وأنا أحس
التشنجات
في أحشائي ، ولا زالت الصور تداعب خيالي
.
لم أشعر بالوقت الذي مضى برفقتها ،
إلى أن توقفت الحافلة في آخر موقف لها ، بارتباك وخوف من انفلات الصيد من يدي ،
توقفت لتناول الحقيبة ، لنغادر الحافله
.
كانت تسير من خلفي وكلما تعثرت الخطى
بين المقاعد ، كنت أحس ملامسة جسدها لجسدي ، فيزيد إصرار ذلك النداء بداخلي ،
لخوض
المغامرة
.
على رصيف الموقف ، وقفت لا تدري أتودعني أم تنتظر أن أقدم لها دعوة
لمكان ما ، النظرات كانت تبوح بما يغني عن كل كلام ، كانت نظراتي رحلة استكشاف
للجسد الممشوق أمامي ، فهمت العيون لغة الجسد
.
شقتي قريبة من الموقف ، لم لا
تأتي لشرب القهوه أو شراب بارد .. ؟؟هكذا قالتها ، ولم أفكر طويلا .. قبلت
الدعوة
وداخلي يضج بالفرح ، حتى أني لم أشعر بالحقيبة التي كانت تثقل يدي ، لا مجال
للرفض
، فقد تحقق المأمول ، ابتسمت ابتسامةأخفيت مكري خلفها ، وافقت دون تردد ،
وداخلي
يرقص فرحا ، والصور تتوالى في مخيلتي
.
في صالة صغيرة ، طلبت مني أن أستريح
ريثما تبدل ثيابها ، كانت نظراتي تتجول في الزوايا بسرعة غريبه تتفقد المكان ،
وكأني أستحثها للعودة سريعا ، مقعد طويل في الصالة ، ومقعد آخر يتسع لشخص واحد
،
تتوسط المساحة أمامهما طاولة صغيرة ، صورة لشاب وسيم احتلت الحائط ، لعلي ذعرت
حين
رأيتها، ربما زوجها ، أو صديقها ، كم خشيت أن تنتهي المغامرة بكوب قهوة أو كأس
من
المشروبات الغازية ، بدأ الفضول ينهشني ، وبدأت التساؤلات تطرق رأسي ، تراه من
يكون
؟؟
لم أدرِ ما أفعل ، أحسست أن غيابها طال ساعات ، وأنا أنتظر متحرقا بفضولي
..
لم تراها تأخرت ؟؟ هل هو معها في الداخل ؟!!
لم أدرِ متى ظهرت أمامي ، لم ألحظ
حتى عودتها ، كانت الأفكار تتناهشني ، فوجئت بوجودها أمامي، لازالت تحمل نفس
الإبتسامة ، وكأسين من العصير ، جلست إلى جانبي ، والأفكار تتضارب في راسي ،
كنت
أخشى من تلك الصورة التي ترقبني ، لا أدري كيف باغتها بالسؤال
..
ـ من هذا الشاب
؟؟
بذهول ، نظرت إليها فاغرا الفاه مشدوها ، لا أدري ما أفعل في ارتباكي المفاجئ
لردها، نهضت أبحث عن باب المنزل ، لأسلم قدمي للطريق ، كنت أركض في الشارع يصفع
وجهي صوتها والهواء .. ابتسامتها تقرص أمعائي ، اختنقت بقيء داهمني للحظة ،
وقفت
لأريح معدتي مما تتخبط به ، وصوتها طنين في أذني
.................
"
هذه أنا
قبل ثلاث سنوات
" ...
تعليق
شدتني القصة من الفها إلى يائها ، و عند الياء انفلتت مني ضحكة
رنانة
تتناسب مع هذه النهاية غير المتوقعة
.
قضية
الجنس الثالث ليست قضية
امريكية أو أوربية فحسب بل موجودة حتى في بلادنا ، و الفارق أنهم يعلنون عنها
بينما
نتكتم ؛ و قد طالبت مجموعة منهم - ذات يوم -بالاعتراف بهم كجنس ثالث و بحقهم في
أن
يعيشوا أحرارا محترمين ، فقامت ضجة إعلامية ، سيقوا على أثرها جميعا إلى السجن
.
المهم أن النص كان مشوقا و بلغة جميلة قوية و شفافة ، خالية من الرموز و
التوريات التي يعشقها البعض
.
إعجابي الشديد بإبداع الكاتبة وفاء شوكت و أشد على
يدها
مهنئا .
نزار
ب. الزين