مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

الكاتب المغربي

محمد نجي

سيرة ذاتية

الاسم الكامل محمد نجي
السن : 34 سنة
المهنة : أستاذ التعليم الابتدائي
التحصيل العلمي :
- باكالوريا علوم تجريبية 1992 -
- شهادة استاذ التعليم الابتدائي 1994 - تكوين مزدوج عربية / فرنسية
- شهادة الدراسات الجامعية العامة 2001 ، تخصص علم النفس
- الشهادة الجامعية تخصص اجازة في علم النفس 2003
الأعمال الأدبية المنجزة
• مجموعة قصصية منشورة في بعض المواقع الاليكترونية عنوانها كنوز لن تضيع
• نصوص شعرية باللغة الفرنسية
• مقالة موضوعها حول شروط و اليات الحوار الفلسفي منشور في عدة مواقع لكترونية
 

 مأدبة الحكماء

قصة قصيرة

محمد نجي*

          رنَّ جرس المؤسسة معلنا حلول وقت الخروج. جمع الأستاذ منصور جداداته* التي كلفته وقتا كثيرا أثناء إعدادها. التحق بمحطة القطار مسرعا رغبة في إدراك وسيلة النقل المفضلة لديه. تأخرت بضع الدقائق. لم ينشغل بالأمر. أقبل القطار منبها المسافرين إلى دخوله المحطة. صعد منصور وهو يحاول التسلل إلى جوفه ، دون إحراج الآخرين ثم انزوى داخل مقصورة، كانت شبه فارغة. وضع حقيبته على فخديه و طفق يفكر في موضوع الإشكالية التي تناولها مع فوج الثانية بكالوريا وتساءل" لماذا فشلت في حشر هؤلاء المتعلمين في نقاش ناجح؟" راح ينسج الفرضيات وأرجع المسألة لتقنيات الديداكتيك* التي وظفها. راوده شك حول قصور منهجية التدريس لديه. ظن أن حداثة تجربته المهنية كأستاذ لمادة تتطلب مهارات تواصلية غير سهلة الاكتساب، هي مكمن القصور . دحض الفرضية بعدما تأكد أن تقنيات التنشيط كانت في مستوى وحجم الإشكالية. قرر أن يعلق مسألة الخوض في التغذية الراجعة إلى وقت لاحق. تشنجت أعصابه وأحس بنوبة حادة غمرت كيانه تأسفا على هده اللامبالاة الصادرة عن متعلميه تجاه مادته بالخصوص. رأى أن حصته أصبحت فرصة يغتنمها بعض المشاكسين منهم للترويح عن ذواتهم التي تستهزئ بالتعلم والإقبال عليه. بينما تغدو عند قلة منهم مناسبة لإشباع فضول ما، ينبعث من خلال استفسارات منعزلة لا تصب في صلب البرنامج الدي يحاول تمريره. تأسف منصور لحالهم و امتعض من مواقف النفور لديهم و التي لا ترعى الفلسفة حق رعايتها. كاد أن ينسى قرب موعد نزوله، بل تمنى أن يمكث على متن القطار حتى لا يعود إلى المنزل ليجد نفسه أمام واجب إعداد جدادات أخرى لا يحرك محتواها ميكانيزمات التفكير عند متعلميه. قرر أن يلغيها من برنامجه المسائي، أحس أنها مغالطة لا ينبغي الوقوع فيها. وصل إلى سكناه منهك الجسد و الفكر. قام، رغم التعب، إلى مكتبه وبدأ، على وجه السرعة، في إعداد برنامج الغد.أنهى عمله وقرر أن ينام باكرا رغم إصرار زوجته على أن تنال حظها من وقته. انشغل باحتساء الحريرة الساخنة التي أعادت الدفء إلى أمعائه. اعتذر لزوجته المتفهمة لسلوكه الدي ينم عن عياء شديد ألم به. ساعدته في ارتداء ملابس النوم ثم دثرته بما يقيه شر البرد القارس .

برهة، أصبح في حضرة نوم هادئ لم تسجل زوجته أثناءه لحظات الشخير الدي تشمئز منه. استغربت من حاله هدا المساء. كانت تراقبه، بين الفينة والأخرى، مراقبة النفساء لصبيها الدي تخاف عليه الاختناق خلال الأيام الأولى من الوضع. استسلم منصور لقدر منفلت من كابوس الشخير الذي ما فتئ يعكر صفاء النوم على زوجته . عملت ما في وسعها كي تحافظ على جو هادئ، يتيح لها الظفر بلحظة نوم عميق. أسدلت سترات النوافذ لتحول دون تسرب ومضات البرق إلى غرفة النوم. لكن لم تجد حيلة تمنع بواسطتها دوي طقطقات الرعد المزمجر. ظلت جامدة أمام جهاز التلفاز، تتابع حلقات مسلسل مكسيكي. في لحظة ما، وجد منصور نفسه في حضرة أشخاص غرباء لا يعرفهم يمدون له أياديهم يصافحونه مصافحة حارة. من رؤوسهم، كانت تنبعث ومضات مشعة، زادته استغرابا و بهجة. طفق منصور يستقبل بعض عبارات تنويه، مرافقة للمصافحة ثم انخرط في جو نوراني لم يكن ليخطر على قلبه يوما ما. بعد هده اللحظات الترحيبية المفعمة بالود و الإشراق، راح يطوف في أروقة لم يستطع أن يحصيها عددا. فجأة، وقع بصره على شخص ضخم، يرتدي معطفا أسودا. أوجس منه منصور خيفة. كان بقد رما تبدو عليه علامات السخط والوعيد، كانت تنم نظراته عن عطف وإشفاق. كان يتأهب ليناول شيخا، ملتحيا بلحية بيضاء، كوبا به سائل لم يستطع منصور أن يميز طبيعته. أمسك الشيخ بالكوب دون تردد و ظهرت عليه علامات الاشمئزاز و القرف. استغرب منصور لهذين الموقفين العجيبين ثم دنا ممن حسبهما طيفيين جاءا لينغصا عليه صفو نوم هادئ. استرسل في التحديق، ليتحرى أمرهما. تحاشى الاقتراب من صاحب المعطف الأسود و قرر الميل إلى حيث يجلس الشيخ. على بعد عدة أمتار، قرأ على جبين العجوز، عبارة مأثروة عن متن من المتنون" أيها الإنسان اعرف نفسك بنفسك." وجد صعوبة في فك رموزها لانها كتبت بأحرف لاتينية. أوحت له العبارة بشيء ما ثم سببت له زوبعة ذهنية. أحس بنوع من الرهبة واقشعر جلده. حاول تفسير رؤياه في عز نومه ثم صاغ فرضية مضمونها" ألا يكون من أنا بحضرته هو.......، عظيم اليونان؟؟" نهض الشيخ محاولا الاقتراب من منصور، همس في أذنه قائلا " ألم تعرف من الرجل؟؟" راوغ منصور العجوز و رد بعبارة نفى فيها تعرفه عليه. من شدة الوجل، طفق مدرس الفلسفة يلوح برأسه، تلويحا يكرر فيه الجواب بالنفي. أشفق الشيخ عنه ورثى لحاله وردد عبارة بلغة غريبة عن وعاء مفاهيم منصور، لم يفهم منها سوى كلمة "سقراط". اطمأن منصور بعدما صدقت فرضيته حول هوية الشخص الذي هو في حضرته .

بعد هذه المحادثة، أحس بنشوة مد جسر التواصل مع سقراط أبي الفلاسفة. خشي أن تطلبه زوجته وقرر أن يرسل لها رسالة مكتوبة عبر هاتفه المحمول يقول فيها" أنا الآن في حضرة سقراط. إياك ثم إياك أن تسألي عني مهما يكن من أمر" وضع الشيخ يده اليمنى على كتف منصور و سلمه شارة مكتوب عليها" أنا التهكم و التوليد منهجي" ثم أضاف قائلا" أنا منزل الفلسفة من السماء إلى الأرض" استأنس منصور بأقوال سقراط وأحس برغبة التعلم على يده ثم قال له " هلا شرحت لي ظروف اغتيالك يا سقراط؟" تبسم الحكيم الشهيد ثم قال باختصار شديد "حب الحكمة والميل إلى جانب الحق يجلبان على صاحبهما عداوة الغير" عقب هذا الجواب المركز، سئل منصور عن مهنته فرد على سقراط قائلا " أنا منصور أستاذ الفلسفة بثانوية ابن رشد " قال لمستفسره بعدها في نبرة فيها جد وهزل" ألا تعلم هدا يا سقراط؟؟" ثم أضاف" إن فكري دائم التغذية بفكرك، ألا تعلم هدا يا سقراط؟؟" اكتفى سقراط بالتبسم و رد على محاوره مجيبا على سؤال ظروف اغتياله حيث قال" كانت المحاكمة مفتقرة لأدنى شروط العدل والإنصاف. كان وراءها ثلة من المارقين الذين وقعوا فريسة لمنهجي الجدلي. تصور كنت قادرا كل القدرة على تبيان فراغ رؤوسهم وبطلان دعواهم." بدأ الحوار يتطور و حسب منصور نفسه صحفيا في ندوة يعقدها مع شيخ غادر الحياة بجسده ، لكنه ما زال حيا تشع الحياة من حوله ليضيء حول غيره. ود أن يتصل بأحد القنوات الفضائية، لتبث أطوار محاورته و لقائه مع أحد أعلام الفكر الفلسفي الإنساني عبر التاريخ. تمنى أن يمنحه سقراط وساما من الدرجة الفكرية الممتازة، كي يتباهى به أمام زملائه و متعلميه حتى يوقظ فيهم حس التفكير العميق و يولد فيهم جرأة الموقف. راودته فكرة الاتصال بمتعلميه قصد حضهم على الانخراط في أطوار المحاورة، لعل المعلم الأول يكسبهم قبسا من فن المحاورة والجدال. هيهات هيهات لم يكن يدري أن الصدفة سترمي به، بعيدا إلي هدا الحد، في أحضان عالم اليونان القديم و العجيب. لو كان قد علم بها قبل لحظة سفره، لكان قد أخذ الاحتياط. لو تخيل مثل هده المقابلة، لعمل المستحيل قصد إخبار قناة الجزيرة أو العربية أو حتى أل – بي-بي- سي، لتنقل الندوة على الهواء مباشرة. تمنى منصور أن يكون على موعد مع سقراط في استوديوهات إحدى هده القنوات. تخيل أنه لو حصل له شرف دلك، سيغدو من المشاهير.
بعد لحظة استراحة، كان منصور في حاجة إليها، استؤنف الحوار وهمس مؤسس الجدل في أذن محاوره قائلا" كان تلامذتي بجانبي. دبروا لي ظروف الفرار من سجن اوبة إلى تساليا، إلا أني رفضت أن أفر فرار العبد، احتراما للقانون. آثرت الموت على الحياة مع خيانة الواجب. بل إن السعادة غمرتني في تلك اللحظة التي دخل فيها علي السجان ليعلمني بدنو الساعة.

بكاني و أثنى على خلقي" لم يطق منصور سماع المزيد و صاح في وجه معلمه " كفى كفى يا شجاع ، أعدموك وسقوك سما ناقعا عند الغروب." بعد هذه الصيحة الشديدة، غاب سقراط عن أنظار منصور ولم يدر أية وجهة ولاها. ود أن يقدم الاعتذار له لو أنه سجل رقم هاتفه المحمول.
عقب إجهاض المحاورة مع أبي الفلاسفة، رأى منصور حكيما ثانيا، وهو يسبح في نهر عظيم. كان لا يمكث في مكان واحد، في حركة معاكسة لانسياب الماء. دنا منه ثم قال له" ما سر حركتك السريعة والعجيبة ؟؟ " رد عليه مقررا" لا نستحم في النهر مرتين" ود منصور لو تظل مدة إقامته في حضرة هؤلاء الذين أتحفوه بمقولات زادته شوقا الى التنوير.

 تعاهد مع نفسه أن ينقل هده الأجواء إلى متعلميه كي يغرفوا منها، ما لذ وطاب من مأدبة الكلم الذي يفوح حكمة وتبصرا .
في لحظة ما، رأى ثالثا، يرتدي معطفا وقد وضع رابطة عنق، رآه يحمل فأسا وهو يحاول أن يحيي تربة حول شجرة باسقة" أصلها ثابث وفرعها في السماء" أراد بهذا الإحياء أن يجعلها وارفة " تؤتي أكلها كل حين." ما إن دنا منصور من الفلاح الذي يكدح كدحا ليلاقي ثمار جهده، حتى قال له " و اذا أردنا آن نستعمل عبارة مجازية لقلنا أننا لا نجتث شجرة الفلسفة و لا نقتلعها من جذورها. أنني أقلب الأساس وأفلح الأرض". ارتاح لهده المقولة التي ألفها وألفته منذ أن كان طالبا بقسم الفلسفة. حاول أن يجعل من الحوار مع قائلها يطول لكن دون جدوى. فالحكيم كان شغوفا بفلاحة شجرته الوارفة والباسقة. التمس منصور عذرا له و تفهم الأمر.

وجد نفسه وحيدا على سريره الدافئ وطفق يشخر شخيرا. أسرعت إليه زوجته و أيقظته إشفاقا عليه

-----------------------------------------------------------------

* محمد نجي - أديب مغربي

* جداداته ، جمع جدادة : مصطلح مغربي بمعنى تحضير الدرس

* ديداكتيك ( Didactic- didactism )

Didacticism is an artistic philosophy that emphasizes instructional and informative qualities in literature and other types of art

Didactic :

1. Fitted or intended to teach; conveying instruction; instructive; teaching some moral lesson; as, "didactic essays."
2. Inclined to teach or moralize excessively; moralistic.

  من أصل أجنبي بمعنى : منهجية التعليم ، منهجية الأدب ، و كذلك منهجية التعليم الفلسفي الأخلاقي