
قصة

دكتور/ محمد
فؤاد منصور*
عندما
حاول مدحت أن
يرجع بسيارته قليلاً إلى الخلف ليتمكن من الخروج من المكان الضيق الذى حشرها
فيه سمع طقطقة غريبة وصوت فرقعة تحت العجلة الخلفية للسيارة وقبل أن يتوقف
ويهبط ليتعرف على مصدر الصوت شاهد رجلاً ريفياً يبدو أنه بواب إحدى العمارات
يصرخ من بعيد وهو يهرول ناحيته مشوحاً بيديه صارخاً فى فزع :
- حاسب ..حاسب.. ياحمار
أستفزته الشتيمة فنزل مسرعاً ليقابل ذلك الرجل فى منتصف الطريق وقد غلى الدم فى
عروقه
- أنا حمار يامتخلف
قبل أن يصل إليه ليؤنبه على مابدر منه كان الرجل قد ناوله لكمة أطاحت بنظارته
الطبية بعيداً وتكوم بجسده النحيل وقامته الضئيلة على الرصيف وقبل أن يفيق من
هول المفاجأة كان الرجل قد رفعه بين يديه كدمية وناوله لكمة ثانية أطاحت به هذه
المرة حتى نهاية الرصيف.
وضع يده فوق عينه وشعر كأنها أقتلعت من مكانها وأخذ يزمجر مهدداً متوعداً وقد
أقنعته اللكمات أنه لاسبيل إلى قهر ذلك الثور الهائج إلا بصب اللعنات والشتائم
ونعته بأبشع الصفات.
تجمع الناس فى لمح البصر وأحاطت بمدحت حلقة من البشر شكلوا سياجاً يمنع الرجل
الهائج من الوصول إلى مدحت والفتك به من جديد.
عندما لمح آثار دماء تلوث أصابعه زاد إصراره على التوجه إلى قسم الشرطة القريب
وبينما يزيل ماعلق بملابسه من أتربة لمح سيارته تقف بالعجلة الخلفية فوق أحد
أقفاص الطماطم فدهسته تماماً وتناثرت بقع الطماطم الحمراء على الأسفلت وفوق
الرصيف حتى أنه لم يحدد ماإذا كان مايلوث أصابعه وملابسه من الصلصة أم دماء
حقيقية من إصابة أحدثتها قبضة الرجل التى تفوق قوتها رفسة الحصان.
وبينما كانا يتبادلان الشتائم التى حظى الأب والأم منها بأوفر نصيب أصرّ أحد
رجال الشرطة من المتفرجين على أن يقتاد الخصمين إلى القسم لفض الأشتباك وتفريق
الناس.
قال عوضين وهو الرجل صاحب القفص الذى تسبب فى نشوب المعركة إنه لن يتنازل عن
حقه فى ثمن قفص الطماطم بالكامل والذى يمثل مصدر رزقه الوحيد إلى جانب عمله
كبواب للعمارة.
من ناحيته قال مدحت إنه لابد أن يؤدب ذلك الحيوان كما نعته ويرميه فى السجن
جزاء تطاوله عليه قولاً وفعلاً.
سار الموكب الصاخب إلى قسم الشرطة وسط معزوفة من الشتائم المتبادلة والتهديد
والوعيد تارة من مدحت وأخرى من عوضين حتى مثل الجميع أمام شرطى عجوز ماإن رأى
الموكب حتى تمتم فى قرف :
- يافتاح ياعليم ..يارزاق ياكريم.. خناقة ؟ ..خناقة ياأولاد الكلب على الصبح.
راح يتفحص القادمين وقعت عيناه على مدحت فقدّر فى نفسه أنه شاب مستهتر حين لاحظ
ملابسه المتسخة وعينه المتورمة، صاح فى ضيق:
- نعم ؟ فيه أيه ياأخينا أنت وهو.
أنبرى عوضين وقد لان صوته وأستكانت ملامحه ورفع كفه عموديأ فى مقابل رأسه كمن
يؤدى تحية عسكرية :
- بهدلنى ياباشا خرب بيتى ودمّر رزقى وأتلف نعمة ربنا ثم ضربنى، راح رأسمالى
والعوض على الله كأن كل من ركب سيارة يحق له أن يدوس على أرزاق الناس.
نطق العبارة الأخيرة بتوسل وكأنما ليثير النعرة الطبقية لدى الجاويش وفى حركة
خاطفة مال عليه ورمى فى الدرج المفتوح ورقة مالية .
أدرك الجاويش أن الرجل مدرب على مثل هذه المواقف وبدا له مدحت بعينه المتورمة
وهيئته المبعثرة قليل الحيلة وناقص الخبرة معاً فرمقه بنظرة نارية وقال يستعيد
ماسمعه من عوضين ذو اللهجة الجنوبية المشحونة بالأسى والتباكى
- ماذا جرى فى الدنيا خلاص ركبتم سيارات وصرتم تدوسون على رقاب الناس ياغجر.
رد مدحت وهو ينظر ناحية الدرج نصف المفتوح وقد تناثرت به بعض الأوراق المالية
- كنت متعجلا ًفلم ألحظ أنه فرش الشارع بأقفاص الخضار والطماطم.
ثم أشار إلى عينه المصابة وقال:
- لقد لكمنى وكاد يقتلع عينى.
تدخل عوضين فى فاصل تمثيلى مشحون بالشجن
- إن أقفاص الخضار هى مصدر رزقى ياباشا لقد أتلف قفص طماطم يزيد ثمنه عن عشرين
جنيهاً.
كأنما تذكر الجاويش الجنيه الذى ألقى فى الدرج منذ قليل فاأتجه إلى مدحت مزمجراً:
- وحضرتك راكب سيارة وأعمى فى نفس الوقت تتلف ممتلكات الناس وتعتدى عليهم
بالضرب
غضب مدحت من قلب الجاويش للحقائق وإتهامه بالعمى فقال فى نبرة حادة:
- من فضلك ياشاويش .. حافظ على ألفاظك.
أنفعل الجاويش وقد لاحظ أن مدحت يناديه برتبته دون توقيركما يفعل عوضين فقال
غاضباً:
- بتقول أيه ياروح أمك ؟..أحافظ على ألفاظى وهل كل من أحضرت له أمه سيارة يدوس
بها الخلق.
حين سمع مدحت سيرة أمه يلوكها ذلك الشرطى الجلف ثارت ثائرته وقال فى حدة :
- قلت لك أحفظ أدبك أحسن لك.
أنتفض الشرطى واقفاً وقد أستبدّ به الغضب وزمجر قائلاً:
- لا .. ده أنت كمان قليل الأدب .. وقعتك سودة.
أحتدم الموقف ووجد عوضين فرصة مناسبة ليتدخل محاولاً تهدئة الجاويش الثائر
فأحاطه بذراعيه كما لوكان ليمنعه من إفتراس مدحت وقال :
- معلهش ياباشا ..عيل وغلط ، حقك علىّ.
عاد الشرطى إلى مكانه متظاهراً بالرضوخ لشفاعة عوضين وأشار لمدحت بذراعه ليقف
بجانب الحائط حتى ينتهى من كتابة المحضر ثم صوّب إليه نظرة متحدية وقال:
- معاك رخصة للسيارة ياروح أمك ؟
أدرك مدحت من تكرار الأهانة أن الجاويش لم يعد محايداً وأن ذلك من شأنه أن يضر
بموقفه فى المحضر فأنتحى جانباً وأخرج هاتفه المحمول وأجرى فى همس إتصالاً
بخاله الذى يشغل منصباً مرموقاً بوزارة الداخلية وإن هى إلا لحظات حتى دوّى
رنين التليفون على مكتب الجاويش الذى مدّ يده فى تكاسل ورفع السماعة ثم سرعان
ماأنتفض واقفاً مؤدياً التحية العسكرية وقد شدّ قامته ووضع ذراعه الطليق إلى
جانبه كأنما يراه من يحدثه وأخذ يردد:
- حاضر ياأفندم.. تمام ياأفندم.. أمرك ياأفندم.
بعد أن أنتهت المكالمة ووضع السماعة أشار إلى مدحت فى أدب مشوب بالخجل وهو يقدم
له كرسياً وأخرج منديلاً وأخذ يمسح به الكرسى ويردد:
- أتفضل يامدحت بك .. أجلس هنا .. أنا آسف جداً لسوء التفاهم الذى حدث.
ثم أستدار ليواجه عوضين وبادره بصفعة على قفاه تردد صوت فرقعتها فى جنبات القسم
وأخذ يصيح:
- وأنت ياأبن الكلب.. عامل الشارع سوبر ماركت وشاغل الطريق لحسابك كأنك ورثته
عن أبيك وتمارس البلطجةعلى الناس المحترمين فى وضح النهار.
وقبل أن يفيق عوضين من ذهوله صرخ فيه الجاويش صرخة مدوية:
- معاك رخصة إشغال طريق ياروح أمك.!!
========================
*دكتور/ محمد فؤاد منصور
الأسكندرية
m_mansour47@hotmail.com
=============================
إبداع آخر
للدكتور محمد فؤاد منصور
لم يشدني نص كما شدني نصك الطريف هذا ، حيث يلعب الجنيه لعبته ثم تلعب المهاتفة
لعبتها ، فينقلب موقف المحقق من النقيض إلى النقيض
دمت و دام تألقك
نزار