
قصة قصيرة
محمد
صباح حواصلي*
"لِمَ
الموت ينبض ملء كياني ويربط عمري بخفق الثواني"
أدونيس
حزمت
حقائبي وعدت إلى غربتي. كانوا معي في كل خطوة.. صغاري والغالية. رحلنا بعيدا عن
الوطن, إلى جوف الغربة.. إلى متى؟
ليتني أدري..
رحلت بعدما اختزنت في ذاكرتي الصور الجميلة لتروي شوقي في زمن السفر. قلت لهم
في بلدي - ولعلهم لم يفهموا قصدي- أنا مريض.. أنا متعب وشفائي أن أذوب في
الوطن.
ها قد عدت إلى غربتي. عدت مع أشواقي, وعيون صغاري والحبيبة, وقد اختزنت في
ذاكرتي الصور الجميلة: بستان الكرز, وضمة الآم, بسمة الصحاب, والنسمة
العليلة..
عدت لكي أملأ صدري بالرمال, عدت للدولار, للغبار, لتآكل الخلايا وانكماش
الوجه.. للهاث.
عدت ومعي في كل خطوة الصغار والحبيبة. حملت حقائبي وصعدت السلم حيث أسكن في
الطابق الأخير جارا لذؤابات الصنوبر.
أخرجت المفتاح من جيبي. فتحت الباب. دفعته, فهالني أن رأيت ما رأيت!
رأيت جثتي ممددة على الأرض. شق صراخ زوجتي عتمات المدى. شق الصدى.
واريت عيون أطفالي عن جثتي. رباه, كيف صار ما أرى؟
أمسكت بكتفي زوجتي, وأطلقتها صيحة في وجهها المذعور: "أنا معك. أنا لم أمت.
حذار من شطحات الرؤى"
راعني أن عينيها كانتا هائمتين في الحزن وكأنني لم أكن.
أتراها لا تراني؟
من أكون إذا؟ ومن ذا المسجى أمامي؟ ثم أين الصور والأحاسيس الجميلة؟ أين بستان
الكرز وضمة الآم؟
عدم كل شيء..
كنت فقط أسمع بكاءها وأواري عيون صغاري عن جثتي. كنت أسمعها تقول باكية:
"كم قال لنا: أنا مريض.. أنا متعب.. وشفائي أن أذوب في الوطن"
***
*محمد صباح الحواصلي كاتب سوري مقيم في الولايات المتحدة. القصة من مجموعة "غرق
السندباد"