الأدب  ( 1 )

 صفحات خاصة

كُتاب : قصة - شعر - مقال - نقد

 

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 طفلة ولكن !!!  

قصة

أسماء غريب

 

        لم تتجاوز بعد سنواتها الست. كانت رائعة كزخات مطر آذار، جميلة بشعرها الذهبي الذي يشبه خصلات سنابل حقول القمح الممتدة تحت سماء آب الحارق. فتحت شفتيها الصغيرتين والياقوتيتي اللون كحبات ناضجة من الكرز لتسأل جدتها المقعدة في الطرف الآخر من الصالون :

- " أينهم رجال البيت يا جدتي؟ أنا لم أر قط رجلا ببيتنا ؟...عدا جدي ؟ هل جدي رجل يا جدتي؟ لا لا

لا يمكن أن يكون كذلك فأنت تصرخين فيه كل يوم وهو لا يفعل شيئا سوى تلبية طلباتك ؟ هو لا يصرخ كما يفعل زوج خالتي، أبو شيماء ، نعم يا جدتي لقد رأيته بالأمس يصرخ في خالتي و في ابنته شيماء، أتعرفين ماذا قالت شيماء أمس وأنا ألعب معها على سطح بيتهم ؟ إن أباها يصرخ هكذا لأنه رجل وأن أمها لا تستطيع أن ترد عليه لأنها امرأة وأن الرجال الذين لا يسمع لهم صوت، نساء متخفيات بلباس رجال، هل هذا صحيح يا جدتي ؟ هل تحت جلباب جدي وعمامته توجد امرأة متخفية وصامتة؟؟؟"

غابت الجدة عن أسئلة حفيدتها و مضى بها ركب ذاكرتها إلى ذاك المزيج الغريب من مشاعر الكره الذي كانت تكنه لزوج ابتنها عبير...أجل كانت تكرهه حتى الثمالة لأنه اختطفها من بين أحضانها قبل أن تتمكن من الاستمتاع بثمرة نجاح صغيرتها التي رعتها و سهرت على تعليمها إلى أن أصبحت أستاذة ناجحة بفضل جهودها وتضحياتها وعملها ليل نهار في معامل تصبير السمك من أجل أن تشتري لابنتها أحسن الملابس والكتب قامعة في كل ذلك جمالها وشبابها الغض الذي ضاع هدرا لأن أمها زوجتها لرجل مسن لاحول له و لا قوة

كانت تعقد كل يوم آمالا وآمالا على نجاح وذكاء ابنتها عبير،و كانت تفاخر بها نساء القرية التي ولدت بها منذ أربعين سنة مضت وحينما تخرجت قرة عينها حمدت الله كثيرا وسجدت شاكرة الخالق الذي عوض صبرها خيرا مجازيا سنين كفاحها وتعبها وصبرها على زوجها العجوز بمنحه إياها جوهرتها عبير   التي خيبت آمالها والتي ما إن مر شهر على تخرجها حتى قادت لها إلى البيت هذا الشبه الإنسان الذي تسميه رجلا، مخبرة إياها أنها ترغب في الزواج منه. نزل الخبر كالصاعقة على رأس الأم ، قاومت بكل قوة رغبة ابنتها الممغنطة بشيء تافه لم تعشه هي مع زوجها المسن، شيء بليد يسمونه الحب، ولكن هيهات هيهات فعبير كانت تذوب عشقا، لا تتكلم ولا تسمع إلا بلسان و أذني حبيبها الذي كان يعدها بحياة مليئة بالأفراح والآمال، حياة تنسيها أيام الفقر والكدح التي عاشتها مع أمها الأمية والعاملة البسيطة التي كانت تحفر الصخر من أجل إعالة أطفالها العشرة ... هكذا غادرت عبير بيت أمها وتركتها لأخواتها الأخريات ولأبيها المسن ،ولكنها كانت من الحين والآخر تبعث إليها حوالة بسيطة لتساعدها على العيش وأسرتها الكثيرة الأفراد ولتسكت في الوقت ذاته ذاك الصوت المزعج الذي ينبعث من ضميرها فيحرمها لذة النوم والعيش بسلام صحبة زوجها الذي بدأ يكشف  يوما عن يوم غلظة طبعه وتقلب مزاجه .

لم تفق الجدة إلا على صوت حفيدتها من ابنتها الأخرى لمياء، ضحية أخرى لأيام الغبن و القهر  والتي عادت إلى بيت أمها طريدة زوج مسلوب الإرادة والتفكير أمام رغبات حماتها الجبارة المتسلطة... ألحت الحفيدة في النداء:

- " أوه ، أوه يا جدتي ، أينك ، لم تجيبيني، أين هي أمي لمياء ؟ متى ستعود من السفر ؟ أين هو أبي ؟.. "

نظرت إليها جدتها و ضحكت ملئ فيها حتى أبانت عن إحدى أسنانها المغلفة بالذهب :

- " وما الذي تريدين فعله بكل هؤلاء الرجال ...ألا تكفيك خالتك ميسم التي وهبت كل حياتها لك، ألا أكفيك أنا ... وجدك الذي يشتري لك البرتقال كل صباح و القطائف كل مساء...وخالتك الأخرى التي تأخذك إلى حديقة الأطفال ...لم تسألين عن الرجال ...أطفال آخر زمن ؟؟؟ "

انسحبت أميرة غاضبة و ذهبت إلى الغرفة الأخرى وهي تصرخ بصوتها الطفولي:

- " لا، لا تكفيني أنت و لا باقي خالاتي ، الأطفال في المدرسة يسألونني عن أمي وعن أبي ، يقولون لي هل لك إخوة ؟ كل صديقاتي في المدرسة عند خروجهن يجدن أمهاتهن أو آبائهن في انتظارهن عند مدخل المدرسة، إلا أنا ، فلا أحد ينتظرني و أحيانا حينما تأتي خالتي لاصطحابي أقول لهن أنها أمي ولكنهن يضحكن مني ويقلن لي : وكم أما تملكين يا أميرة ؟ اهمم اهممم اه اه اه أريد الماما ، اريد أمي ...أريد أن أرحل من هنا... "

 دخلت باكية الغرفة الأخرى حيث كان ينام جدها العجوز، بدأت تضرب بالوسائد عرض الحائط...ألقت بلعبها أرضا ...ثم انتفضت بجسدها الصغير لتجمع من جديد كل وسائد الغرفة  والشروع في ترتيبها الواحدة تلو الأخرى ...أعطت لكل وسادة اسما: " أنت لمياء وأنت سأسميك عماد ولتكوني أخي أما أنت فسأسميك أدهم ولتكوني أبي الذي لم أره أو أعرفه بعد..."

دخلت في حوار داخلي مع وسائد الغرفة، عاتبت أمها لمياء التي لا تراها إلا في الأعياد لأنها تشتغل ببلد بعيد مترام في الأطراف الصحراوية من المغرب، عاتبت أباها الذي لم تره قط في حياتها ...و لا تذكر عنه سوى كلمات ابنة خالتها الأستاذة التي قالت لها بالأمس أن أباها حي يرزق وأنه طلق أمها و هي مازالت بعد رضيعة وأنه اليوم متزوج بامرأة أخرى وله منها أبناء آخرون ...لم تفهم قط شيئا مما قالته صديقتها وابنة خالتها ولكنها بدأت تحس بالحزن والكآبة يدبان حثيثا إلى قلبها الصغير ، أصبحت تكره جدتها السمينة والمقعدة فوق لحاف مرمي في ركن ذاك الصالون الطويل العريض ، أصبحت تكره جدها وبرتقاله وحتى قطائفه المسائية أما خالاتها العوانس فأصبحن يثرن قرفها واشمئزازها فهن لا يجدن شيئا في الحياة سوى الحوم حولها وتلويث هواء البيت بهرموناتهن الأنثوية المكبوتة، بدأت تخشى على نفسها العدوى من عجز جدتها، من صمت جدها ومن عنوسة خالاتها، أصبحت تكره كل ما هو أنثى ...

   جدها المستلقي في الجهة الأخرى من الغرفة كان يراقب بعينيه نصف المغمضتين كل حركات حفيدته المكلومة، بكى في صمت ولسان حاله يقول:

- " طفلتي الشقراء ، يا نور عيني جدك الحبيب ، كيف لي أن أهديك أبا نذلا طلق أمك من أجل عيون أمه الشمطاء ؟ من أين لي بأب لك يا سويداء القلب في زمن لقيط لا أب له ؟ أب أراد التخلص من ذكرى لحظة شهوة بلهاء جمعته وأمك فكنت أنت ثمرتها ...ليس لك أب ... ليس لك أب ...ألا يكفيك هذا ؟

أما عن أمك ...فدعيها وشأنها ، أنا أعلم ما بها ...ذهبت لتشتغل بعيدا ...هربت من عيون الناس الحارقة

ومن سياط ألسنتهم الخبيثة...هربت من قبضة رجال لا رغبة لهم سوى اقتطاف ثمرة شبابها والتمتع بجسدها البض في ظلام دامس وبأماكن أدنس ...هربت من ذئاب لا تعوي إلا ليلا ولا يسيل لها لعاب إلا إذا انفردت بفريستها خارج دوائر النور .

هربت لكي توفر عليها عناء النظر في أعين خالاتك العوانس اللائي ينظرن إليها بتشف وكأنهن يردن أن يقلن لها :

هاأنت قد عدت إلينا من جديد، ما فعلت بزواجك المبكر قبلنا يا سند ريلا البيت ؟؟؟

هربت...هربت...ألا يكفيك هذا؟؟؟

آه يا حفيدتي ...أمنيتي الوحيدة هي أن يمد الله في عمري حتى أراك عروسا لشاب وسيم كريم وذي خلق ...أو متخرجة من دراستك الجامعية أو سعيدة بوظيفة راقية تضمد جراح قلبك الفتي هذا!!! 

 ولكن جدها الحبيب ودع الحياة قبل أن يرى حفيدته الشقراء طالبة جامعية أو عروسا أو ...وكأن القدر أراد أن يوفر عليه ألم أن يراها مرمية في إحدى المصحات النفسية : فطفلة الأمس المشاكسة اختارت أن تهوى بنفسها في بئر عميق من الهوس والجنون والإكتئاب لتنتقم من لامبالاة كل من حولها :

لتنتقم من أبيها الذي أصبح الآن يزورها مرة في كل أسبوع داخل المصحة النفسية، وما إن تصدفه عيناها الباهتتين حتى تنهال عليه سبا وشتما وتصب عليه حقد كل السنين الماضية لتنتهي بطرده في كل مرة من غرفتها شر طردة.

ولتنتقم من أمها التي تزوجت بعد مرور عشرين سنة من طلاقها برجل آخر في سن ابنتها والتي ما إن سمعت بخبر جنون ابنتها، تركت عملها هناك وزوجها المراهق لتتمكن من الاعتناء بصغيرتها المرمية الآن وراء قضبان تلك المصحة الكئيبة والتي ما إن تصدف عيناها الباهتتين أمها حتى تنهال عليها سبا وشتما وتصب عليها أحقاد كل السنين الماضية لتنتهي بطردها من غرفتها شر طردة.

ولكن هيهات هيهات ، هل تعود لنا أميرة ، طفلتنا الحبيبة الشقراء ، هل يعيد قرب الأم والأب منها اليوم ابتسامة شفتيها الياقوتيتي اللون ؟

اسألوا زمننا اللقيط عن ابتسامات أطفال سافرت وإلى الأبد وبدون عودة.

اسألوا زمننا اللقيط عن أمة من الرجال والنساء غرقوا في دوامات من الحزن والإكتئاب لأنهم مثل أميرة كانوا في يوم من الأيام أطفالا لزمن بليد الحس والمشاعر.