طرقـات خفيـفة
و
غفوة

محمد الشربيني
-1-
قصة
قصيرة
أحست
بما يشبه الطرقات
علي باب منزلها الجـديد ببوسطن الهـادئة .. توقفت
مكانها .. كانت قـد افتقـدت الزيارات الأسـرية ولقـاء الأصدقاء
منذ غادرت
بلادها بعد الزواج .. الناس هنـا في عجلة من أمرهـم .. وزوجها يعمل لساعات
متأخرة .. نظرت من العين الزجاجية ..لم تر أحـدا
..
عادت أدراجها للمطبخ..كانت في حاجة إلي كوب شاي ساخن
!
سمعت مواء القط ..نظرت حولها ثم راحت تفتش في الغـرف ..إنها تكره أصوات
القطـط ..حمدت اللـه يبـدو أنها إحـدى القطط بالخارج ..أسرعت تجلس كالمعتاد
أمـام شاشة التلفاز، وخيالها يزداد دفئا مع الأبخرة المتصاعدة من الشـاي ، من
صخب الصغـار إلي دفء العائلة ودموع أمها التي لم تصدقها وهي
تهتف بفرح ..
إنني ذاهبة للعالم الجديد يا أمي
..
قطع
أفكارها صـوت طـرقات خفيفـة علي البـاب الخارجي
..
أسرعت تنظر من العين الزجاجية ..صاحت بفرحـة
طاغية
لابد أنها إحدى الجارات تريد الثرثرة معي..
أزاحت المزلاج ثم توقفت برهـة
..
تمتمت لكن الأحـوال هنا متغـيرة والمعاملات مختلفة .. زادت سرعة أنفاسها
و طـاف بذهنها تحذيرات البوليس المتكررة
..
زادت قبضتها تشبثا بمقبض الباب وقد واربته قليلا ..أطلت برأسها ببطء..
..قالت
و قد تبدد السكون المرتعش داخلها :
ـ
مساء الخير يا سيدتي .. مرحبا
قالت المـرأة ..مساء الخير ..لا وقت عنـدي
..
لكن كيـف تجرئين علي ترك قطتك المسكينة في هذا الجو البارد ..؟
ـ
إنها ليست قطتي ..
وأغلقت الباب وعادت للجلوس أمام الشاشة وقلبها يرتجف من صور ضحايا الغارات
الجوية.. والصـور تتدافع أمامها تذكرها بصديقاتها ورنين الهـاتف
الذي لا
ينقطـع .. تطوف بشفتيها ابتسامة واسعة ونسمات النزهة علي شط النيـل في العصاري
الجميلة مع خطيبها حسين تداعبها مختلطة مـع رائحـة الذرة المشوي والسلام
يسود صفحة النيل .. وكم كان المساء ينقضي سريعا مع الحكايات
وحلاوة ثرثرة
الجيران
كانت الطرقات علي الباب هذه المرة أكثر وضوحا ..أسرعت بالنظر من العـين
الزجاجية ..كان هناك رجل شرطة .. فتحت الباب ..ابتسم الشرطي
..
ـ
سيدتي هـذه شكوى من الجيران بسبب طردك لهـذه القطة الجميلة ..التقطت
أنفاسها وهي تبتسم ..
ـ لقد أخبرتهم يا سيدي إنها ليست قطتي ..وأنا لا أحب القطط ..
وفي بلادنا لا
نربي القطط ..إنها دائما هكذا في الشوارع
..
ـ
هنا أمريكا يا سيدتي النظام والقـانون وحقوق الحيوان ..من فضلك وقعي علي
هذه
الورقة ..
ـ
وما الأمر ..؟
ـ
لا شئ لكنه اعتراف بأنها ليست قطتك .. وليس من حقك تقديم أي شكوى بفقـدك
لقـط ..
ـ
نعم .. نعم .. ووضعت توقيعها علي الورقة وقـد شعرت بالارتياح قليلا
..
أسرعت للتلفاز وطاف بخاطرها أن تتصل بحسين ..نظرت للساعة ..ربما يكون في
طريقه للمنزل ..
دقائق وسمعت صوت سيارة بالخـارج .. شعرت بالاطمئنان يسري في عروقها ..لابد
أنه حسين ..نهضت .. توقفت مكانها ..لماذا الطـرقات علي الباب
..
هل
ضـاع مفتاحه ..؟
ازدادت الطرقات وضوحا علي الباب..مع دقات قلبها المسموعة أسرعت بالنظر من
العين الزجاجية ..
كان
هناك شرطيان ..فتحت الباب ..
كان
مع أحدهم قفـص جميل داخله تلك القطة اللعينة تجلس علي قطعة كبيرة من
الصوف ،وزجاجة من اللبن بجانبها ،وهي تلعق بلسانها فروتها البيضاء وقد ارتفع
صوتها بالمـواء ..بينما مـد الشرطي الآخـر يده بإيصال استلام
وورقة تعليمات
و بسمته الخاصة تتسع
..
وفي
اليـد الأخرى كانت هناك فاتورة حساب
..!!
-2-
أقصوصة
محمد الشربيني
تعـودت
الفـلة أن تصحو متأخـرة ، بعد أن تغـرقها الشمس باشعتها الدافئـة ، مع ابتسامة
متسعة لجارتها زهــرة عبـاد الشمس ..
تتبادل مع الـورد البلـدي وزهــور النرجس ، والتمـرحنة تحية الصبــاح ..
يسود السكون لتبدأ رحـلة الجميع العسلية مع النحـل ، والفراشات الجميلة ..
وعلي ضوء أشعة القمر الفضية يسري الدفء بين احضان الزهـور والوان الفراشات ..
استيقظت الفـلة هـذا الصباح مع أصــوات كأنها رعد ، ونفـير سيارة يبـدد السكون
، وأقــدام تبتعـد ..
لم تستطع الفلــة ايقـاف دموعـها وقـد بحثت طــويلا عـن زهــرة عباد الشمس
وفراشتها .
تعليق حول أقصوصة "
الغفوة"
نزار ب. الزين
أخي الأستاذ
الشربيني
أسلوب رائع
في ترميز التعايش بين الزهور و الفراشات و صانعات العسل ، تعبيرا عن البشر
المتحابين المتعاونين المسالمين ، بينما يتربص بهم أعداء الحرية و السلام
لينقضوا عليهم من حين لآخر تدميرا و تخريبا و تفريقا بين الأحبة .
دمت و دام
إبداعك
نزار