|

قصة قصيرة
يزيد الديراوي
تَسْتَرِيحُ
عَلَى شَاطِئِ الحُلمِ، تَعْتِقُ آخرَ
ضوءِ انتظارٍ مملٍّ و تهمسُ للبحرِ اهدأْ.
يتركُ ندبةَ ملحٍ بلون الرمالِ عَلَى شَفَتَيْهَا. تلملمُ ذاكرةَ الريحِ، تبحثُ
عن شاطئٍ للكلامِ المريحِ، و تبحثُ عن برجها في رذاذِ المياهِ المملحِ: قد
يَصعدُ الحظُّ بُرجًا مِنِ الماءِ، يُومئُ: أنّ الجِهَاتَ نَوافذُ فاقفزْ؛ ترَ
الأَرضَ واثقةً كالبياضِ- البياضُ فَتاةٌ تَدُسُّ لعَاشِقِهَا بسمةً، و البياض
براءتنا في الطفولةِ - و البحرُ يلعقُ أقدامَها و ينامُ عَلَى صَدْرِها؛ كي
يُثيرَ الطفولةَ فيها وَ فينا. حَنينا إِلَى الأرضِ؛ تصعدُ منّا القصائدُ
منثورةً كغباء المدينةِ. أصعدُ حيثُ الرياح تسلِّم راياتِها للجبال، و أجلسُ
بالقربِ من نجمةٍ؛ لأُعيدَ التأملَ كيف أُعدُّ المساءَ بلا قهوةٍ تكنِسُ البردَ
بيني و بين فتاةٍ ترنِّمُ أنشودةً للمدينةِ و البحرِ لا فرقَ، ننسى المدينةَ؛
كي نعشقَ البحرَ. نغرقُ في زرقة البحر؛ كي ينزفَ الشعرُ منّا كلوحةِ زيتٍ
يطرِّزها الهاتفُ الخلويُّ، و لا فرق بيني و بين الفتاةِ سوى جسدٍ يتمايلُ حُرا
و حَرّا.
أنا الآن أمْضَغُ حرَّ المدينةِ وحدي، و وحدي أُرَدِّدُ بعضَ الغناء القديمِ.
و أَقرأُ في كتبِ الأمسِ عَنْ عَاشِقٍ كان يرسلُ زاجلةً كي تجيءَ الحبيبةُ عبر
البريدِ. البريدُ تأخرَ و الحبُّ مرتبكٌ ها هنا. قد يُعَدُّ انتظاري غباءً، و
لكنَّني لا أجيدُ التمهّلَ في الحبِّ أبحثُ عن سببٍ آخرٍ للتأخُّرْ:
هي الآن متعبةٌ خلفَ هذا الضبابِ تهزّ بكرسيِّها الوقتَ، تكسرُ صمت
الغيابِ تقطِِّعُ
كالعاشقاتِ رسالةَ حبٍّ؛ لأنَّ الضبابَ يذكِّرها باتساعِ المسافةِ
بيني و بين الهبوبِ
على جسدٍ لا ينامْ.
و هذا المساءُ وحيدٌ بلا قمرٍ وارفٍ يطرقُ البابَ أو يتحرّشُ بالوردِ حول
النوافذِ. هذا المساءُ غريبٌ بلا ضَحِكٍ يستفزُّ العريَّ المسمى حرامًا، يحدِّقُ:
من مرّ بالقربِ مُتَّهمٌ بالتباسِ المَشَاهِدِ: أَجْسادُنا تتشَابهُ، كالظلِّ،
في البعدِ. هذا المساءُ الغبيُّ الغبيُّ كعادتهِ يتحسسُ صوتَ الجدار:
عليّكَ الخروجُ عن النصِّ بحثا عن امرأةٍ تستفزُّ مشاعرَك الفوضويةَ؛
كي تسكبَ
الليلَ بين يديكَ فواكهَ من تعبٍ.
و أُحَاولُ أنْ أتركَ الحلمَ يسحبُني عاليًا باتجاه السقوطِ على غيمةٍ تستعدُّ
لتصبحَ نهرًا يسيرُ خفيفًا إلى واقعٍ في الخفاء، الخفاءُ يحثُّ الفتاةَ لتسكبَ
خمرَ أنوثتها بارتعاشِ مراهقةٍ تكسرُ الخوفَ. و الخوفُ أبنيةٌ كالمدينةِ تكرهُ
رائحةَ البحرِ. و البحرُ يسحبُني خارجَ الحلمِ حيثُ الغياب حضور يرفرفُ فوق
جدائلِها مِنْ بعيدْ.
و انكسرتُ كحبّةِ جوزٍ و سالَ البياضُ المُحَلَّى فتاةً تحضِّرُ للغدِ حلما
تهرَّبَ من جسدٍ واقعٍ مُهْمَلٍ. يا لهُ من سوادٍ جميلٍ، يمشِّطُ شعرَ أنوثتها،
و يضيءُ البيوتَ، تماما كما يفعلُ الراحلونَ، يلوّحُ لي. |