في
بستاننا شجرة زيتون ضاربة جذورها في أعماق الأرض. كان جدي يقولُ إنَّ عمرَهَا
مئات السنين وأنها أطعمته من ثمرها وزيتها كما أطعمَتْ أجدادَهُ, وأسبغتْ عليهم
من فضلها. كان جدي يترددُ عليها كثيراً, يسرُّه جمالها, ويتفيأ ظلالها. عاش
حياته يدافع عنها ويدعو الناس إلى ما في ثمرها وزيتها من فائدة لا ترجى في
غيرها من الأشجار. وقبل أن يموت جدي أوصى بها أولاده, حفرَ على جذعها العريق
كلمات لا تزال ظاهرة حتى هذه الساعة على تقادم السنين.
(بسم الله الرحمن الرحيم. أوصيكم يا أولادي بتقوى الله والحفاظ على شجرة
الزيتون لتكون لكم ولأولادكم من بعدكم خير مورد وزاد. حافظوا عليها يحفظكم
الله. أما إذا لم يعد في ذريتي من يصون هذه الشجرة المباركة فإنني أوصي بريعها
وقفاً لمسجد البلد.)
وجاء أبي من بعده ليستلم الأمانة. كان – رحمه الله – مثل جدي شديد الحرص على
شجرة الزيتون, وكان كلما جلسنا إليه يحدثنا عنها وعن خيراتها وفوائدها التي لا
تحصى. إلا أنَّ أبي كان لا يجد غضاضة في أن نأكل من غير ثمرها, وأن نقتني
زيوتاً مستوردة إن دعت الحاجة إلى ذلك, وكنت أنا من دون أخوتي جميعا الذي وجدت
في أفكار أبي هوى في نفسي. أما اخوتي فكان بعضهم شديد التعصب لها حريصاً ألا
تشرب أبداننا من غير زيتها, وكان بعض آخر يرى أن قطع الشجرة من دابرها وبناء
مصنع في المكان الذي تشغله هي وأخواتها من أشجار الزيتون خير لنا, ومن واجبنا
أن نريحها من مهمة لم تعد قادرة على مواصلتها.
وفي ساعة من ساعات الفلك الدائرة مات أبي. مات الرجل الذي كان قادراً قولا
وعملاً على حماية شجرة الزيتون من دون أن يحرم نفسه ويحرمنا من التمتع بأطايب
غيرها من الثمار في حدود كان يدركها بأصالته واعتزازه بهذه الشجرة المباركة.
وكيف لي أن أنسى وصيته التي حفرها في ذاكرتي.
(احرصوا يا أولادي على هذه الشجرة العظيمة واجعلوها أبداً الزاد الأول, ولا
يفوتنكم – وهنا نقر أبي بسبابته على صدغه – أن فكركم لن يستقيم إنْ لم تشرب
أبدانكم خير زيوت الدنيا. انتقوا بحذر واحذروا أن تنسوا شجرة الزيتون.)
مات أبي ليخلف وراءه أبناء متصارعين, اشتد بينهم الجدل وانفرجت مسافة الخلف.
بعضهم يريد أن يضرب حول الشجرة سياجاً من أسلاك شائكة خوفاً من أن يصيبها
مكروه, والآخرون أعدوا فؤوسهم المجلوة ليشبعوا جذعها ضرباً حتى تهوي إلى الأرض.
أما أنا فقد وقفت بينهم أذكرهم بوصية أبيهم وأثنيهم عن إيذاء هذه الشجرة
المعطاء, بيد أن كلماتي لم تصل قرارة أنفسهم, ولما وجدتهم مع الأيام قد ازدادوا
عتواً عزمت بحزم على حماية الشجرة وصرخت في وجوههم:
"لن تنالوا من شجرتنا المباركة التي ما غرست إلا لتبقى."
كنت مدركا, على ما أوتيت من جرأة وحماسة وأنا أصدهم عن عزمهم, أنني دونهم قوة
وأنهم قادرون على إيذائي.
قال لي أكبرنا سناً:
"إن كنت حريصا حقاً على ما جاء في وصية جدك فعليك أن تكون عضداً لنا وتساعدنا
على تسوير هذه الشجرة العريقة اجلالا لها ومنعا لإيذائها."
فرد آخر تملؤه الخفة:
"عذرا يا أخي الكبير.. لن تسور الشجرة ولن نأكل بعد اليوم من ثمرها وزيتها, لأن
العقل يقول إن الشجرة يجب أن تبتر والمصنع يجب أن يشاد في مكانها, فلقد شبعنا
من ثمرها. ثم إن زيتها لم يعد يلائم معدة هذا الزمن, وإنني أرى أن الزيوت
المستوردة أكثر جودة وصفاء."
وقال آخر:
أرى أن تنشئوا مصنعكم في مكان آخر وتبقوا شجرة الزيتون فربما تضطركم الأيام أن
تعودوا إلى ثمرها وزيتها."
وقال آخر:
"فكروا بالبديل قبل أن تقطعوها."
"السوق فيه ما هب ودب من أصناف الزيوت."
"الزيوت المستوردة هي الأفضل دائما."
"بل العودة إلى وصية جدكم هي الحل الأمثل."
وتنقضي الأيامُ والخلافُ ما يزالُ على أشده. أما أنا فلمْ أجدْ لنفسي مكانة عند
اخوتي جميعا. فهاهم قد انقسموا إلى فريقين متخاصمين وأصبحت وحدي خصماً
للفريقين.
وذات ليلة تعالى صراخهم ودوت في فضاء البستان طلقات نارية, فهرعت قلقاً إلى
البستان لأرى العراك ناشباً بين اخوتي وقد ملأت شتائمهم أرجاء البلدة. أسرعت
إلى الشجرة التي انهالت الفؤوس على جذعها ودنوت من شرخ بليغ أصابها. لمسته بيدي
فأدركت بحزن شديد أن أسرتي تقود نفسها إلى الهلاك. قلت في سري إن هذه الشجرة
يجب أن تبقى, وعزمت على ألا أبرحها, وأصبحت أحرسها ليل نهار.
وذات صبح داعبتْ النسائم الرقيقة وجهي فيما كان راسي مستنداً إلى جذع شجرة
الزيتون. كانت الأطيار تغرد, والماء في جداوله القريبة يجري عذبا سلسالا. التفت
إلى الشرخ في جذع الشجرة فإذا بي أرى برعما أخضر قد تفتق من صلب الشجرة. امتلأت
نفسي فرحاً وقرَّت عيني لرؤية هذا البرعم وهو يتمائل اثر مداعبة النسمات الهينة
لعوده الأخضر.
ومن يومها أصبحتُ مطمئناً على شجرة الزيتون, وعندما وقفت أنظر إلى صرحها الشامخ
أدركت كم هي عظيمة ومعطاء هذه الشجرة المباركة.
---------------------
القصة من مجموعة "منمنمات على جدران دمشق القديمة"