
قصة قصيرة
ندى الدانا
استلقى تحت السنديانة ، هزت
رأسها،تطلعت إليه بحنان،رأى في عينيها وجه أمه، تألقت أشعاره على أوراقها،
ارتسمت أحلامه على جذعها، امتدت السنديانة، شرشت ، صارت مظلة خضراء تظل بيته،
وكل البيوت والأشجار في ضيعته، تحولت الملاجة إلى فتاة ساحرة، سرقت من الشمس
ابتسامتها، ومن القمر نوره، سنديانته قبعة شاسعة، تحمي الملاجة من الشمس
المحرقة، ولسعات الحشرات المؤذية، من مطارق الأيام،وعواصف الزمان.
هذه الليلة يسهر وحيدا كعادته تحت السنديانة، كبرت السنديانة، اقتربت من
الجبال، والوديان الممتدة أمامه، ارتفعت أغصانها حتى السماء، عادت إلى الأرض
محملة بقصائد مثمرة، وأحلام مزهرة.
قبل قليل كانت باحة الدار تشهد احتفالا بتكريمه،الازدحام شديد، فقد اجتمع الناس
ليحتفلوا بالشاعر الكبير، تضاءلت سنديانته حتى كادت تختفي لتفسح المجال
للمدعوين ليعبروا عن مشاعرهم، ويرددوا أشعاره، اختبأت في مكان خفي، شهدت الحفل
وقد ارتسمت ابتسامة فرح كبيرة على أوراقها، انفض الحفل، لم يبق في باحة الدار
سواه يسامر سنديانته.
اقتربت منه زوجته أم وعد: - ألن تنام ؟! يبدو عليك الإرهاق
- _دعيني قليلا مع السنديانة
مضت أم وعد لتنام، أفسحت له المجال كي يغازل سنديانته، فهي تحب السنديانة أيضا
لأنه يحبها، وتعرف أنها ملهمته، وأمه ، وأخته، وحبيبته، ورفيقة دربه، وأن جذ
عها شهد تاريخه،وأوراقها رافقت تطورات حياته.
أكمل سهرته وحيدا تحت السنديانة، يصغي إلى حكاياتها الأزلية، تطلع إليها، هزت
رأسها تشاركه أفكاره، تضاءلت، صارت سنديانة صغيرة، صار طفلا صغيرا مثلها يقرأ
ويترنم بأشعاره قربها، قطعت أمه سلسلة أفكاره(محمد أين أنت؟ تعال واحلب البقرة)
اقترب من البقرة، أعطته الكثير من الحليب المغلي، وعلى صفحة طاسة الحليب بزغت
أشعار جديدة.
نادته أمه(محمد تعال ساعدني في قطف البرتقال)
مع كل برتقالة كانت تزهر قصيدة جديدة، وسنديانته تبارك كلماته وحروفه، كم بكى
واحتمى بحضنها حين كانت ظروف الحياة تؤلمه؟! وكم كتمت سره؟! فليس من شيم الرجال
البكاء، لكن العواصف المدمرة تبكي أقوى الرجال
كم رقص مع أغصانها؟! كم كتب أشعاره على أوراقها؟!
ابتعد عنها قليلا، نظر إليها، تحولت أوراقها الخضراء إلى أوراق بيضاء تزدحم
بالأشعار،صارت مجلدا يضم سيرة حياته.
امتد بيته حوله، تكاثرت غرفه، خزائن الكتب التي تضم مقتنياته من الكتب القيمة
فتحت أبوابها، أرسلت محتوياتها إلى السنديانة كي تباركها. في بيته الجميل تتوفر
كل وسائل الراحة،يهجر كل شيء ، يجلس مع كتاب أو قلم أو ورقة تحت السنديانة ، ما
حاجته للبيت؟! السنديانة بيته وفيؤه، بيت وحديقة واسعة في الملاجة، بيت في
طرطوس، بيت في دمشق، ثلاثة بيوت! ماذا تعني له؟! لا شيء ... دائما يترك كل
المدن، يترك كل البيوت، ويأتي إلى سنديانته، إلى بيته الشاسع الذي لا يحد، إلى
عالمه الزاخر الغني.
قرب السنديانة كان يقع بيت طفولته الصغير الذي تهدم واختفى، شيد هذا البيت بدلا
منه، ما حاجته للبيت؟! ولكن من يقتنع بذلك من أسرته؟!
تتناثر بيوت الملاجة بين الأشجار، بيوت قليلة وأشجار كثيرة، تتطاول أشجار
السنديان، لكن سنديانته لها مكانة خاصة، لها ظل أكبر من كل الظلال، في رحلة
حياته الصعبة الحافلة بالمخاطر، كانت السنديانة تحميه دائما، سافر كثيرا، غاب
كثيرا، عاش حياته في مدن مختلفة،وكان يعود إليها دائما يحمل أشواقه،
وخيباته،وأحزانه،وأفراحه.
المرض يفتك بجسمه المتعب،يعرف أن أيامه في هذه الدنيا تتناقص، أخبرته السنديانة
أن السماء تناديه، دائما كان يطمح للسمو والارتقاء، كان يرنو إلى السماء، سيذهب
إليها أخيرا مرغما، لا يريد أن يغادر الدنيا، لا يحب
أن يفارق زوجته، وأولاده،وحفيدته نينار،لا يريد أن يبتعد عن سنديانته. الحياة
جميلة رغم أزماتها ومصاعبها، لا يشعر الإنسان بذلك إلا حين تقترب نهايته .
بدأت خيوط الفجر تشق طريقها في دجى الليل،وهو مستغرق في أفكاره وتداعياته
أحس بالتعب الشديد، المرض أنهك جسده، لكنه لم يستطع الاستحواذ على عقله وخياله
اقتربت منه أم وعد وهي تغالب النعاس:
-أبا وعد! ارحم نفسك ، أنت مريض، ينبغي أن تنام وترتاح
- -ألم تنامي بعد؟!
- _ وهل أستطيع أن أنام وأنت متعب ومريض، ومع ذلك تبقى ساهرا
- _ لا تخافي علي، أنا أودع السنديانة، قريبا سأنام إلى الأبد،
ادفنوني تحت السنديانة
بحزن هزت أم وعد رأسها:
- بعد عمر طويل إن شاء الله
أمسكت يده لتصحبه إلى فراشه ، أما السنديانة فقد هزت رأسها متعاطفة معه، اقتربت
بظلالها منه، احتضنت ظله الذي كبر وتطاول حتى وصل أبواب السماء.