الأدب  ( 1 )

 من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 مختارات قصصية

 

.

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 من المحيط إلى الخليج

http://www.menalmuheetlelkaleej.com/forum/viewforum.php?f=30&sid=82bbc90fdb93809e3a20544bd9c9642e

 سقــــط سهــــواً
قصة قصيرة
عبد السلام المودني
من المحيط إلى الخليج

               كان يرقب مظهره خلف نظارته السميكة أمام مرآته، فبدا رأسه خالٍ إلا من شمطات متفرقة في قذاله. منتفخ الجفنين، عيناه الزرقاوان كانتا سبباً في تعلق الفتيات الغربيات به في مرحلة الدراسة قبل أن يختلط بهن في الصالونات بعد ذلك شاباً. كتب الزمان بخطوطه الغائرة على صفحة وجهه تفاصيل حياة طويلة استمرأ فيها لذاذات الشباب الغرار، و يتجشأ الآن تباريح الشيخوخة الملعونة. وكان أعقف الأنف، أهتم الفم، مندساً في بدلته التي أحالت الأيام الطوال لونها الأزرق رمادياً، و التي تعود به أدراجاً إلى ثلاثين سنة خلت، أيام كان موظفاً بمصلحة الأرشيف بوزارة التخطيط. أيام الشباب و الصحة و الصحبة الحسنة والعشرة الطيبة. دعاباته اللامنقطعة في العمل مع زميله الذي انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل عشرين سنة. جلساته الطويلة في مقهى الناس مع ثلة من الأصدقاء الذين تفسخت أخبارهم بمضي الزمان. لكَم يأكله الحنين إلى الخلّان و العدا الذين طوت الأرض ذكراهم في بطنها وحالت الأيام دونهم. و دفء البيت عند عودته متأخراً. زوجه للاالبتول التي لا يطيب لها العشاء إلا برفقته هي أيضاً صارت خبراً من الماضي وأثراً من ذاكرته التالفة.
واليوم غاب كل شيء، حتى الأبناء الذين أزجى في تربيتهم عمراً، و تحمل في سبيل إراحتهم الكثير، هاجر ثلاثتهم و انقطعوا عن بعث رسائلهم منذ عشر سنين. و لم يعد له إلا هذا البيت أو ما فضل منه. فهو إن عدّ دوحاً قديماً فقد غدا قفراً يتمثل في جدرانه حياته السالفة وحياة من ضم إلى جواره. لقد ولد فيه وحيداً بلا إخوة، و نشأ داخله. مات الأب في إحدى حجراته، و أتى بالبتول تؤنس وحشة أمه قبل أن ترحل. و وضعت له أمينة وسكينة وحمزة، و رحل الجميع وتركوه هاهنا وحيداً كما ولد بلا أحد، وفياً لهم بعدم البحث عن أناس جدد يملأ بهم فراغات حياته، بل خالها منقضية برحيل القدامى وجعل يترقب الموت في أمل الإسراع. هو يخاف أن يسقط البيت العتيق قبل أوان رحيله، و إن كان يرى أن هذا البيت لن يعيش بعده، كما لن يستطيع هو أن يفعل. كان مطمئناً إلى وفائه رغم أنه يردد دوماً بينه و بين نفسه دون انقطاع أن سوء المظنة من حسن الفطنة، و قولة يعتبرها حكمة لا يذكر من أين تسللت إلى ذاكرته تزكي نظرته المتشائمة و مسلكه الانطوائي؟ فتراه يعيدها مع كل تنهيدة حارة:
- لا بأس، فقد غاض الوفاء و فاض الغدر.
وكان ينفق سحابة يومه داخل حجرات بيته، متنقلاً من هذا الكتاب إلى ذكرى تلك الصورة. و من مطبخه الشارد إلى صالونه الأثيل. لم يكن يبرح بيته المشهود إلا لماماً عند رأس كل شهر، كحاله اليوم لصرف معاشه ولشراء ما يلزمه طيلة شهر تحصنه هنالك.
ومع تقدمه في السن لم يعد ينم إلا غراراً إذ يقضي ليلته بين الحمام والسرير. و من عاداته التي ما كان ليتنازل عنها أبدأ، قهوته الصباحية السوداء مشفوعة بسيجارة يظل ينفث منها بنهم، و يتمثل فيها حياة كل الناس في مختلف أطوار أعمارهم، فهي إن تبدأ شهية فاترة ما تنفك تتوازن وسطا لتصير أكثر إحراقاً متى شارفت نهايتها.
و يخرج من بيته على مهل عبر سلم مترب مسحت بعض درجاته أو كادت. و يستقبله الحي الذي يعرفه جيداً كبيته رغم ما يلمسه عند مطلع كل شهر من وافدين جدد إليه و راحلين عنه في غير أسف، بيد أن بعض صروحه لا تتغير أبداً. دكان البقالة يميناً و إن تغيرت وجوه أصحابه ظل على حاله. و مسجد " الرحمن" يساراً. و إلى الأمام مقهى " الشعب" التي كانت تعرف قديماً بمقهى " الناس" ثم " الأمة"، "فالشعب". و قد كانت حضناً دافئاً له ولأخدانه. يتذكر يوم أتاه حمزة عدواً يبشره بنيله الشهادة، فرق المشروب على الجالسين وفاض عليهم ليشمل الحي وهوامشه. أما الآن فلم يقر له إلا صدى زغرودة للاالبتول في زفاف البنتين يدغدغ صماخيه.
وكان حيه مشج متناقضات جمع فيما يعلم مالا يجمع. هنا حيث تتناسل الأضداد أشكالاً هجينة، حيث الفجر المفروض و الطهارة المقشبة ملتقيان على عتبة الغصب والطوع، حيث التشاجر عادة و إرثاً و ثقافة. هنا المتاجرون في الحشيش أو"المتعلمين" معروفون بتخدير العقول تجدهم مرجرجي الأعين يرون في كل غريب مخبر محتمل. و هنا أيضاً المتاجرون في الدين أو "المريدين" معروفون بتخدير العقول، مكحالين مستاكين تراهم بعماماتهم البيضاء و بجلابيبهم القصيرة و لحيهم الصهباء الطويلة، يظنون في كل غريب شحنة كفر عليهم محاربتها. و إن تزاحم معهم في المساجد فهو مندس. و حيث نساء يخرجن شبه عاريات يمشين بميوعة العواهر، يطاردن جيوب الزبائن المحتملين، و تتعقبهن عيون عطشى. و حيث أشباه نساء لا ينظرن إليك إلا من ثقوب خيمهنّ السوداء المتحركة كأشباح في واضحة النهار تذكرك بأفظع كوابيس البشرية "الانغلاق".
انتصبت أمامه صورة ليلة دخوله على البتول البكر. لم يكن قد رآها قبلاً و لا سمع عنها قبل أسبوع مضى. و أتى أمر الوالد بالزواج فكان الإذعان و الإمتثال. و ما كان يملك غيرهما.
ندت عن شفتيه ابتسامة للموقف الطريف، فقد ارتبكا، و جلس كل منهما على كثب السرير مولياً ظهره للآخر حتى الصباح. أخرج سيجارة دسها في فمه المبتسم. أخذ منها نفساً عميقاً. و أنقذت أمه الموقف عند دخولها عليهما، و لطفت الأجواء بينهما حتى أسفر الزواج عن عشرة طيبة، و ذرية صالحة شغلتها الحياة عنه.
- إن لم تستح فاصنع ما شئت.
- أعوذ بالله من غضب الله.
- .......
- الكافر يفعلها جهاراً.
انتبه فجأة إلى تجمهر الناس حوله فإذا به يدرك أن الكلام موجه إليه. كنت تحتاج إلى عشرة طويلة لتتحقق من أنه شخص متقلب المزاج، حاد الطبع وإن بدا في أغلب الأحيان هادئاً ساكناً، لكنه كالبركان عند الغضب، قد لا يتوقف إلا إذا أصاب من حوله بحممه الملتهبة. و عرف في عمله بالحدّة، فما كان ليداجي أو يداهن. و ذلك ما أقعده عن الترقيات سنوات و سنوات.

صعدت الدماء المستعرة إلى ناصيته التي أخذت تغلي و تكاد تنفجر. أزاح نظارته لتتضح معالم عينيه تقدحان شرراً مستطيرا. ثم صاح و بصاقه يصيب الوجوه المحملقة فيه:
- ماذا بكم أيها الملاعين؟ أم تراكم أبصرتم جنياً في واضحة النهار؟
قال أحدهم هازئاً:
- جني كافر يا عم لا يراعي الحرمات.
- الحرمات؟ أية حرمة اعتديت عليها يا هذا؟
و دنا منه يريد أن يُمسك بخناقه لولا أن حال الناس بينهما، فقال صوت من الخلف:
- رمضان مبارك يا مريخ. فنحن نصوم يومنا الثامن.
أمسك ضحكة في غير محلها، و رمى سيجارته وهو يخطر بين الوجوه بطرفه الذاهل، و قد انقلب سخطه العاصف إلى هدوء ساكن. رفع يديه مستسلماً و هو يقول:
-عذراً، فأنا لم أكن أعلم.