|

قصة قصيرة

سمير
الفيل
تتعلق
العناكب في حركاتها السريعة بخيوطها
الترابية ، وتعدو الفئران من حفرة إلى أخرى بحذر محسوب ، أما تلك فإنني أشعر
معها بالبؤس وقلة الحيلة .
إنها الخنفساء . لا مثيل لبطئها ، وسيرها في مناطق مكشوفة دون أي حماية أو غطاء
. لها خشخشة حالما تحتك بأوراق الشجر الصفراء المتساقطة . وللونها الأسود لمعان
غريب ، سرعان ما ينطفئ خلال تسرسب الرمال فوق هيكلها البيضاوي الخفيف .
لا يخشى العساكر الخنافس . يتركون للبيادات مهمة السحق ، كان ذلك في البداية ،
خوفاً من دخول الملاجئ ، فلما ظهر أنها تحرص حرصاً بالغاً على أن تعيش في أماكن
معزولة ، بعيداً عن البشر ، قلت عمليات الإبادة . ومضت الخنافس في سيرها البطيء
، المطمئن ، الدؤوب .
حنفي وحده الذي كان يناصبها العداء ، خاصة في " الأساس " لأن منظرها يثير تقززه
، فكان يترصد صفوفها ، ويروح يدهسها ، ونحن نسمع الصوت الخشن للانتهاك ، حيث
تتوالى طقطقات خفيفة ، يمكننا أن نحصي بها عدد الضحايا.
وحنفي لا يخفي حنقه من اليوم الأسود الذي أتى به إلى هذا المكان ، فقد رفع في
داخله راية قاتمة سوداء ، وظل يلعن الظروف ، وكلما رأى تلك الكائنات تسير في
اطمئنانها الواثق يشتد غضبه ، ويعبر عن نفاذ صبره بأن يدهسها دهساً بلا هوادة .
اليوم ، وفي راحة الغذاء ، خرج العسكري حاتم ليأتي بالتعيين ، حتى لا يتأخر عن
الصرف ، وضع قدميه في أقرب حذاء ميري ، واندفع إلى الطابور ، حيث أعطى تمام
السرية ، وشعر بشيء يلعب في إصبعه .
لم يعر الأمر اهتماماً ، ركز كل تفكيره في أن يحصل على الجراية كاملة ، وقطع
لحم يمكن أن يقسمها بالطريقة الشائعة ، التي تعتمد على ميزان حساس باليد ،
وداخل الأصابع المدربة على إشاعة العدل في " الزفر " واليمك !
كنا قد خلعنا الأفرولات الكاكية ، وجلسنا بملابسنا الداخلية، نستروح شيئاً من
النسيم الذي يهب هبات واهنة ، متقطعة .
وأتى العسكري حاتم حاملاً التعيين ، فقمنا نساعده ، وقبل أن نهب من مكاننا ،
وجدناه يضع الأروانات جانباً ، ويخلع البيادة ، ويقلبها ، فتخرج خنفساء لعينة ،
تمضي في طريقها ، وعليها أن تكمل ما بدأته .
كان يمكن أن ينتهي الأمر بهذه البساطة ، ولكن الله له حكمة في إعطاء بعض الرجال
عقول العصافير . ففي لمح البصر أسرع حنفي إلى الملجأ ، ليحضر فردة بيادته ،
ويسحق بها الكائن الذي لا يطيق رؤيته .
كان منظراً مقززاً لكل من رآه ، خاصة وأن العسكري حنفي في هجمته الشرسة على
الكائنات الشبيهة ممن صادفها حظ عاثر بالمرور في المنطقة ، قد اصطدمت قدمه
بأروانة اليمك ، فأطاح بها ، وانسكب التعيين الشهي ، واختلط الإدام بالرمل .
وكأن في صدورنا بركان ، كان عليه أن ينفجر في التو ، فقد هجمنا على ذلك العسكري
المعتوه ، ورحنا نركله بأقدامنا ، ونصفعه بأيدينا ، وهو يصيح بنا أن نتركه .
كان يبدو متكوماً بشكله المذري ، يخفي وجهه بيديه ، وكل منا يكاد يبكي على
الطعام الضائع ، فليس معنا نقود لنشتري من " الكانتين " ما نأكله .
تصاعد البخار ، وصعد الدم إلى يافوخ الجميع ، وهم ينعتون العسكري حنفي بأبشع
الصفات ، وتراءى لنا في تلك اللحظة أشبه بالخنفساء التي تتعرض لمكائد الدهس ،
ورغم أن العسكري حاتماً ، أسرع بإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، فحمل الجراية ، وما
تبقى في قعر أروانة اليمك من بقايا الطبخة السوداء ، فقد كنت أشعر بنفس صوت
الطقطقة التي كانت تصدر من حشرة الخنفساء .
حين انفثأ الغضب ، كانت عودتنا بظهور محنية إلى الملجأ ، وكان رزق الذي فرد
مشمعه وأحاطه بقطع الحجارة يجلس متحسراً ، واضعاً رأسه بين كفيه .
رأى حنفي يعود هو الآخر مخذولاً ، وحامد يعصر ذهنه في كيفية توزيع الطعام بلا
يمك .
هبط خاطر مفاجئ على رأس رزق ، الذي صعد إلى سريره ، وأخذ هيئة الخطيب :
يا معشر السرية . إنها أيام قحط ، فمن لم يجد يمك ، فعليه بالجراية ، يفرجها
المولى من عنده .
ضج المكان بالضحك ، ورضى العساكر بالغموس القليل ، وابتهجت نفوسهم لأن قطع
الباذنجان القليلة المتبقية كانت أشهى من أي طعام . أكلوا ، وقبلوا أيديهم
ظهراً لبطن ، وقالوا جميعاً قبل رفع المشمع عن الأرض : سفرة دائمة !
.................................................. ......................
هامش :ـ
البيادة : حذاء جلدي طويل ، ثقيل الوزن جدا ، برقبة طويلة خاص بالجيش .
الملاجيء : ثكنة عسكرية تحت الأرض .
التعيين : الطعام .
الجراية : الخبز .
اليمك : الخضار المطهي .
الأفرول : زي الجيش ، ويكون عادة باللون الزيتي ( الكاكي ) .
الطبخة السوداء : اسم حركي يطلقه العساكر على الباذنجان الرومي ، للونه الأسود
، وكناية على أيامهم الشبيهة بالطبخة !
.................................................. .........................
* من مجموعة " شمال يمين " ، القسم الثاني : " حكايات الأخصائي " ، والنص غير
منشور . بمخطوط هذه المجموعة حصل الكاتب على منحة تفرغ من الدولة لإنجاز رواية
تدور في مجال " أدب الحرب " .لعامي 2001 ، 2002 . |