
قصة
قصيرة
د.عبدالرحمن أقرع
خرج مع صديقه إلى
شاطئ البحر في يوم مشمس هروبا من رتابة الحياة أحادية اللون بحثا عن متعة
الألوان الأخرى للحياة..كان الشارع المعبد الطويل
زاخرا بالمركبات الفارهة التي ينعطف بعضها ليفضي إلى مبنى قائم على
يمين الشارع حيث تباع الخمور ، ويقف على المدخل شاب رث الهيئة يبيع
الفول السوداني في لفافات من الورق يعرضها على ركاب السيارات الفارهة
الذين خرجوا لتوهم من المتجر الفخم متزودين بالخمور استعدادا لأمسيات
صاخبة.. أشفق صديقه على العامل الشاب فابتاع منه لفافتين من الفول
السوداني ونقده ثمنهما مبتسما فيما أخذ هو يرسل النظر إلى الجهة
المقابلة من الشارع حيث انتصب مسجد ذو مئذنة قصيرة بدأ المصلون يخرجون
من بابه بعد انقضاء الصلاة تبدو النشوة على وجوه البعض منهم وكأنهم
نهلوا من خمور الأرواح أثناء سجودهم للرب.
كان الشاطئ هادئا يكاد يخلو إلا من عدد قليل من المتنزهين وقف اثنان
منهم على صخرة يمسكان بصنارتين ألقماهما بالطعم وينتظران أن يعلق بهما
السمك ، فجلس مع صديقه على الصخرة المجاورة بصمت يراقبان الصيادين
الهاويين كيف يهللان إذا اهتز خيط أحدهما برقة ليسحبه من الماء مخرجا
سمكة علقت بالنصل المعقوف فاضطربت لهنيهة بين يدي الصياد في صحوة أخيرة
للموت يتلوها سكون مطبق لتلقى في كيس شفاف إلى جانب سمكات أخرى تم
اصطيادها من قبل.
أرسل نظرة في المدى الأزرق اللامنتهي فيما أخذ صديقه بقضم حبات الفول
السوداني بصمت وذهن شارد..كان المدى المتداخل بين زرقة السماء وزرقة
البحر ينشق من حين لحين عن طائر من طيور النورس يحلق على علو ذراع من
وجه البحر قبل أن ينقض بخفة وسرعة مذهلتين إلى عمق الماء ويخرج ثانية
في أقل من الثانية حاملا سمكة بطرف منقاره تضطرب كتلك التي علقت في يد
الإنسان قبل هنيهات ثم تسكن إلى الأبد بين فكي منقاره فيبتلعها بنهم.
-قم بنا..قال صديقه وقد عادت به الذاكرة إلى تأملات جبران على البحر..،
ثم تابع قائلا:- (خرجنا هروبا من رمادية الحياة ، فلم نجد سوى لون الموت
في منظر الأسماك المضطربة ظمأ للحياة قبل أن تسلم الروح )
-ولكنه موت يهب الحياة للآخرين) رد مبتسما .
-(الموت هو الموت يا صاح) أجاب صديقه. ثم واصلا السير بصمت على الشاطئ
الطويل فيما الأمواج تنساب رقراقة لتغسل رمال الشاطئ تحت أقدامهما.
-(أنظر هناك) قال لصديقه الذي التفت حيث أشار بإصبعه نحو جانب من
الشاطئ ..(ألا توافقني أن هنالك من يهب الحياة دون مقابل ؟)
ابتسم صديقه وقد رأى عجوزا ذا لحية بيضاء وثياب بسيطة يحمل رزمة كبيرة
من الأرغفة يلقيها في البحر تباعا ويقف بعد ذاك يراقب السمك بنشوة وهي
تتجمع حول كل رغيف . اقتربا معا ليمتعا الأعين بالمشهد المبهج ، فما أن
رآهما العجوز حتى برقت عيناه بشرا ورطن بلغة لم يفهماها بيد أن هالة
السرور التي أحاطت بوجهه وبريق ثغره الباسم وتراقص لحيته البيضاء
الطويلة أوحت لهما بفيض السعادة الغامر في داخله وهو يهب الحياة للحياة
مجانا دون ثمن