الأدب  ( 1 )

 صفحات خاصة

كُتاب : قصة - شعر - مقال - نقد

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 عودي إلي يا حنين

        رواية في ثلاثة أجزاء

أسماء غريب

 

-1-

 الضيف الجديد

     كنت أنظر إلى ذاك الجسد المتناهي في الصغر والرابض بجانب أمي بترقب و فضول زائدين ...لم أستطع  !!! لحظتها أن أعي تلك المشاعر الغريبة من الخوف و القلق التي كانت تحتدم بداخلي ...

ولم أفق من ذهولي إلا على صوت أمي وهي تناديني داعية إياي للاقتراب منها :

- " تعال يا حبيبي ...اقترب ..انظر إلى أخيك ، أليس برائع ، اقترب لا تخف ، اجلس بجانبي ...هيا، هيا سأضعه بين يديك ..يشبهك كثيرا يا حبيبي هه هه ؟."

أمسكته بين يدي برقة متناهية وبدأت أحدق في وجهه الناعم، في عينيه المغمضتين و في يديه، أجل يديه...كانت أصابع يديه الصغيرتين و المطبقة بعضها على بعض أكثر شيء فيه أثار دهشتي:

  ...انظري إلى يديه ، انظري ، يا الله، كيف تطبق أنامله الدقيقة على إصبعي ؟ "  !!!- " ياه يا ماما

استمتعت بالأمر...وبدأت أفتح في كل مرة يديه المطبقتين وأضع خنصري بداخلهما...أما هو فكان سرعان ما يعود ليسجن إصبعي الصغير بين يديه الحلوتين ...كنت أضحك للأمر ، أضحك و من أعماق قلبي الصغير و الذي لم يتجاوز آنذاك سنواته الست ...ملأ علي حياتي، أصبحت لا أفكر إلا به ولا أشغل وقتي إلا باللعب معه، أصبح هوايتي المفضلة...كنت كلما أنهيت حصص الدراسة بالمدرسة الابتدائية الواقعة على مقربة من بيتنا إلا و أفر منها راكضا للقاء أخي الحبيب إلى قلبي.

كانت صديقات أمي يتعجبن من الأمر ...سمعت ذات يوم إحداهن تقول لها : " غريب حقا أمر محسن يا جميلة، أيحب أخاه إلى هذه الدرجة ؟ ما أعرفه يا عزيزتي أن الأطفال غالبا ما يكنون الغيرة للمولود الجديد ... لأنه يصبح منافسا لهم في حب الماما و البابا، فيمتلك قلوبهم إحساس غريب بالوحدة و الإهمال و..و.. 

!!!إلا ابنك يا جميلة ؟ 

 نظرت أمي إلى صديقتها غير منتبهة إلى ما قالته لها ...أشرق وجهها الملائكي بابتسامة وضاءة ونادتني فاتحة ذراعيها على مصراعيهما وضمتني إلى صدرها الدافئ الحنون وأردفت مجيبة :

- " محسن هو حبيبي و نور عيني ... وأخوه الصغير كمال هو حياتي و عمري و لا فرق بينهما لدي، أليس كذلك يا دبدوبي الرائع ؟ "

لم أفهم شيئا قط مما قالته صديقة أمي ..ولم يكن بالشيء الهام لدي أن أعي ما تلفظت به فهي في كل الأحوال لم تكن لتثير بداخلي أي نوع من المشاعر، اللهم بعضا من الضحك و السخرية من شكلها، وجهها و تسريحة شعرها التي كانت تشبه تسريحة " الآنسة غبراء " بطلة إحدى أفلام الرسوم المتحركة التي كان يروق لي مشاهدتها قبل ولادة كمال ، أما الآن فوجود كمال بجانبي جعلني أقلع حتى عن  جنون هواية تتبع حلقات

 " الكابتن ماجد " .

أفرجت أمي يديها ..وخرجت على مضض من جنان صدرها و حبها الطاهر...ركضت تجاه كمال المتواجد بالغرفة الأخرى ...كان ينام في سريره الذي كان يشبه في صغره أحد أسرة الأقزام السبعة...انحنيت وجلست

قبالته معتمدا على ركبتي..كنت أراقب لحظتها نوم الهادئ وصدره الدقيق الذي كان يتحرك نزولا و صعودا و بحركات متناهية في الانضباط و الانتظام، قبلته في صمت خشية أن أزعج نومه الهادئ و فجأة رأيته 

 لم تكن تلك هي المرة الأولى التي أراه فيها وهو!!!يبتسم ...نعم إنه يبتسم وهو نائم ...ياااه كم هو رائع 

 يبتسم أو يضحك خلال نومه ...ترى هل كان يشعر بوجودي إلى جانبه؟ ...أم تراه كان يبتسم لي ...؟ .

ركضت من جديد تجاه أمي وأخذت بيدها :

 - " تعالي يا ماما...أرجوك تعالي ...كمال يبتسم وهو نائم ...إنه شيء جميل جدا!!! "

- " حبيبي محسن ، مهلا ، مهلا، لاتجر أذيال ثوبي هكذا، اهدأ، كل الأطفال يبتسمون و هم نائمون ...أنت أيضا حينما كنت في سنه كنت تقوم بالشيء ذاته.

- " صحيح يا ماما ؟ أنا أيضا كنت أبتسم وأنا نائم؟؟؟ ولمن كنت أبتسم يا أمي ...؟ "

- " للملائكة يا حبيبي "

- " الملائكة ؟؟؟ ومن هم هؤلاء الملائكة ؟ ومن أين يأتون ؟ أنا لم أر في غرفة أخي أي أحد منهم، فحينما !!! كان يبتسم لم أكن إلا هو و أنا بالغرفة 

- " الملائكة يا نور عين الماما مخلوقات شفافة، لا ترى...يراها فقط الأطفال في سن أخيك كمال ...هكذا حكت لي أنا أيضا حينما كنت صغيرة جدتك ...يأتون للعب مع الأطفال الصغار ولحمايتهم من كل الشرور.."

- " إذن ، كمال كان يبتسم لهاته المخلوقات التي لاترى ، كان يلعب معهم، أنا أيضا أريد أن ألعب معهم ...متى يكبر أخي يا أمي حتى يلعب معي ...  ؟ "

- " لكل شيء أوانه، هيا الآن اذهب واحضر كراسة التمارين ، لقد حان وقت الدراسة .. وحينما سيكبر  كمال  سيكون هو من سيبحث عنك لتلعب معه.. وربما لن تجد الوقت الكافي للقيام بذلك، ستكون مشغولا بدراستك عزيزي و ستصبح رجلا كبييييييرا، كبييييرااا كالبحر... لا كالسماااااء أليس كذلك ؟"

  واستلقت على سريرها جاذبة إياي نحوها و هي تقول : كبيييرا، كبيييرا  وانطلقنا ضاحكين :هااااهاها ، هااااهاها ، ياااه كم كنت أعشق أمي و عذوبتها، نهضت من جديد و انطلقت ضاحكا من كل أعماقي لأحمل كراريس الدرس.

        لم يعد لي ثمة شيء في الوجود سوى انتظار اللحظة التي سيصبح فيها كمال طفلا كبيرا ليشاركني لعبي وهواياتي ، أصبحت أحلم باليوم الذي سأصطحبه فيه إلى الملعب لقضاء سويعات ممتعة من كرة القدم أو إلى نادي الحي حيث كنت أذهب هناك للاستمتاع برياضة الكاراتيه.

تفتح أخي كحقول من زهور عباد الشمس ...أصبح رائعا و مضيئا ..كان كل من يراه يمجد جماله... وبدأ القلق يدب شيئا فشيئا إلى قلبي ...لا أحد أصبح يتحدث عني...و لا عن طفولتي و لا عن شقاوتي ..أصبح هو مركز انتباه الكل ...جميل ... جميل كأميرة الثلج البيضاء ..كانت بشرتة شديدة النعومة والإشراق ..كانت أمي تقول لي أنه يشبهني و لكن ذلك لم يكن صحيحا لقد كان يشبهها...كان يشبهها، هو أيضا كان يرسل نفس النور والوهج الذي ترسله أمي من وجهها الوضاء.

حينما كنا نخرج نحن الثلاثة للذهاب إلى زيارة جدتي كانت صديقات أمي لا ينتبهن إلا له و لا يتحدثن إلا عنه والأدهى من ذلك أن أمي استمرت في اصطحابه معها حتى إلى حمام النساء البلدي، أما أنا فبدأت ترسلني لأستحم مع أبي ...كانت تقول لي أني أصبحت كبيرا و أنه من العيب أن أستمر في الذهاب معها إلى حمام النساء للإطلاع على عوراتهن و هن عاريات ...ثرت عليها و قلت محتجا:

- " كبييير، كبيير، دائما تقولين لي أني أصبحت كبيييرا ، كمال أيضا كبيير لم هو نعم و أنا لا ؟؟؟ "

بدأت في البكاء ...ضمت إلى صدرها وجهي المحتقن و جسدي المتشنج من شدة الغضب وقالت:

- " لا يا حبيبي، كمال ما زال طفلا صغيرا أما أنت فطفل كبير، كل ما في الأمر أن النساء في الحمام لا يشتبهن في كونه طفلا ، كلهن يعتقدن أن كمال طفلة صغيرة ..هذا كل ما في الأمر، ألا ترى يا حبيبي أنه جميل و رائع وكأنه دمية صغيرة ...أعدك يا عمري أنه حينما سيكبر و يصبح عمره ست سنوات فإنك ستبدأ في اصطحابه بنفسك إلى حمام الرجال رفقة أبيك ، اتفقنا ؟".

  قبلت أمي جبيني بحنان زائد، استرخت له كل عضلات جسدي الصغير، وانفرجت شفتاي عن ابتسامة هادئة، مقتنعا بما قالته لي ، و قفزت لأتعلق بعنقها و أطبع قبلة قوية على خدها، ونسيت كل غضبي قائلا لها:

- " أحبك يا ماما ، أحبببببببك كثيييييرا ".

-2-

 خنتني يا كمال

        وأخيرا أتم أخي سنواته التسع يوم أمس ، أما أنا فكنت قد تجاوزت الخمسة عشر  بأشهر قليلة...كان اليوم صحوا و ربيعيا لذا فكرت في الخروج معه و الذهاب إلى ملعب الحي للتمتع بإحدى مباريات كرة القدم التي كان ينظمها حيٌنا كل يوم أحد ...لم يفسد علي فرحة اللعب إلا شكوى أخي من الملل، أجل ملٌ كمال من التفرج علي و أنا ألعب رفقة أصدقاء الحي ..كان كل همه أن يعود إلى البيت و تركته يفعل ذلك فالمنزل لم يكن يبعد عن الملعب إلا بمسافة بسيطة . انتهت المباراة و عدت إلى البيت ، كانت أمي ساعتها غائبة عن البيت لقضاء أغراضها الصباحية أما أبي فكان في المدرسة ، فقد كان مديرا لمدرسة الحي الابتدائية ، فتشت عن أخي في غرفته ...ولكن عبثا وكم كانت دهشتي عظيمة حينما و جدته داخل المطبخ متسلقا فوق أحد الكراسي و منهمكا في غسل الأواني :

!!!- " ما ذا تفعل يا كمال؟ أجننت ؟ تغسل أواني المطبخ؟ و منذ متى ؟   

التفت إلي ضاحكا و قال بلسانه الأقرط :

- " ولم أنت مندهس ( مندهش) هكذا ؟ الماما تسمح لي بذلك، يعزبني (يعجبني)  أن أساعدها في أسغال البيت (أشغال) ألم تنتبه و أنت داخل إلى نظافة البلاط و إلى لائحة ( رائحة )  معطل ( معطر)  البيت و الشابون ( الصابون ) ؟

 - " أتترك مباراة كرة القدم و تعود مسرعا إلى البيت من أجل غسل الأواني و تنظيف البيت ؟ ألا تعرف أن هذا شغل الفتيات فقط ؟ الرجال لا يجب عليهم أن ينظفوا البيوت و لا أن يغسلوا الأواني و لا أن يطيلوا المكوث بالبيت ....غريب أمرك يا كمال ؟؟؟ على العموم افعل ما يحلو لك ...خيبت أملي فيك يا كمال ، كنت أحسبك أخا لي و إذا بك تخونني و تفسد كل آمالي فيك ...كنت أتمنى لو شاركتني هواياتي وآمالي ..و إذا بك تتركني وحيدا ، لا تروقك رياضة الكاراتيه و لا حتى كرة القدم ...لا تحب الخروج ... و لاحتى التعرف على أصدقائي ... و لا أي شيء، تركتني و حيدا ... وحيدا ... خنت أخوتنا يا كمال .

- " آه ، يا محشن ( محسن )  بدأت موال النواح من زديد ( جديد ) لاأعلف( أعرف) لم تحب النكد ...لم تزعل  ( تجعل ) من كل حبة قبة ؟ لا تعزبني كلة القدم ( لا تعجبني كرة ) هل بالغشب ( بالغصب) ؟

انسحبت، صعدت إلى غرفتي و تركته يتكلم لوحده.

عاد والدي أخيرا إلى البيت. كان أبي شخصا رائعا، هادئا و محبا لأمي حتى العبادة، سمعتها في الطرف الآخر من البيت تنادينا داعية إيانا للاجتماع حول مائدة الغذاء . نزلت من غرفتي على مضض ، كنت غاضبا و حزينا بسبب الوحدة التي بدأت تقضم قلبي شيئا فشيئا.

لاحظ أبي حزني و صمتي فقال متسائلا:

- " ما الحكاية يا محسن، هل حصل معك شيء في المدرسة؟ هيا يا حبيبي ما بك تكلم ؟

وبكل بساطة و سذاجة أجاب كمال بدلا عني وقال :

- " لاسيء ( لا شيء ) يا أبي لقد تناقسنا ( تناقشنا ) أنا وإياه قبل عودتكما إلى البيت، تشوٌل ( تصور) محشن ( محسن )  غضبان مني لأنه وزدتني( وجدني)  أغسل الأواني لأساعد الماما في أسغال ( أشغال ) البيت بدلا من البقاء للعب معه في الخالز ( الخارج ) ، يقول أن كل ما أقوم به هو من تشلفات( تصرفات) البنات ، هل هذا شحيح ( صحيح)  يا بابا ؟ هل شحيح( صحيح)  أن اللزال ( الرجال )  لايتعين عليهم غسل الأواني أو تنظيف البيت ...؟؟؟

بهت أبي من جواب كمال و التقت عيناه بعيني أمي في حركة آلية لم أفهم معناها، كل ما لاحظته ساعتها هي تلك السحابة الكئيبة و الرمادية اللون التي كدرت صفاء سماء عيني أمي.

أجاب أبي وبكل هدوء مخاطبا إياي : 

- " أهذا ما لقنته إياك يا محسن ؟ من قال لك بأن الرجال لا يمكنهم إطلاقا المساهمة في أشغال البيت ، ألم ترني قط يوما و أنا أساعد الماما في كل شيء حتي في كي الملابس ، ألم أحك لك عن مغامراتي السابقة مع المطبخ و قصصي حينما كنت في بدايات دراستي الجامعية حيث كنت لا أجيد طبخ حتى بيضة بسيطة ؟؟

والتفت تجاه كمال و أردف مكملا :

- " ليس بعيب ما قمت به المهم أن تنتبه لنفسك حتى لا تلحق بها أذى أو أن تكسر شيئا من أواني البيت فما زلت صغيرا على هاته الأشياء، الأفضل أن تقوم بها في حضور الماما في المرة القادمة و ألا تهمل دروسك

 هه ، هه اتفقنا ؟؟

 وضمه إلى صدره و الدمع متلألئ بعينيه . لمعت لجواب أبي عينا كمال و أجابني وهو يكاد يجن من الفرح:

- " ألأيت ( أرأيت ) ؟ أنت دائما تضخم الأمول  ( الأمور ).

نهض أبي من نوم القيلولة و غادر البيت قاصدا عمله، كان كمال قد خرج قبله صحبة صويدقاته اللائي كن يأتين لزيارته و صحبته إلى المدرسة أما أنا فخرجت بعدهم جميعا تاركا أمي غارقة في نومها الملائكي : كان يحلو لها كثيرا النوم بعد وجبة الغذاء.

حل المساء، و كانت تلك هي أول مرة أذهب فيها إلى النوم مبكرا ..كانت عادتي كل يوم مراقبة نهايات الليل عبر شرفة غرفتي منصتا إلى روائع أسمهان، لا أدري أكنت ساعتها وفي تلك السنين الحرجة من حياتي أسيرا لجمالها كأي مراهق أم لعذوبة صوتها أم لهما معا ، كان يروق لي أيضا، التمتع بمنظر انكماش الغسق و هبوط الشمس وراء فضاءات متناهية و كأنها قرص ذائب داخل ماء كوب برتقالي اللون ، فالحي الذي كنت أسكنه لم يكن من الأحياء الساهرة بل كان كثيرا ما يغفو مباشرة بعد الغروب كسرب من دجاجات عائدة

متعبة إلى خمها بعد رحلة مضنية عبر حقول القرية للبحث عن حبات من القمح أو الذرة أو الشعير المتناثر هنا و هناك.

          و أخيرا خلد محسن إلى نومه الحزين تاركا وراءه باقي أفراد الأسرة مستيقظين ونادى الزوج زوجته قائلا:  - " تعالي يا جميلة ، هل نام كمال ؟ و محسن لم خلد إلى النوم مبكرا، هكذا على غير عادته؟ ، تعالي يا عمري أريد أن أحدثك في أمر هام "

  - " بخصوص كمال أليس كذلك؟ "

 وألقت بجسدها المتهالك فوق السرير، اقترب منها زكرياء وألقى بنفسه إلى جانبها قائلا:

-" آه ، كمال كمال، من أجله القلب دام أما أخوه محسن فيرمي بي في آبار بدون قرار من الحزن..ولكن أتدري يا عزيزتي أن مشكلتنا الأساسية اليوم ليست كمال بل محسن ؟ كيف له أن يتقبل الحقيقة المرة بأن أخاه ليس بذكر كامل وأنه فتاة بجسم فتى ...كيف يمكننا أن نفهمه هذا؟ كيف ... كيف ...؟ إني أحسني عاجزا ، وكأن كتب علم النفس ودراستي الجامعية كانت هباء في هباء وخواء في خواء ...لم تعلمني الجامعة كيف يمكنني  !!!و لا حتى كبار نظريات علم النفس كيف أواجه مشكلة ابني كمال أقصد ابنتي     

أن اشرح لمحسن التشوهات الخلقية التي مني بها الجهاز التناسلي و الهرموني لأخيه ؟؟؟ وأني و إياك ننتظر فقط أن يكبر شيئا ما لنجري له عملية تعديل لنوعية جنسه وتحويله إلى أنثى كاملة لها أن تحب ... وتتزوج ... وأن تكون لها أسرة ...كيف، كيف يا جميلة؟

تطلعت إليه زوجته بقلق متناه وقالت:

-" يا حبيبي ما زلت أنت ، أنت كما عهدتك أيام دراستنا الجامعية، طوباوي أكثر من اللازم ...المشكلة يا زكرياء ليست فقط محسن أو كمال ...هل نسيت الناس من حولنا ؟ هل نسيت أنه علينا أن نواجه المجتمع برمته ؟ أم تراك نسيت أنك تعيش ببلد عربي ومسلم ...مجتمع لا أظن أنه سيفتح ذراعيه لنا أو أنه سيحتضن ابنتنا " كمال " ؟ كيف سنسلم من نظرات الناس الخبيثة ...و ألسنتهم السليطة ؟ كيف سنحمي ابنتنا " كمال " من شذوذ الرجال ذوي الأنفس المريضة...بل و كيف سيكون لكمال أصدقاء ذكور ويمنحهم كل ثقته و صداقته ؟ كيف... و كيف لي أن أثق بأصدقائه و بسلامة نيتهم أو عدم رغبة أحدهم بالزج به في متاهات من الانحراف و المرض الخلقي والشذوذ الجنسي ؟ آآآآه رأسي تكاد تنفجر من الكيف و الكيف واحر قلباه عليك يا ابنتي، أين كان لك ولنا  كل هذا ؟.

قاطعها زوجها قائلا :

- " كفاك نواحا يا جميلة ...لم تفكرين بالمجتمع و الناس؟.. ليذهب المجتمع و الناس إلى الجحيم و لتبق لنا    ابنتنا " كمال " أم أننا كان لنا يد فيما حصل لنا ؟ كمال ولد هكذا شاء من شاء و أبى من أبى ، إنها مشيئة الله ..أم أن الناس تريد أن تغير مشيئة الله..؟ عجبي من هذا المجتمع الذي يريد أن يفصٌل حتى الذرية و الأطفال على مقاسه ..أم أنه كان يريد منا أن نكتب طلبا خطيا إلى الله ونضع  فيه لائحة كل المواصفات الخلقية التي نرغب أن تكون في وليدنا؟ حسبي الله وهو نعم الوكيل في أناس لا يفقهون شيئا و لن يفقهوه أبدا ..ما ذنب كمال و أمثاله في مجتمعاتنا المريضة ؟ هل يستحقون الموت أم الزج بهم في عالم من حقول الزنا و الفسق و تجارة رقيق الجنس ؟ أرجوك يا جميلة ..لا تكلميني عن الناس و عن المجتمع ..لأني لا أحس بأي انتماء إليهم ...وكأني به عز علاه رزقني بقرة عيني كمال ...لينبهني إلى هاته الحقيقة المرة ، إلى الكذب و النفاق الاجتماعي الذي يزوق به كل واحد منا حياته : قبل أن يرزقني الله بابنتنا كنت أعيش في كذبة وفقاعة صابون كبيرة تفرقعت بمجرد ولادة طفلتنا أو طفلنا الرائع والأقرط اللسان. لا تهتمي ..سنتغلب على المشكل .. وسنخبر محسنا بالأمر في أقرب وقت ممكن وبشكل يناسب سنه وظروفه الدراسية..ثم بعد أن يكبر شيئا ما كمال فإننا سنجري له العملية ..وإذا اقتضى الأمر فإني سأبعث به إلى الخارج حتى يتمكن من إكمال دراسته بسلام ويعيش هويته الجديدة بدون مشاكل بعيدا عن أعين الجاهلين و النمامين.

-3-

               إنها حنين            

       و أخيرا علمت بحقيقة أخي أو بمصيبتي و طامتي الكبرى ...كنت أبلغ من العمر آنذاك ثمانية عشر سنة ..لم يكن الأمر مفاجئا بالنسبة لي لأني كنت قد فطنت له منذ سنين ليست بالعديدة ، أصبحت حياتي جحيما ، كان كلما أمعن أخي في إظهار أنوثته إلا و رددت الصاع صاعين، كنت أبالغ على عكسه في إظهار ذكورتي أصبحت أتفادى الخروج معه ..بل حتى الحديث عنه ..كان الأمر يصل بي أحيانا إلى إنكار أخوته أو معرفتي به من الأصل ...أما وإذا كنت خارج البيت بصحبة بعض الأصدقاء فإني لم أكن أتوانى عن تدخين العديد من السجائر أمامهم اعتقادا مني بأن ذلك سيزيد من إحساسي برجولتي، أما عن علاقتي بالفتيات فكانت سيئة للغاية ، كنت لا أحب إقامة علاقة واحدة مع فتاة معينة..كنت أرغب في التغيير وبأن يشاع عني بأنني "دون جوان" زمانه ..كرهت كمال ..بل أصبحت أمقته حتى الموت لأنه هو الذي أجبرني على تبني هذا النوع من الأسلوب في الحياة ..كنت أحلم بشباب أكثر هدوء و أقل قلقا و إذا بأنوثته الصارخة تحول حياتي إلى عالم من البراكين و الحمم وإلى سباق أزلي مع و هم إثبات ذكورتي أمام العالم أجمع...كنت أحسني كديك أبله يصارع من أجل إثبات فحولته وسط ساحة واسعة و مليئة بدجاجات و ديكة أشد بلها و حمقا منه . 

        وجاء اليوم الموعود، سافر والدي رفقة كمال إلى مدينة الدار البيضاء لإجراء العملية ، كانوا جميعهم متفائلين خاصة وأن الأطباء كانوا قد أكدوا لهم مدى سهولة هذا النوع من العمليات ومدى علو نسبة نجاحها.

هالني خواء البيت إلا مني إذ فضلت عدم السفر معهم على أن أكلمهم لا حقا في الهاتف لمعرفة آخر الأخبار ، صعدت إلى غرفتي ، وجدتها موحشة فهجرتها قاصدا غرفة أخي ..ارتميت فوق سريره أتطلع إلى السقف، كان مليئا بالمصابيح الملونة ..أما أرضية الغرفة فكانت مغطاة بسجادات زاهية الألوان ..كل شيء في غرفته كان مليئا بعطر أنثوي بهيج ...لم أكن لأصدق ما رأيت ...حتى أمام مكتبه كانت توجد مرآة طويلة عريضة وخزانات صغيرة مليئة بالعطور وبعض أدوات الماكياج البسيط ...فتحت خزانة ملابسه فصدم بصري وجود فساتين أنثوية في غاية الأناقة ...آآآآه كم أمقت ثقتك بنفسك يا أخي ...و اقتناعك بهويتك كأنثى بدون أدنى عقد و لا مشاكل ..حتى والدي تعودا على عيش حقيقتك ...إلا أنا ، لماذا ؟ لماذا؟ لماذا أكره أخي ؟ أم تراني أكره  نفسي و ضعفها ...أم تراني أكره نفاقي وخداعي..جبني ونذالتي ؟؟؟

إلهي ...أنت من في السماء علي، يا من لطفت بخلق السماوات و الأرض ...و لطفت بالأجنة في بطون أمهاتها، ألطف بي وارحمني من هذا العذاب ..ارفع عني يا عفو نقمتك وغضبك فإني محتاج ..أخرجني من قهر نفسي ...قلت حيلتي وأصبح الدمع مني هطالا والقلب داميا ..أي ذنب ارتكبته في دنياي حتى ترزقني بأخ مثل كمال ؟ خذني و أرحني منه ومن تعاستي ...

لم أدر ما الذي أصابني بعد ذلك لأني دخلت في غفوة أخذتني من العالم بأسره ونزل علي النعاس أمنة وسكينة ...نعم لقد نمت في غرفة أخي ..أقصد أختي  بعد أن غسلت روحي بدموع حارقة سكبتها وأنا كلي رجاء في أن يرفع عني الله كمدي على نفسي .

كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد الظهر، حاولت عبثا الاتصال بأمي على خط هاتفها الجوال و لكن لا حياة لمن تنادي ، تلفنت بعد ذلك إلى المستشفى :

- " ألو ، ألو أرجوك يا سيدي أبحث عن الدكتور عادل السقٌاط المختص في جراحة تغيير..."

- " نعم أنا هو ، من معي على الخط ؟"

- " أنا محسن الشرقاوي ، أبحث عن أسرتي التي أجرت العملية لإبنها كمال ..."

- " نعم ، نعم أنت محسن ، في الحقيقة لم نتمكن من إجراء العملية ، في الحقيقة لاأعرف كيف أشرح لك الأمر و لكن أسرتك و هي في طريقها إلى هنا تعرضت لحادثة سير خطيرة ..راح ضحيتها أخوك كمال أقصد أنه دخل في غيبوبة ولكن اطمئن البابا و الماما بخير نجيا بمعجزة ، يمكنك أن تجدهم بقسم مستعجلات

 مدينة الجديدة لأن الحادثة و قعت هناك و..."

هوت السماعة من بين يدي و هويت أنا على الأرض ، بقيت متجمدا هكذا و في مكاني لقرابة الساعة وفجأة انتفضت ، خرجت كالسهم لأجد نفسي فوق الحافلة المؤدية إلى مدينة الجديدة.

وصلت إلى قسم المستعجلات ، كان الذهن و القلب وكل ذرة مني مليء بصورة أختي حنين ، نعم كان هذا هو الاسم التي كانت تحلم بحمله بعد انتهاء العملية : مصابي في أختي كان جللا ، لم أعرف لم وهكذا و بدون مقدمات أصبحت أناديها أختي حنين ؟ اكتشفت أني لم أكرهها أبدا ولو للحظة بسيطة، و أني في حقيقة الأمر كنت أكره نفسي و عجزي عن تقبلي حقيقتها ،و أصبحت لا أريد شيئا في الوجود إلا عودة لحظة من الحظات التي قضيتها قرب حنين ، دعوت كثيرا أن يعيدها الله إلي من غيبوبتها التي دامت قرابة شهر ، لم أعد إلى مدينتي اخترت البقاء معها داخل المستشفى وكنت أدعو البارئ صباح مساء ، بل وعدته أنه إذا عادت حنين فإن أول شيء سأقوم به هو إخبار المدينة كلها بأن لي أجمل وأعظم أخت في العالم .

استلقيت إلى جانبها فوق السرير المحاذي  لسريرها ، كنت أنظر إليها في صمت و أراقب نومها الطويل ، وعادت إلى ذاكرتي صورتها و هي رضيعة وأنا بجانب سريرها مأخوذ بابتساماتها الحلوة مع ملائكتها التي اختلط علي الأمر ، لم أستطع أن أعي لحظتها إذا كانت   كانت كثيرا ما تحكي لي عنهم أمي ،ورأيتها تبتسم؟  ابتسامتها صورة من الحاضر أم صورة متداعية من الماضي ، أصبت بحالة من الذهول و الجنون ، حدقت في محياها من جديد وإذا بها تبتسم مرة أخرى ، ياااه أجل إنها تبتسم ، إنها حقا تبتسم ، التفت حولي لعلي أجد أحدا من أولئك الملائكة التي كان يحلو لها الابتسام لهم ، ولكني لم أصدف ولو حتى ظلهم ...هتفت بأعلى صوتي : إنها تبتسم ، يا عالم حنين تبتسم ...ياااعاااالــــم ، يااااهـــو وإذا بي أسمعها تناديني:

- محشن ( محسن) لم تسلخ ( تصرخ ) هكذا ؟ أين أنا ؟ أين أبي و أمي ؟؟؟

آه ياإلاهي ، لقد عدت لي يا حنين ، عدت سامحيني يا روح الروح ، سامحي كل ألم سببته لك ،سأجن من الفرح، انتظري ، لاتغيبي عنا وهج و جهك الجميل، سأكلم والدينا في الهاتف وأخبرهما بعودتك.

لمن كنت تبتسمين قبل قليل ، كدت تسلبين لبي ، آآآه يا نسنوسة مع الملائكة إياهم ، أليس كذلك؟ و انطلقت ضاحكا و إياها ، أما هي فأجابتي قائلة :

أي ملائكة يامزنون ( مجنون ) ، ألم تفهم بعد أن ملاكي هو أنت ، أنت من كنت أبتسم له حتى عندما كنت في القماط.

احتضنتها وطبعت على جبينها قبلة شكر وامتنان غاسلا وجهها بدموع فرحي: فقد عادت لي حنين ، عادت لي حنين.