الأدب  ( 1 )

 من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 مختارات قصصية

 

*

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

المرايا

http://www.almraya.net/vb

 حرف زائد

قصة

لبنى ياسين*


"كم هو يوم صعب تحفر ثوانيه بمجرفة الألم تفاصيلها فوق أوجاع قلبي"

        انه عرس أختي, من يصدق أن عرس أختي هو مأتمي؟! من يصدق انه بينما تتثنى أختي فرحا وزهوا ودلالاً بثوبها الأبيض, يتلوى كبدي ألما ومرارة وأمانع دموعي قسرا لئلا تفضح نزيف قلبي.
منذ سنوات كنا نلعب معا, أنا وهي وابن خالتي, كان شقيا شرسا قويا, لكنه كان في ذات الوقت طيبا حنونا, تسحق دموع عيني إحدانا كل شقاوته عندما يستبد بنا, فينبري لمصالحتنا بكل ما أوتي من حيلة.
كانت أحلام الطفولة تجمعنا حينا وتفرقنا أحيانا, هو يريد أن يصبح ضابطا, تستهويه تلك البزة الأنيقة والمسدس والرتب المرصوفة على الكتف , تشعره بالقوة والزهو, بينما كنت ارغب في أن أصبح مدرسة, وكانت أختي تحلم بالأمومة...لا شيء إلا الأمومة, مهما حاولنا أن نسرق منها تفصيلا آخر أو أن نمطّ أحلامها قليلا لتتسع لشيء ما يمدد قامته إلى جانب الأمومة كانت تهمس ببراءة:"أريد أن أصبح أماً فقط".
كبرنا...وراح كل منا في طريق, لم يعد من الممكن أن نرى صالحا, ولا أن يرانا فقد تجاوزنا أحلام الطفولة, ورفلنا بقامات شفيفة لأجساد أنثوية تحمل في داخلها من الأحلام ما تحمل, وحده صالح ظل مختبئا في حنايا الروح دون أن اشعر.
بعدها بسنوات دخل علي صالح في مجلس دارهم دون أن يدري أنني كنت في بيتهم ازور خالتي, احمرت وجنتاه وأشاح بوجهه بعيدا وهو يعتذر وخرج بعد أن أودع روحي كل أسرار الهوى ونيران الحب, لم تعد عيناه تفارقا مخيلتي...طوله...شارباه...الخال الذي بجانب انفه...وذلك الاحمرار الذي اكتسى به من شدة الحرج صارت صورا معلقة على جدران القلب, لم استطع يوما أن امحوها, ورحت أحيطها بإطار وردي من الأحلام البعيدة التي كانت تأخذني إلى عالم من السعادة لا مثيل له.
أذكر أن أمي طلبت مني مرة بعدها أن اطلب لها خالتي على الهاتف, فزغرد قلبي وتلوت في أعماقه كل الرجاءات والأدعية لكي يكون هو المجيب على تلك المكالمة, ولما سمعت صوته توقف قلبي وأصابتني صواعق المشاعر المستعرة في قلبي, وما استطعت أن أتكلم إلا بعد لحظات خلتها عمرا, خيل إلي يومها انه كان يبتسم, وانه أودع حروف سلامه الكثير من المشاعر الملتهبة...تراني كنت كالغريق يبحث عن قشة؟...هل كنت أفتش عن سراب لا يراه غيري؟
كانت تلك المكالمة التي ما قال لي فيها إلا سلاما وسؤالا عن الصحة- أعطى السماعة بعدها لخالتي- بمثابة الاعتراف بالحب والمعاهدة على الانتظار, خلتها هكذا...لم أخلها كنت متأكدة انه ما بين الأحرف أودعني شوقا يفوق شوقي, ظللت بعدها شهورا وأيام لا يفارقني صوته ورقة سلامه وحنو حروفه, يا الهي كم تملكني بعد تلك المكالمة, صار شمسا تبزغ فوق أيامي فتبعث فيها دفئا نادرا...دفء لا يعرفه غيري.
تخرج صالح من الجامعة في نفس السنة التي دخلت فيها وأختي الجامعة, بعد أن أجلت أختي أحلام الأمومة حتى تنال شهادتها, أو ربما حتى يأتي الرجل المناسب لتترك كل شيء من أجله ومن أجل ذلك الحلم, كانت توأمي ونقيضي في كل شيء في نفس الوقت, كانت بيضاء ناعمة الملامح قصيرة القد نحيلته, بينما كنت سمراء طويلة ممتلئة وكثيرا ما حار المقربون من منا أكثر جمالاً, حتى عاداتنا وطباعنا, هواياتنا وتصرفاتنا وطريقة كلامنا كلها كانت مختلفة بل أن صديقاتنا كن يفغرن فاه الدهشة عندما يعلمن أني وأختي توأمان, ورغم أننا لم نكن متلاصقتين كما التوائم عادة إلا أن لكل منا حصة الأسد من قلب الأخرى.
بعد نجاحنا إلى السنة الثانية, كنت اقصد المجلس يوما لمشاهدة التلفاز عندما التقطت أذني صوت أمي تخبر أبي بأن خالتي وولدها صالح يريدون زيارتنا زيارة خاصة...لخطبة هنوف... لم تعد الأرض تسعني من شدة الفرح, وبدا أن قلبي تضخم وتضخم حتى بات اكبر من جسدي, وبدا لي جليا انه سينفجر في لحظات, تظاهرت بأنني لم اسمع لكن ملامحي كانت تبوح بالبشر والفرح وأطياف أحلامي التي على وشك أن تتحقق ترسم مفرداتها على ملامح وجهي, وحدد أبي لهم موعدا في الأسبوع التالي...لماذا يا أبي..دعهم يأتون غدا...بل اليوم ...فقد طال انتظاري...طال كثيرا.
انتظرت أن تكلمني أمي في اليوم التالي فلم تفعل, ولا هي فعلت في اليوم الذي يليه, ثم جاءت أختي نوف لتخبرني ووجهها يتهلل فرحا:"هنوف...خالة أم صالح قادمة مع صالح اليوم لرؤيتي عقبى لك يا حبيبتي", اعترتني كل مشاعر الدهشة والغضب والألم في لحظة واحدة, هل كان يقصد نوف أم يقصدني؟ لا بد أن أمي سمعتهم بطريقة خاطئة وستصلح خالتي هذا الخطأ بمجرد وصولها...مسكينة نوف...أكره أن تــُقتل فرحتها...لكن ماذا أفعل؟ إنها مشيئة الله, وسيرسل لها الله من تستحقه...ربما كان أفضل من صالح أيضا فهي تستحق كل خير, يا حبيبتي كم ستتألمين عندما تعرفين أن أمي فهمت الاسم بطريقة خاطئة...وأنني كنت المقصودة.
دقت خالتي الباب في موعدها تماما, وبقيت في غرفتي أتجمل منتظرة نداء أمي, لكنها لم تفعل, بدأت اشعر بانهيار أحلامي, وامتلأت الغرفة برائحة دخان الحرائق التي اشتعلت بي, بينما دخلت نوف غرفتنا ووجهها ينطق بالفرح...بل يصرخ به.
ما هي إلا أيام حتى بدأت التجهيزات في المنزل, فقد كان مستعجلا يريد أن يأخذها معه حيث سيكمل تخصصه الطبي في جامعات أمريكا, وتركت أختي الجامعة وانبرت تحضر لحلمها الآخر...لا بل هو حلمها الأول, تراه خاف أن لا اترك الجامعة لأجله فخطب أختي؟ لم لم يسألني؟ كنت تركت نور عيني لأجله!! وماذا عن ذلك السلام المفعم بالدفء الذي صبه وقودا فوق نار مشاعري؟ تراني كنت احلم؟ حرف واحد في اسمي غير مسار حياتي, حرف كنت أظن أن أمي من أخطأت في عدم سماعه..فإذا بي أنا من أضافه كما أضفت واهمة تلك التفاصيل إلى سلام عابر من قريب لا يدرك مدى قربه من روحي... ليت هذا الحرف سقط من الأبجدية ومن ذاكرة البشر. وليتني سقطت قبل ذلك اليوم صريعة قلبي الذي أدمى فرحي.
كانت أمي الشخص الوحيد الذي قرأ تعاستي, لكنها لم تفهمها تماما, كانت تظن بأنني غيرى لان أختي تزوجت قبلي, ولأنها ستتركني, ولم تعرف أن نوعا آخر من الغيرة يتملكني, غيرة على قلب أحببته ونذرت أيامي انتظارا لعينيه, فتركني ومضى دون ذنب...دون عذر.
رقصت في عرس أختي على دوي دقات قلبي وأنات روحي, رقصت حتى فقدت اتزاني, درت ودرت في حلبة الرقص كثور جريح تجمعت السهام فوق ظهره, إلا أن السهام كانت متجمعة على قلبي الذي نزف حتى كاد يموت.
أيام بعدها ومضت نوف مع زوجها والسعادة تشرق فوق وجهها فتجعلها أكثر جمالا وطيبة, ودعتهما وأنا أغادر تاركة نصف قلبي معها ونصفه الآخر معه, وعدت إلى غرفتي لأغفو وأنا أعانق جراحي بانتظار أن تهيل عليها الأيام تراب النسيان.

تعقيب

الأديبة المبدعة لبنى ياسين
أصعب أنواع الحب هو الحب من طرف واحد ، و أكبر الخيبات حجما ،أن يتجه الطرف الآخر إلى حب آخر ، فما بالنا إذا كان الطرف الآخر أقرب الناس إلينا ،إنها أزمة حقيقية بالغة العمق و الأثر لن تمحوها - كما تفضلت - إلا الأيام .
جاء النص باسلوب البوح أو المذكرات و وفق بتصوير مشاعرأنثى أحبت بكل جوارحها و بلغة مكينة و جذابة
دمت و دام إبداعك
نزار

===================

*لبنى محمود ياسين

كاتبة و صحافية سورية

lubnayasin@hotmail.com