الأدب  ( 1 )

 صفحات خاصة

كُتاب : قصة - شعر - مقال - نقد

ه

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

حبيبة الماء المالح

رواية قصيرة

أسماء غريب

 

 

        كان صباح ذاك اليوم، صباحا شتويا جميلا، انسحبت فيه كعادتي من فراشي متجهة نحو نافذة الغرفة أتأمل من خلالها أمواج البحر، المضطربة شيئا ما. هجرت الغرفة تاركة زوجي يغط في نومه العميق ، لبست جلبابي الأسود، غطيت رأسي و تأبطت مذياعي الصغير، الحبيب إلى قلبي ثم غادرت الفيلا متجهة إلى شاطئ البحر الواقع على بعد أمتار قليلة من البيت .

كم يحلو لي الجلوس هناك، فوق تلك الرمال الرطبة حيث تتلاحق الأمواج في نظام لانهائي ،مقتربة مني في خفر و غنج عجيبين لمداعبة قدمي، مثيرة بداخلي شوقا عارما لسماع أغنية ما من روائع الطرب الكلاسيكي العربي، فتحت ساعتها مذياعي الصغير وكلي رجاء في أن تذاع هاته المرة رائعة كوكب الشرق ، "هجرتك" ولكن العندليب الأسمر فاجئني بصوته الدافئ و هو يردد :

الموج الأزرق في عينيك،  

يناديني نحو الأعمق ،

وأنا ما عندي تجربة ،

في الحب و لا عندي زورق،

إني أتنفس تحت الماء،

إني أغرق.

أغرق.

أغرق.

غرقت عيناي في مائهما المالح واشتهيت لحظتها أن ألقي بجسدي عاريا داخل هذا البحر،تمنيت ساعتها لو أستطيع تذوق هذا الماء المالح كملوحة دموع عيني اللتين لم تجفا منذ ليلة عرسي، تمنيت لو أملأ منه خياشيمي كسمكة عاشقة وأترك لأنامل أمواجه لذة عزف أحلى السيمفونيات على جسدي وشبق وشم أروع قصائد العشق الأبدي فوق جلدي. آآآآآه تحسست بيدي هذا الثوب الذي يكبل رأسي و هذا الجلباب الطويل الأسود الذي فرضه علي زوجي العجوز يوم تقدمه لإشتراء يدي

 من أبي حسين الذي باعني إليه مقابل جيوبه المنتفخة وشققه الموزعة على تراب المدينة برا و بحرا .

كان زوجي داوود كثيرا ما يردد على مسامعي حكاية أني جوهرة مكنونة و أن ماعلى المكنون إلا أن يبقى كذلك ، كان يملأ أذناي كلاما لم أستطع استيعابه طيلة هاته السنين ، كلاما عن جمال جسدي وفتوته و عن غيرته علي من الهواء والماء و...و... ولكنه لم يكلمني يوما عن سبب اكتفائه الدائم طيلة هاته السنين بتقبيلي و عناقي ثم النوم بجانبي كما تنام الأم بجانب ابنتها.

فاتحت أمي في الموضوع و أخبرتها بأني ما زلت عذراء، وأني لا أطيق العيش بجانبه و لا حتى هذا الجلباب والخمار الأسود ...فتحت لها قلبي الجريح ، المكسور بقهر الزمن وظلم ذوي المال و النفوذ، قلبي المطعون بفقر أبي و حاجة إخوتي لمال هذا العجوز العنين.

ما كان من أمي إلا أن ذرفت ماء مالحا و فجرت من قلبها أنفاسا ساخنة ، ناصحة إياي بكتمان الأمر والستر على زوجي و عليهم.

قلت لها: " و ماذا عن طفولتي بينكم وعن حرية الأيام الخوالي بين أحضانكم و عن أيام البحر و الشمس ، البحر الذي كنت تأخذينني إليه طيلة الآحاد الصيفية من كل سنة، الماء المالح الذي كنت لا أغادر أمواجه حتى تمتلأ منه الخياشيم و تسكر من لذاته كل خلية من جسدي ، ماذا عن كل هذا ؟؟ ماذا عن كل هذا؟....

فغرت فاها وجففت عينيها وقالت: " كنت أنتظر أن تحدثيني عن رغبتك في زوج أو حب آخر ، في دفئ عائلي وفي أطفال يزرعون المرح في حياتك وإذا بك تحدثيني عن البحر وعن ماء المالح و أمواجه و...و..."

نظرت إليها بمؤخرة عيني مجيبة إياها ببرودة متناهية : " عجز زوجي لا يختلف كثيرا عن عجز أبي الذي باعني إليه و عجز أبي لا يتميزعن عجز الآخرين الذين يقفون هكذا مكتوفي الأيدي ومكمومي الأفواه للاستمتاع بمشهد بيع فتياتهم مقتنعين في ذلك بأنهم أفحل الرجال على وجه البسيطة...ماذا تريدين لي بعد كل هذا، أعلي أن أفكر من جديد بربط مصيري بعنين آخر؟ اتركينا من هذا الحديث و لا تكلميني البتة عن زمن لعين، جبان و عنين ".

انصرفت عنها و تركتها وفاها المفغر الذي لا يعلم إلى متى سيبقى هكذا مفغرا ؟

ياآآآه كم هي باردة مياهك هذا الصباح أيها البحر الحبيب، خلعت أخيرا هذا الشال من فوق هامتي وأطلقت لخصلات شعري الأسود الطويل العنان تاركة لها التحليق في فضاء هذا المكان الساحر، تحسست بأناملي فستاني الطويل، الأسود العريض و بدأت في فك أزراره على مهل، الواحد تلو الآخر ثم رميت به فوق الرمال المبللة وأبقيت على قميص نومي الأبيض الحريري مقتربة على استحياء كبير من الماء، شعرت برعشة لذيذة كهربت كل كينونتي بدلال رائع ثم ارتميت أخيرا بين أحضانه، ها أناذي من جديد أحتضنه و أقبله بنهم طفولي تحركت له و بقوة أمواجه ضاحكة بصخب جميل، مرتطمة وبعنف شبقي فوق جسدي لتنفجر بداخلي ماء مالحا لذيذا. لم أرغب في الإلتفات أبدا إلى الوراء، سبحت متجهة قدما وسط هاته المياه الهائلة إلى أن بدأت تختفي عني ملامح الفيلا و ملامح زوجي ، أبي، أمي و كل باقي أفراد العائلة ...لم تتبق من كل ذلك سوى ملامح هذا الماء المنهمك بتقبيلي و باستقبالي و إلى الأبد و كلمات الأغنية الفارة من مذياعي الصغير و المحلقة في فضاء هذا الصباح الجميل :

الموج الأزرق في عينيك،

يناديني نحو الأعمق ،

وأنا ما عندي تجربة ،

في الحب و لا عندي زورق

إني أتنفس تحت الماء،

إني أغرق.

أغرق.

أغرق.

ملأ الماء خياشيمي و انتفخ لذلك كل جسدي وأصبح ثقيلا كجرة من الطين، فهويت إلى الأعماق و ما إن ارتطمت قدماي بأرضية الرمال من جديد حتى أحسست بوخز عميق في صدري تحررت على إثره روحي من جرتها الثقيلة، فتحت عيناي، كل شيء كان واضحا ، كان عالما رائعا من البهاء النادر: لآلئ، مرجان و زمرد وحدائق لا متناهية، كل شيء كان هناك شفافا كشفافية هذا الماء و بينما أنا مأخوذة بهذا السحر الرباني و بعالمي الجديد، إذا بيد تلمس و برقة لا مثيل لها كتفي، التفت، فكانت يد امرأة فائقة الجمال ، راسمة على محياها ابتسامة في غاية الإشراق، خاطبتني قائلة:

" حللت أهلا و نزلت سهلا يا عشيقة الماء المالح، انتظرناك طويلا هنا، كنا جميعا قلقين عليك...مرحبا بك..."

نظرت إليها بفضول و اندهاش :

" هنا؟..أنتم؟...أنت...؟ من أنت؟ ... وأين أنا ؟ "

ردت بوجه مضيء و باسم :

" أوه يا حبيبتي الرائعة، اهدئي و لا تنزعجي، أنت أخيرا هنا، بيننا فوق " كوكب الحرية " وأنا المجدلية... نحن هنا كثيرون: نساء، رجال وأطفال... على الأرض كانوا يلقبوننا "بالمتمردين"،" الزنادقة"،" مجانين الله"، وأحيانا إذا ما كان المتمردون نساء فكنا ننادى "بالمومسات" أو "الوقحات" .

تأملتها بعمق ثم سألتها:

" متمردون؟ مجانين الله؟ مومسات؟ " كوكب الحرية" ؟ ... من يحكمكم يا ترى هنا ؟"

ضحكت ملئ فيها و أجابت :

" لا نحن لسنا في حاجة لأحد كي يحكمنا، نتمتع هنا بنظام احكم نفسك بنفسك وإلا كنا بقينا على الأرض مقر الطغاة ومجانين السلطة و لكن لدينا هنا شخص نكن له كامل التقدير و الاحترام، شخص في غاية البساطة ، مجنون حرية ومتمرد نسميه هنا " فارس الحرية " كان أول القادمين إلى هذا الكوكب و استقبلنا بعد ذلك جميعا بصدر رحب وقلب كريم..." قاطعتها لأسألها بشغف :

"و من يكون يا ترى هذا الفارس يا عزيزتي المجدلية ؟"

" آه يا حبيبتي ، تبا لها ، إنها عجلة أهل الأرض، تلك التي دمرت كل شيء جميل بداخلنا ، لا تستعجلي شيئا يا حبيبة المالح ، أينك من الصبر؟ تريدين معرفة كل شيء و دفعة واحدة ، قليلا من التريث و ستصلين إلى كل شيء، إنه هو الذي ينتظرك الآن و على أحر من الجمر."

وانطلقنا ماشيات وسط حدائق في غاية الروعة و الجمال، لم استطع أن الجم فضولي و سألتها مرة أخرى:

" و ما اسمه يا ترى فارس الحرية هذا ؟ "

*" بعل زبول "

" ماذا ؟ أجننت ؟ بعل ماذا؟ ببببببععععلزبوووووول ؟"

سحبت بقوة يدي من يدها وأطلقت ساقاي للريح صارخة من شدة الرعب و الهلع الذي أصابني:

" الغوث، الغوث ......يا إلهي ، أيني أنا، و بأي مكان هويت بنفسي؟ أهذا جزاء عشقي وذوباني في جزيئات هذا الماء المالح ؟ أهذا آخر المصير ؟ أن أسقط بين يدي بعل زبول ، و أنت أيتها المجدلية، اغربي عن وجهي ، أيتها الكاذبة الأفاقة، أنت مثلهم، نعم كاذبة ومنافقة كأهل  الأرض ، الغوث الغوث..."

وفي غمرة جنوني و هذياني، اقتربت مني المجدلية بوجهها البهي محافظة على هدوئها وكمالها:

" اهدئي، اهدئي، كل ما بك يا صغيرتي من خوف و جزع أمر طبيعي، مررنا به جميعا خلال أولى أيام وصولنا إلى هذا الكوكب الرائع، المهم هو ألا تنسي أنك هنا حرة ، لك أن تبقي، إن شئت هذا و لك الرحيل إذا رغبت في ذلك، لن يقف أحد ما، ضد ما ترينه مناسبا لك ، أنت هنا فوق كوكب الحرية، لا تنسي هذا يا عزيزتي، أرجوك ."

أعادتني كلماتها من جديد إلى صوابي، و تذكرت أنني لم اسمع قط يوما مثل هاته الكلمات أثناء إقامتي على الأرض، لم يقل لي أحد مطلقا أنني حرة وأنه بوسعي أن أقوم بكل ما أراه مناسبا لي، لأن كان العكس هو الذي كان يحدث.

 تطلعت إلى وجهها الوضاح مرة أخرى و سألتها و كلي أمل و رجاء في تتحفني و تقنع فضولي بشكل منطقي:

" أرجوك، كيف لكم أن تحبون و تحترمون شخصا لعنته السماء و الأرض، هذا أمر غير معقول، بل و الأدهى من كل ذلك أن تسمونه فارس الحرية، أي حرية هاته التي تقصدونها هنا ؟ "

" لا تقهري نفسك حبيبتي بأسئلة لا طائل منها يرجى، و لنذهب إلى لقائه وعندها ستكتشفين كل شيء بحضرته، هيا بنا و كفاك مضيعة للوقت فقد ضاع منا ما فيه الكفاية."

اصطكت أسناني من الرعب و الهلع و خرجت لذلك عيناي من محجريهما: كيف لي أن أذهب إلى لقاء الوحش الملعون و الذي يهاب مكره الكبير قبل الصغير ، وأخيرا تفجرت صارخة في وجه المجدلية:

" لاااااالا،لاااااالا ....."

أغمي علي و لم أدر بعد كل هذا، ما الذي حدث لي و للمجدلية .

كل ما كنت أذكره هو ذاك الوجه المتألق لذاك الشاب الرائع الجمال الذي لمحته عيناي أول ما أفقت من غيبوبتي، كان جالسا على يميني، يداه بيدي و عيناه كانتا غارقتين في عيني ، تتأملهما بحنان متناه و هو يغني أروع الترانيم و الأشعار بصوت ملائكي خلاب، كل ما فهمته لحظتها أنه كان يغني فرحا بلقائي هو و كل الأشخاص الآخرين الذين كانوا يحيطون به، والذي هالني منهم منظر عريهم، نساء ورجالا و بينما أنا مأخوذة بغرابة المنظر، إذا به يمسك بذراعي و يدعوني إلى القيام قائلا:

 " هيا حبيبتي، انهضي، كي أعرفك بأصدقائك الجدد: كاترينا، مريم، سارة، رابعة، غالليه، بونافينتورا، ديكارت، جان جاك روسو، الحلاج، السهروردي،    *نوال....و....و...."

عرفتهم وللتو جميعا، إلا هو، لذا سألته بحرقة:

" هؤلاء عرفتهم جميعا لأني سمعت عنهم و قرأت لهم حينما كنت هناك على الأرض، إلا أنت ، من أنت يا سيدي؟"

" بعل زبول"

جف الريق من حلقي، وقل الأوكسجين من حولي أو هكذا خيل لي، حينما بدأ نبضي يتسارع بشكل رهيب، اختنقت له قصيبات رئتاي فحاولت الهرب من جديد و لكنه أمسك بيدي و استمر في تأملي بعينيه الواسعتين و بهدوء شديد قال لي:

" يا إلهي، كم هو فاتن خوفك الطفولي هذا ، اهدئي وأصغي لي، فليس ثمة في البقية بقية، أنصتي يا حبيبتي قبل أن يفوت الأوان و تلتف الساق بالساق، فأنت من ستكون رسول الوفاق والصلح بيني و بين بني البشر، لذا فأنا أرجو هدوئك و عودتك إلى روحك لتعي ما سأقوله لك بعد انتظار حارق دام سنين و سنين أرررررجوووو.....ك  "

و لكني حررت يدي من يده و رجوته أن يبتعد عني فقال راجيا من جديد:

" لم ؟ لأني شيطان، أليس كذلك ، أنا شرير و لعين، لالالا بل أنا الشر عينه... وأنت الآن ذاهلة هكذا لأنك كنت تنتظرين و حشا مرعبا بدلا عن شاب جميل , وأمير للحرية، أليس كذلك لذا فأنا لا استحق الغفران و الرحمة، و لكن اسمعيني الآن و كفاك جنونا و مقاومة غبية ، كفااااااااااك أرجوك ".

اختنق صوته من شدة التأثر... رفعت لحظتها هامتي إليه ففاجئني منظر دموعه الغزيرة و ذكرتني عيناه الغارقتين في مياههما المالحة بتلك الدموع التي كنت أذرفها هناك على ذاك الكوكب الغريب الذي يسمونه " الأرض " و أنا مستلقية ليلا بجانب زوجي العجوز العنين، أبكي تعاسة أيامي و شبابي المهدور...لم أكن لأتوقع قدوم يوم كهذا، يوم، أكتشف فيه أن  لبعل زبول  قلب بهاته الرقة و مشاعر بهذا الصفاء و أنه أيضا مثلنا يحس و يتألم و يبكي و...و...  لم أدر بنفسي إلا و أنا أضمه إلى صدري مجففة في الوقت ذاته دموع عينيه الجميلتين:

" لم البكاء الآن يا حبيبي؟ أهو الندم يا ترى؟ أم أنك طامع في مغفرته يا فارس الحرية ؟ لم لا ؟ أنت تعلم أنه التواب الغفار و أنه الرحمن الرحيم ، أطلب مغفرته أرجوك ، افعل هذا من أجلي  أرجوك."

" يا لبراءتك، أيتها الرائعة، لا يا حبيبة الماء المالح لست أنا من في حاجة إلى مغفرته و لست نادما أبدا على ما قمت به و ربما إذا دعيت للقيام به مرة أخرى لفعلته وبدون تردد ولتعلمي عزيزتي أني لم أشك منه البتة و لن أشكو منه أبدا فهو عادل و غير ظالم و ما أنا إلا عبد عاشق و مثلي كثيرون ..."

دهشت من كل كلمة نطق بها :

" و ما ذا عن طرده إياك من جنانه ؟ و عن عصيانك؟  و و و ؟"

" و من قال هذا؟ أنتم طبعا، أليس كذلك ؟ قلتم و أعدتم وأفضتم و زدتم؟ بل و أيضا ادعيتم و اختلقتم، قلتم أن الله غضب مني و من كبريائي و من غروري ، فطردني شر طردة عقابا لي على عدم سجودي لآدم محولا إياي إلى و حش شرير بشع المنظر بل و الأدهى من ذلك أن هناك من تواقح منكم و قال بأني أصبحت إلها لملكوت الجحيم و عالم الظلمات، أليس كذلك؟ و منكم من يقول متباهيا بأني أنا المسؤول عن كل الشر الذي يقع على البسيطة و أني أنا الذي أقودكم إلى النار... و أوسوس لكم اقتراف المعاصي و الكبائر، آه منكم، آه منكم وويلكم منه، ألا يوجد بينكم عاقل واحد يتدبر في الأمر ويتأمله ثم يتساءل : إذا كنت أنا شيطانكم فمن كان شيطاني حينما عصيت مولاي و خالقي؟ من وسوس لي بعصيانه ، أكان ثمة شيطان قبلي، أم أنه هو هو الواحد الأحد الصمد الذي اختارني لكل هذا و ما كان  رفضي إلى السجود لغيره إلا طاعة أبدية مني إليه ؟!

تبا و سحقا لكم، تتحججون بقصتي مع الخالق و تتدخلون في أمور لا تعنيكم ، تبا لكم، تقتلون و تسفكون الدماء و الجاني دائما أنا، تشعلون نيران الحروب و المسؤول دائما أنا، أجيبوني يااااعااالم، ياااهووو لم تقودون الحروب و تقتلون و تسفكون باسمه؟ ألم يكن أقرب إلى المنطق أن يكون كل سفك و غصب و قتل باسم الوحش اللعين: لم لم أسمع منكم يوما أحدا منكم ينطلق إلى الجهاد في سبيلي و هو يصرخ و يقول : بعلزبول أكبر ، لا بعلزبول إلا بعلزبول، و موسى أو عيسى أو محمد أو ، أو، ... رسول الله ؟ لم؟ أجيبوني لم؟ أم تراكم منافقون ، أفاقون ، محتالون، وقحون ، حسبي الله و هو نعم الوكيل، إلهي أنت من في السماء علي ، نجني منهم وأعذني بك من شرهم و خبثهم، فأنا قرف منهم و سئم من وقاحتهم ، قل لهم أن يتركوني و شأني وأن يعترفوا و لو لمرة واحدة ببراءتي، و يقرون بجرائمهم و أن يتحملوا كل مسؤولياتهم في ذلك، أخبرهم يا سيدي و يا مولاي بأني أتحدى صبر واحد فيهم أن يتحمل كل ما أتحمله منهم من جبن و خبث، قل لهم أني مازلت عاشقا و لهانا و أني أتحمل كل شيء و كل ما يقترفونه تجاهي من أجلك أنت ، أنت يا من لا أنت إلا أنت ومن أجل نار العشق تلك التي تحرق كينونتي و ذاتي منذ الأزل في هذا المكان الرائع و وسط هاته المياه المالحة.."

وبكى بكاء حارقا، تحركت لدموعه كل مياه الكوكب وبكى لبكائه عشاق الماء الآخرون الذين كانوا ملتفين حوله ينصتون إليه بعمق ومساندة عجيبين، بكت أيضا دلال، هدى، فاطمة، المجدلية، مريم، عائشة و مع كل هؤلاء الأشخاص الرائعين، بكيت أنا أيضا و خلدت إلى ركن منعزل رغبة مني في تأمله عن بعد : وفي صمت عميق، أشفقت على حاله و احترمت صمته و عشقه، وهالني سمو قلبه و تحمله لكل حماقات و ظلم بني البشر تجاهه ، ساعتها اكتشفت أن هذا الماء المالح لم يكن ليكتفي بعاشقة و احدة مثلي بل له عشاق آخرون، يتأجج بجوانبهم  حب أكبر بكثير من حبي و أنبل من عشقي ونار أسمى بكثير من تلك النار التي تحرق على مهل كينونتي و ذاتي المتفانية في التواضع و البساطة.

الموج الأزرق في عينيك

يناديني نحو الأعمق ،

وأنا ما عندي تجربة ،

في الحب و لا عندي زورق

إني أتنفس تحت الماء،

إني أغرق.

أغرق.

أغرق.