
أقصوصة

سمير الفيل
Samir_feel@hotmail.com
الواحة
اشترت
سميحة جعرانا مقدسا من حجر الصوان . جاءت به من الأقصر بعد أن
تجولت في معبد " الكرنك " ، ووقفت تتأمل البحيرة المقدسة ، وتتطلع نحو المسلة
الجرانيت الشاهقة التي هي بعلو مئذنتين .
قال لها الفتى النوبي الذي باعه إياها : ضعيه في صدرك ، وسيحفظك من كل شر.
ضحكت من كلامه ؛ فهي لا تستريح لمثل هذه الخرافات ، فما هو إلا حجر أصم لا
فائدة منه غير أن يكون للزينة .
كان الجعران صغيرا ودقيقا وعليه نقش غائر بالهيلوغريفية ، وفي طرف منه ندبة
صغيرة كالغمازة في خد حسناء .
بعد يومين من عودتها كانت تلبسه ، وفيما أمها تخطو بسبت الغسيل لتنشر الملابس
المبتلة فوق السطح زلت قدمها ،وكُـسرت .
بعد يومين آخرين عاد أبوها الباشكاتب سليم محمولا على سواعد زملاء قلم الحسابات
بعد أن أصيب بارتفاع ضغط دم جعله على شفا الموت .
فكرت في أن تتخلص من جعرانها المقدس ، لكنها رفضت أن تستسلم للجهل والأقاويل
المريضة .
في سابع يوم ، وبينما كانت سميحة تسير في ممشى حديقة الأندلس تعرفت على سعيد ،
وكان شابا وسيما يقول للقمر قم وأنا أجلس مطرحك . من أجلها استأجر قاربا صغيرا
راح يحرك مجاديفه في دربة وتعود .
كانت نزهة العمر ورفقة لا تنسى . لم يعدها بالزواج ولا بأي شيء سوى بحب بريء
طاهر بلاحدود.
لم تفهم معنى كلماته إلا عندما استسلمت لضوء القمر في نصف الشهر العربي ، فتعرت
له وتدحرجت على حصيرة من " السمار " فوق سطح مكشوف لكنه أعلى من عمارات الجميع.
فراشة حرة تطير في كل اتجاه ، ووعود كنهر عسل مصفى لا ينفد ، أما يدها الطرية
فقد استسلمت ليده الخشنة تماما .
بعد أن قبلها وقبلته ،وسرت بينهما نار صعب أن تنطفأ أخذوه في الليل الغطيس لأنه
منفلت العيار ولا يحترم الحكومة ، يتكلم في السياسة ، ويدوس في " الحلل " ! .
بكت كثيرا ، وهي تتلمس الجعران الذي كان يحلو له أن يلمسه في مكمنه بين مفرق
النهدين.
كانت أمها تعرف أن ابنتها واقعة في غرام الشاب الذي لم يغادر سجنه ، كلمتها
ناصحة : فضيها سيرة .
طرق جارهم الشاب الأسطى يحيى السمكري بابهم ، ودخل دخولا شرعيا ومعه طاقم شربات
، وملبس محشو بالفسدق ،وقرطاس مليء بكل ما لذ وطاب من أنواع المكسرات . وضعه
بأدب على منضدة السفرة المواجهة للصالون . زغردت أمه وهي تجس العروس ، وتتأمل
تضاريسها من فوق وتحت .
قرأت الفاتحة ، وكانت سميحة طيلة الوقت ساهمة تفكر في ظلمة السجن ، في نزهة
المركب الصغير ، في ضحكته التي تشبه بساتين المانجو .
بعد أن خرجوا جميعا . خلعت السلسلة المعدنية من عنقها ، نظرت بتمعن للجعران ،
ثم ألقته بأقصى ما تستطيع من النافذة.
====================
*سمير الفيل - مصر/الإسكندرية