قصة
قصيرة
الإضــــراب
مهداة إلى أخــي عبد السلام فزازي
محمد المهدي السقال
شاركتَ في الإضراب
؟ واستنهض همته لتغيير نبرة صوته البارد , فوجئتُ بالسؤال , فقد انتهيت للتو من
تقديم درس النصوص ,على مدى ساعة كاملة , عشت لحظة بلحظة مع الإحساس بالانزعاج
المفرط من زيارته, سأبقى مدينا لهؤلاء التلاميذ الذين لم يعيروا لوجوده أدنى
اهتمام , تفاعلوا كعادتهم مع حكاية , " انتحار بلبل " ,
نجحت في تمهيرهم
على التساؤل عما يستيثرهم في النص , يميلون إلى تحليل تفاصيل ظروف انتحار
البلبل , فأميل بهم إلى تحليل اللغة التعبيرية , وأجد العذر في ضرورة الاهتمام
بالنص في كليته شكلا ومضمونا , ظللت باستمرار أحرص على عدم الزج بهم في مطلق
الحقائق المؤلمة في الواقع المعيش , وظلوا بإلحاح حريصين على مكاشفة مظاهر ذلك
الواقع اللعين :
ـ إضرابِ الأمس ؟
تحاشى التقاء
عينينا , واصل كتابة جملة امتدت لآخر السطر بدون فواصل , كم وجدت خطه رديئا ,
لكنني تذكرت قولة معلمي , وهو يعلق على فشلي الدراسي , حين لم يجد بدا من
الاعتراف بجمال حروفي على الورق:
ـ الخط فن الحمير
, عليك أن تهتم بدروسك , وزاد , الخطوط تُزيَّن بها الحيطان , أما الدروس فتبقى
خالدة في الذاكرة .
ـ لا لم أشارك فيه
.
استعدتُ حضور ذهني
, نظرت إلى أصابعه الممسكة بالقلم في ارتعاش غير واضح , فهمت سياق السؤال
الاستفزازي , كدت أباشره بالاستفسار عن المناسبة , فهو مفتش يقوم بزيارة , وليس
ممثل نقابة , ثم تذكرت انتماءه السياسي , جرت العادة أن نسأل عن هوية السيد
المفتش الجديد , قبل أي سؤال عن تجربته أو مؤهلاته, أعرف أنه من يمين اليسار
الذي دخل لعبة التوافقات الخشبية تحت موائد الحوار, لكنني أعرف أيضا مما شاع
عنه , أنه لم يكن دائما راضيا على توجه حزبه , سُمع عنه أنه قال بوجود انحرافات
وخروقات تنظيمية ما أنزلت بها القوانين الداخلية أو الأدبيات من سلطان ,غير أنه
بعد هذا وذاك , ظل من دعاة الانضباط لقرارات القمة,
ـ ولماذا لم تنخرط
في الاستجابة للدعوة إلى إضراب أمس ؟
لم يرفع بصره بعد
, لعله في سطره الخامس أو السادس, يزداد خطه رداءة , صارت السطور أشبه بمنعرجات
, هل كانت عينه على ما يكتب , كيف يواصل الدوران بالحروف غير المتناسقة الأحجام
؟
ـ لم أشارك ,فضلت
هذه المرة أن يكون لي رأي شخصي , ودون طلب منه , وجدتني مسترسلا في تبرير موقفي
,بصراحة , للمرة الأولى في حياتي , أحس أنني قمت بشيء فكرت فيه ونفذته , انتظرت
أن يسألني عن هذا الخروج المفاجئ عن الجماعة , وتخيلت أن يقول لي بأن الجماعة
لا تتفق على ضلال , لكنه ظل يكتب , لعله انتهى , وضع النقطة ورفع القلم , عادة
ما يكون إيذانا بالانتهاء ,
ـ كل ما في الأمر
أنني استغربت عدم مشاركتك , و أنتَ الذي ..
لم يكمل الجملة
,أخذ يستعد للمغادرة , كنتُ أعرف الباقي, وحتى لا يخرج من غير الجواب عن سؤال
ألح علي , استعجلته بالاستفسار عن هذه الزيارة المفاجئة , ولم تمر على زيارته
الأخيرة إلا أيام معدودات على مجموع أصابع اليدين والرجلين , كم حزنت لحاله ,
حين أخبرني بأنه يزورني بأمر من السيد النائب عن السيد الوزير النائب عن السيدة
الحكومة , كلهم يتساءلون عن تخلفي هذه المرة في مجاراة الدعوة إلى الإضراب ,
كان يتكلم بصوت خافت غير الذي اصطنعه في مفتتح حديثه وهو يسألني :
ـ شاركت في
الإضراب ؟
*******
تعقيب
يعتمد النص على التداعيات الفكرية الذاتية لمعلم ، فهو منزعج من
زيارة المفتش و لما يمضِ على زيارته الأخيرة عشرة ايام ((ولم
تمر على زيارته الأخيرة إلا أيام معدودات على مجموع أصابع اليدين والرجلين))
و يستمر بالتعبير عن إنزعاجه بانتقاد خطه الرديئ ((واصل
كتابة جملة امتدت لآخر السطر بدون فواصل , كم وجدت خطه رديئا))
و لكنه يبدي أيضا عدم اكتراث ،
فقد أبدع تلاميذه في أدائهم، و لم يتركوا للمفتش ثغرة واحدة ينفذ منها .
ثم يتضح سبب الزيارة الحقيقي ، لم تكن من أجل اختبار مهارة أو
توجيه تكتيكي علمي ، إنما كانت لسبب سياسي بحت و بتكليف من رئيس الحزب :
((شاركتَ
في الإضراب ؟)) جملة كررها
أكثر من مرة للتوكيد على هذا التوجه
.
النص محبوك
بمهارة واضحة ، و هو كذلك سلس و جذاب يشد القارئ حتى آخر حرف ، و يتضمن تهكما
غير مباشر للخلط بين الأداء المهني و المصلحة الحزبية السياسية .
و صفوة القول ، نحن أمام كاتب قدير متمكن من أدواته
نزار ب. الزين