الأدب  ( 1 )

 من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 مختارات قصصية

 

.

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 من المحيط إلى الخليج

http://www.menalmuheetlelkaleej.com/forum/viewforum.php?f=30&sid=82bbc90fdb93809e3a20544bd9c9642e

 بوابات العصور

قصة قصيرة

عبد الله البقالي

من المحيط إلى الخليج

       ما اعتقد أحد قبل تلك اللحظة أن بركات "مولاي أحمد السيد"و من سار على نهجه ستصبح في مهب الريح بتلك السرعة. و أن الناس سيكتشفون أن ما اعتقدوه مركزا للوجود لم يكن سوى نقطة ضائعة منه. قبو بدا أن فيه ابتدا و سينتهي كل شئ. و ربوعه بدت لساكنته أنها شهدت اشراقة و تسللات خيوط الشمس في أول طلعة لها على الوجود. و حيث الجبال الغربية كان يبدو ان زحفها ينتهي هناك لتغوص في شئ لا يفقه له كنه مخلفة الدنيا وراءها تنتظر شمسا جديدة. صور البعث نفسها بدت للكثيرين أنها في جل تفاصيلها قد فصلت على قد جغرافية القبو.فحيث أعلى الهضبة سيمتد فجأة سور يوصل الارض بالسماء, و لينفخ عبره نفخا تتهاوى على اثره الجبال,و ليخرج الموتى في أكفانهم الناصعة البياض ليركضوا في نظام و امتثال صارمين مأخوذين في ذلك بالوميض البراق الذي يسطع من سماء القرية.

الأيام كانت تمر. ما من أحد تساءل عن زهرتها و لا عرف أن للأيام أزهار و ألوان.لكن بلا مقدمات تصدع الجدار و بطلت الطلاسم. ليبرز وجه أسمر عرف فيه صوت فتى حمله اعصار قديم اجتاز القبو ذات يوم. تحدث العائد : " هاكم .. اقرأوا عيونيه ".

ما احتاج الأمر لفؤوس و معاول. اندس الجدارفي الارض و خلفه مضت الآفاق في صعود و انخفاض.لاحت بحار و بوارج و أوطان تلتهب.. انتزع الناس عيونهم من عينيه. نظر الكل للكل . و حين تأكدوا أن العبور يبدأ من حيث هم ,عاودوا النظر مدفوعين برغبة و اغراء. امتد النظر الى ما وراء حدود البصر. مضت السبل ناثرة حواليها صورا و وقائع..جبهات و خنادق.. رايات و بنادق..جثثا و حرائق.صيحات ندبة و نشوة. تخوم . ورطات وذرية من لقاءات حب ما احتاج لشواهد. ما عاد للزمن تقاويم و لا للأمكنة حدود و موانع . الهند الصينية صارت في مدى لمح البصر . و الماضي يلوح من حيث تستطيع الغوص في المستقبل. و الحاضر ما عاد غير اجساد سلبت روحها حكايات "لاجودان" لكنها حبلى باستجابات ترتفع من مكان ما . غير أن هذا المكان يقع حتما خلف الأسوار الغربية حيث ليس في وسع سلطة الأولياء و لا مولاي أحمد السيد أن تحنط الأعمار وتحولها الى لبنات تدعم صرحا متهالكا.

لكن هاهو مولاي أحمد السيد بهياج أسد يتقدم نحو "لاجودان". توارى الصغار. دس الكبار رؤوسهم في صدورهم اقرارا منهم أنهم ارتكبوا اثما ما . و من منهم لا يخشى غضب و بأس مولاي أحمد و هو الذي ضجت الفلاة و البراري يالزغاريد يوم مولده. و أن الأرض اهتزت حين لامسها جسده . و أنه كان يتغذى من لهيب الشمس , و يشرب من مجار تمتد اليه من الغيب. وحين كبر أتى المعجزات و امتد مفعول سلطانه للجماد أيضا. اذ في غضبة منه توقف محرك الناقلة الوحيدة التي تفد على القرية. ولم يشتغل ثانية الا حين جثا السائق على ركبتيه و طلب الصفح. انذاك اشتغل المحرك دون أن يلمسه أحد.

خاف الجميع على مصير لاجودان .لأنه لن يواجه هذه المرة جنودا آدميين . بل أرواحا شريرة ستفعل فيه الغرائب. تدافعت موجات الهواء كهبات عاصفة حين تحدث مولاي أحمد السيد موجها كلامه للناس قائلا : أي شئ تجدونه في مجالسة هذا المارق ؟

تداخلت الأجساد حتى صارت هيكلا واحدا بعشرات الرؤوس ،فقال لاجودان مخلصا اياهم من حرجهم : ماذا أرى ؟..انسان الكهوف و في عصر كهذا و لا زال يملك كل هذه السطوة ؟

انذهل مولاي أحمد وهو يجد نفسه في موقف لم يصادف مثيلا له في حياته.فرد في عنف و انفعال: اسمع أيها الماجن . جئت أبلغك أن قهقهتك الماجنة تعكر صفو سكون الأرواح. لذلك لا مكان لك هنا , و الا اسأل أي شئ سيكون مصيرك. ؟

قهقه لاجودان بملء شدقيه وقال موغرا في سخريته. ـ أجزم لو أنك خدمت في الجيش الفرنسي ,و سخرت هذه الموهبة الخارقة في خدمة الأهداف العسكرية,فان رتبة عقيد هي أقل الرتب كنت ستنهي بها خدمتك.

امتقع و جه مولاي أحمد. أحس باهانة و اذلال لم يذق لهما طعما من قبل. استجمع قواه و قال محكما الطوق حول رقبة لاجودان: ماذا أيها المرتزق ؟ سليل الأولياء يعمل في صفوف جيش النصارى ؟ ثم ما هذا المجد الذي ملأت به مسامع الناس ؟ لتتساءلوا معي أيتها العامة. بل لنسأل هذا الماجن . لأي شرف قاتلت يا لاجودان ؟

أحس لاجودان بحرج موقفه . تلعثم و ارتبك . لكنه سرعان ما تماسك و قال محاولا التخلص من الطوق: صحيح أنني خضت حروبا ما همتني نتيجتها بقدر ما همني أن أخرج منها سالما . لكن تأكدوا أن داخل هذه الحروب كانت لي حربي الخاصة.

ـ أفصح عنها اذن . قال ذلك مولاي أحمد مشددا الخناق.

بمكر أجاب لاجودان عاكسا الآية كليا.: مشاركتي في تلك الحروب و بالأحرى مع تلك الجيوش مكنني من اختراق الأسوار الغربية للقرية حيث يمارس داخلها أبشع مما رأيت في كل الحروب. لم يجد مولاي أحمد كلمة ليقولها . ظل مطرقا . رفع رأسه للسماء و كأنه يتلقى توجيهات منها . حرك رأسه في امتثال و صرامة . استدار جهة لاجودان و قال : لقد أبلغتك أمر الأرواح , و انت المسؤول عن نوع المصير الذي ستلقاه.

رد لاجودان موجها ضربته الأخيرة : أبلغ أرواحك أن الحياة للأحياء , و لذلك فنحن من يجب أن يشتكي من النكد الذي يمارسه من يتحدثون بأسمائها.

أكد الكبار أن مولاي أحمد السيد قد ارتكب اثما ما . ربما افتض بكارة عذراء, و ربما ضاجع امرأة متزوجة وهناك من ذهب الى أنه تزوج روحا شريرة . لذلك سحبت الأرواح سلطانها منه , و لهذا لم يصب لاجودان بأذى. اما الصغار فكانوا مأخوذين بأشياء أخرى . حتى حكايات لاجودان نفسها ما عادت تثيرهم بعد أن تأكدوا من أن الانسان الحي هو من يخوض في دروب الحياة ، و لذا كانوا منشغلين باكتشاف ممر مماثل لذلك الذي سلكه لاجودان في شبابه. ممر ينتهي ببوابة تقف الحياة خلفها مجسدة بامرأة فاتنة متعطشة لدفء و فحولة المتسللين من القبو. ومولاي أحمد انتهى باحثا عن بوابة تنفتح على العصور الغابرة

تعقيب

القاص الرائع عبدالله البقالي ،،،

لكل زمن مفترق طرقه ،،،

و نصك السردي وضعنا سينمائيا أمام هويتين ،،،

هوية المتكلم الآتي من العصور السلفية بكل أهوائها ،،

و هوية العسكري وا هي شخصية لها تطلعاتها و التي تراهن على التغيير في الفكر و التواصل

ثم هناك متكلم ثالث و هو السواد الأعظم الذي اختار الطريق الثالث ليجد لهويته متنفسا قد يبدا

مجهولا و قد تتضح معالمه لاحقا ،،،

نص اعتمد على الصنعة الثابتة لا سيما الإعتماد على الإيهام للوصول الى المغيب و يمكنني

القول هنا أنك ابدعت في التعبير عن السيرورة الرمزية للنسق كقيم و أفكار و طقوس ،،

هنا يتجلى السرد الإبستمولوجي الذي أعلى عقلنة الفعل القصصي بنصك ،،،

لك كل تقديري ،،

عبد الرحيم الحمصي 

 قصة قصيرة

الإضــــراب

مهداة إلى أخــي عبد السلام فزازي

محمد المهدي السقال

شاركتَ في الإضراب ؟ واستنهض همته لتغيير نبرة صوته البارد , فوجئتُ بالسؤال , فقد انتهيت للتو من تقديم درس النصوص ,على مدى ساعة كاملة , عشت لحظة بلحظة مع الإحساس بالانزعاج المفرط من زيارته, سأبقى مدينا لهؤلاء التلاميذ الذين لم يعيروا لوجوده أدنى اهتمام , تفاعلوا كعادتهم مع حكاية , " انتحار بلبل " ,

نجحت في تمهيرهم على التساؤل عما يستيثرهم في النص , يميلون إلى تحليل تفاصيل ظروف انتحار البلبل , فأميل بهم إلى تحليل اللغة التعبيرية , وأجد العذر في ضرورة الاهتمام بالنص في كليته شكلا ومضمونا , ظللت باستمرار أحرص على عدم الزج بهم في مطلق الحقائق المؤلمة في الواقع المعيش , وظلوا بإلحاح حريصين على مكاشفة مظاهر ذلك الواقع اللعين :

ـ إضرابِ الأمس ؟

تحاشى التقاء عينينا , واصل كتابة جملة امتدت لآخر السطر بدون فواصل , كم وجدت خطه رديئا , لكنني تذكرت قولة معلمي , وهو يعلق على فشلي الدراسي , حين لم يجد بدا من الاعتراف بجمال حروفي على الورق:

ـ الخط فن الحمير , عليك أن تهتم بدروسك , وزاد , الخطوط تُزيَّن بها الحيطان , أما الدروس فتبقى خالدة في الذاكرة .

ـ لا لم أشارك فيه .

استعدتُ حضور ذهني , نظرت إلى أصابعه الممسكة بالقلم في ارتعاش غير واضح , فهمت سياق السؤال الاستفزازي , كدت أباشره بالاستفسار عن المناسبة , فهو مفتش يقوم بزيارة , وليس ممثل نقابة , ثم تذكرت انتماءه السياسي , جرت العادة أن نسأل عن هوية السيد المفتش الجديد , قبل أي سؤال عن تجربته أو مؤهلاته, أعرف أنه من يمين اليسار الذي دخل لعبة التوافقات الخشبية تحت موائد الحوار, لكنني أعرف أيضا مما شاع عنه , أنه لم يكن دائما راضيا على توجه حزبه , سُمع عنه أنه قال بوجود انحرافات وخروقات تنظيمية ما أنزلت بها القوانين الداخلية أو الأدبيات من سلطان ,غير أنه بعد هذا وذاك , ظل من دعاة الانضباط لقرارات القمة,

ـ ولماذا لم تنخرط في الاستجابة للدعوة إلى إضراب أمس ؟

لم يرفع بصره بعد , لعله في سطره الخامس أو السادس, يزداد خطه رداءة , صارت السطور أشبه بمنعرجات , هل كانت عينه على ما يكتب , كيف يواصل الدوران بالحروف غير المتناسقة الأحجام ؟

ـ لم أشارك ,فضلت هذه المرة أن يكون لي رأي شخصي , ودون طلب منه , وجدتني مسترسلا في تبرير موقفي ,بصراحة , للمرة الأولى في حياتي , أحس أنني قمت بشيء فكرت فيه ونفذته , انتظرت أن يسألني عن هذا الخروج المفاجئ عن الجماعة , وتخيلت أن يقول لي بأن الجماعة لا تتفق على ضلال , لكنه ظل يكتب , لعله انتهى , وضع النقطة ورفع القلم , عادة ما يكون إيذانا بالانتهاء ,

ـ كل ما في الأمر أنني استغربت عدم مشاركتك , و أنتَ الذي ..

لم يكمل الجملة ,أخذ يستعد للمغادرة , كنتُ أعرف الباقي, وحتى لا يخرج من غير الجواب عن سؤال ألح علي , استعجلته بالاستفسار عن هذه الزيارة المفاجئة , ولم تمر على زيارته الأخيرة إلا أيام معدودات على مجموع أصابع اليدين والرجلين , كم حزنت لحاله , حين أخبرني بأنه يزورني بأمر من السيد النائب عن السيد الوزير النائب عن السيدة الحكومة , كلهم يتساءلون عن تخلفي هذه المرة في مجاراة الدعوة إلى الإضراب , كان يتكلم بصوت خافت غير الذي اصطنعه في مفتتح حديثه وهو يسألني :

ـ شاركت في الإضراب ؟

*******

تعقيب

يعتمد النص على التداعيات الفكرية الذاتية لمعلم ، فهو منزعج من زيارة المفتش و لما يمضِ على زيارته الأخيرة عشرة ايام ((ولم تمر على زيارته الأخيرة إلا أيام معدودات على مجموع أصابع اليدين والرجلين)) و يستمر بالتعبير عن إنزعاجه بانتقاد خطه الرديئ ((واصل كتابة جملة امتدت لآخر السطر بدون فواصل , كم وجدت خطه رديئا)) و لكنه يبدي أيضا عدم اكتراث ، فقد أبدع تلاميذه في أدائهم، و لم يتركوا للمفتش ثغرة واحدة ينفذ منها .

ثم يتضح سبب الزيارة الحقيقي ، لم تكن من أجل اختبار مهارة أو توجيه تكتيكي علمي ، إنما كانت لسبب سياسي بحت و بتكليف من رئيس الحزب : ((شاركتَ في الإضراب ؟)) جملة كررها أكثر من مرة للتوكيد على هذا التوجه .

النص محبوك  بمهارة واضحة ، و هو كذلك سلس و جذاب  يشد القارئ حتى آخر حرف ، و يتضمن تهكما غير مباشر للخلط بين الأداء المهني و المصلحة الحزبية السياسية .

و صفوة القول ، نحن أمام كاتب قدير متمكن من أدواته

نزار ب. الزين