الأدب  ( 1 )

 من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 مختارات قصصية

 

.

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 بلقيس

قصة قصيرة

عبد الحفيظ الحافظ*

حدثني جدي :

أسرَّ المستشار بأذن الإمام يحيى حميد الدين :

- يا مولاي . المَعْرِفَةُ تسللت إلى رؤوس الناس ، وأخشى أن تثمر في الأيام القادمة ، فيتبدل حالُهم وتخلق لنا الأوجاع .

-  تسلقت عينا الإمام وجه مستشاره ، توقفت طويلاً في عينيه ، غاصتا فيهما ، سأله :

-  هل المعرفة بدأتْ خطواتِها الأولى إلى رؤوس أبنائي ؟.

-  أ تثمر غداً ؟.

-  أتخلق لنا الأوجاع ؟.

-  أقلتَ : لنا ؟. . أجاب المستشار هازاً برأسه :

-  نعم يا مولاي .     

               

اليوم الأول

 

بث رجال الإمام بين الناس :

-  اخترقت " العفاريت " حدود بلقيس السعيدة ، وصلت إلى مدننا الوديعة ، إنها تتجول بيننا ، لكن عيونَنا لا تراها ، قدرٌ أحمق الخطى يترصد بنا ، إنها عقوبة السماء بمن أخطأ منا .

-  احذروا أيها الناس العفاريت ، فهي تستهدف أجسادنا وعقولنا .

 

اليوم الثاني

 

همس رجال الإمام ونساؤه :

- العفاريت تزاوجت بيننا ، إناثها حَبالى ستلد بعد أيام ، ستجد طريقها إلى أجسادنا من مسام جلودنا، وسترضِعُ أطفالها من أثداء نسائنا  .

-  القطران يمنعها من الاقتراب من أجسادنا .

-  يا حسرتاه على بلادنا السعيدة ، وا أسفاه على أبناء بلقيس الطيبين .

-  اللهم نجنا من العفاريت .

اليوم الثالث

 

نقلت وسائل الإعلام المحلية :

     هاج سكان بلقيس وماجوا ، أضاع النومُ طريقَه إلى عيونهم المتعبة ، أمسك الخوف بقلوبهم ، وقفت لهم العفاريتُ المغبرةُ ذاتُ القرون والأذْناب عند مفارق الطرق ، انتصبت أمام أبواب بيوتهم،  تسللت إلى فراش النساء ، فأطلن سراويلهن ، وحمل الرجال خناجرهم خشيةً على رِفْعَةِ شرفهم .

 امتلأت ساحات الأسواق بالرجال والنساء والأطفال ، تزاحموا ، تقاتلوا على شراء القطران ، نافس سعرُه سعرَ الياقوت والمرجان ، دهنوا جلودهم السمراء به ، ولم تبقَ في البلاد قطرةٌ منه ، فعلا الصراخ والبكاء ، وخزَّنت الأفواه " القات " وقعدت تمضغ به ، وغصت دور العبادة بالمصلين ، وسرحت الجمال في الساحات ، تبحث هي الأخرى عن قطرة قطران يقتلها الجرب .

 

اليوم الرابع

 

قال رجال الإمام ونساؤه وأطفالُه :

- دَهنُ جزءٍ من الجلد بالقطران كفايةٌ عن دهن الجلد كله .

- الإمامُ أبُ بلقيس يتهجد داعياً لرفع الكرب والبلاء عنا .

- اللهم اقطع نسل العفاريت ، اللهم نجنا منهم ، اللهم دمِّر الأعداء الذين أرسلوها إلينا .

- ادعوا للإمام بطول العمر والبقاء .

 

اليوم الخامس

 

أعلن قصر الإمام في " بلقيس حميد الدين " :

سيلقي مولانا أدامه الله خُطْبَةً في الساحة أمام قصره الكبير بعد صلاة الظهر ، عندما وقفت الشمس في كبد السماء ، أرسلت ألسنتها الملتهبة ، غاصت الساحة بالحشود القطرانية العارية ، بعد ساعة من الانتظار أطلَّ الإمام ، وقف بجانبه مستشاره ، خَطب :

أبنائي أهل بلقيس السعيدة .

      دخلت العفاريت إلى بلدنا الغالي عبر الحدود ، فمنعها القطرانُ الذي غطى جلودَكم من التسلل إلى أجسادكم الطاهرة ، سَهَرْتُ الليالي الطويلة ، وأنا أدعو لكف هذا البلاء عنا ، وقد استجابت لنا السماء .

  التهبت الأكف بالتصفيق ، حيَّت الجماهيرُ الإمامَ بهتافاتٍ وصلت إلى أسماع البلاد المجاورة :

بالروح ، بالدم ، نفديك يا إمام .

     رفع الإمام يده ، فخيم الصمت ، أشار بيده إلى مستشاره سنمَّار ، خاطب الجماهير الحاشدة :

- لكن سنمار هذا لا يؤمن بما تؤمنون ، فتعالى الصراخ من جديد ، تدافعت الجماهير متجهةً إلى أبواب القصر هاتفةً :

- الموت لسنمار ، الموت للخونة ، الموت للكفار .

    أمر حميد الدين حراسه بأن يرموا المستشار من الشرفة ، فاستقبلته أقدام الجماهير ، ثم سحلته في شوارع " بلقيس " .

*عبد الحفيظ الحافظ

حمص 15/5/2007