حدثني جدي :
أسرَّ المستشار بأذن الإمام
يحيى
حميد الدين :
- يا مولاي . المَعْرِفَةُ تسللت إلى رؤوس الناس ، وأخشى أن تثمر في الأيام
القادمة ، فيتبدل حالُهم وتخلق لنا الأوجاع .
- تسلقت عينا الإمام وجه مستشاره ، توقفت طويلاً في عينيه ، غاصتا فيهما ،
سأله :
- هل المعرفة بدأتْ خطواتِها الأولى إلى رؤوس أبنائي ؟.
- أ تثمر غداً ؟.
- أتخلق لنا الأوجاع ؟.
- أقلتَ : لنا ؟. . أجاب المستشار هازاً برأسه :
- نعم يا مولاي .
اليوم الأول
بث رجال الإمام بين الناس :
- اخترقت " العفاريت " حدود بلقيس السعيدة ، وصلت إلى مدننا الوديعة ،
إنها تتجول بيننا ، لكن عيونَنا لا تراها ، قدرٌ أحمق الخطى يترصد بنا ،
إنها عقوبة السماء بمن أخطأ منا .
- احذروا أيها الناس العفاريت ، فهي تستهدف أجسادنا وعقولنا .
اليوم الثاني
همس رجال الإمام ونساؤه :
- العفاريت تزاوجت بيننا ، إناثها حَبالى ستلد بعد أيام ، ستجد طريقها إلى
أجسادنا من مسام جلودنا، وسترضِعُ أطفالها من أثداء نسائنا .
- القطران يمنعها من الاقتراب من أجسادنا .
- يا حسرتاه على بلادنا السعيدة ، وا أسفاه على أبناء بلقيس الطيبين .
- اللهم نجنا من العفاريت .
اليوم الثالث
نقلت وسائل الإعلام المحلية :
هاج سكان بلقيس وماجوا ، أضاع النومُ طريقَه إلى عيونهم المتعبة ،
أمسك الخوف بقلوبهم ، وقفت لهم العفاريتُ المغبرةُ ذاتُ القرون والأذْناب
عند مفارق الطرق ، انتصبت أمام أبواب بيوتهم، تسللت إلى فراش النساء ،
فأطلن سراويلهن ، وحمل الرجال خناجرهم خشيةً على رِفْعَةِ شرفهم .
امتلأت ساحات الأسواق بالرجال والنساء والأطفال ، تزاحموا ، تقاتلوا على
شراء القطران ، نافس سعرُه سعرَ الياقوت والمرجان ، دهنوا جلودهم السمراء
به ، ولم تبقَ في البلاد قطرةٌ منه ، فعلا الصراخ والبكاء ، وخزَّنت
الأفواه " القات " وقعدت تمضغ به ، وغصت دور العبادة بالمصلين ، وسرحت
الجمال في الساحات ، تبحث هي الأخرى عن قطرة قطران يقتلها الجرب .
اليوم الرابع
قال رجال الإمام ونساؤه وأطفالُه :
- دَهنُ جزءٍ من الجلد بالقطران كفايةٌ عن دهن الجلد كله .
- الإمامُ أبُ بلقيس يتهجد داعياً لرفع الكرب والبلاء عنا .
- اللهم اقطع نسل العفاريت ، اللهم نجنا منهم ، اللهم دمِّر الأعداء الذين
أرسلوها إلينا .
- ادعوا للإمام بطول العمر والبقاء .
اليوم الخامس
أعلن قصر الإمام في " بلقيس حميد الدين " :
سيلقي مولانا أدامه الله خُطْبَةً في الساحة أمام قصره الكبير بعد صلاة
الظهر ، عندما وقفت الشمس في كبد السماء ، أرسلت ألسنتها الملتهبة ، غاصت
الساحة بالحشود القطرانية العارية ، بعد ساعة من الانتظار أطلَّ الإمام ،
وقف بجانبه مستشاره ، خَطب :
أبنائي أهل بلقيس السعيدة .
دخلت العفاريت إلى بلدنا الغالي عبر الحدود ، فمنعها القطرانُ الذي
غطى جلودَكم من التسلل إلى أجسادكم الطاهرة ، سَهَرْتُ الليالي الطويلة ،
وأنا أدعو لكف هذا البلاء عنا ، وقد استجابت لنا السماء .
التهبت الأكف بالتصفيق ، حيَّت الجماهيرُ الإمامَ بهتافاتٍ وصلت إلى
أسماع البلاد المجاورة :
بالروح ، بالدم ، نفديك يا إمام .
رفع الإمام يده ، فخيم الصمت ، أشار بيده إلى مستشاره سنمَّار ، خاطب
الجماهير الحاشدة :
- لكن سنمار هذا لا يؤمن بما تؤمنون ، فتعالى الصراخ من جديد ، تدافعت
الجماهير متجهةً إلى أبواب القصر هاتفةً :
- الموت لسنمار ، الموت للخونة ، الموت للكفار .
أمر حميد الدين حراسه بأن يرموا المستشار من الشرفة ، فاستقبلته أقدام
الجماهير ، ثم سحلته في شوارع " بلقيس " .
*عبد الحفيظ الحافظ
حمص 15/5/2007