الأدب  ( 1 )

 من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 مختارات قصصية

 

دنيا الوطن

http://www.alwatanvoice.com/arabic/pulpit.php?go=category&catid=56

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 النار تندلع فى الأفواه احيانا ً

قصة قصيرة

كمال عارف


         كان هو القاتل الحقيقى .. ولكن القدر زج ببرئ آخر بدلا منه لم يقتل ولم يسرق !!
اما الذى سرق وقتل من أجل أن يعيش هو وأطفاله ؛ هو الآن حرا طليقا ً !!
كانت زوجته فقد ماتت وتركت له من الأبناء . ثلاث ذكور ، وأنثى واحدة ..
وحُـكم على البرئ بالإعدام شنقا لثبوت الأدلة بتدخل من القدر ..
أما هو القاتل الحقيقى .فقد حكم ضميره عليه أن يعيش معذبا ..
كان ينفرد فى الحجرة التى كانت فى الماضى ورشة يقتات منها هو وأسرته ..
أما عن صنعته ؛ فقد كان يعمل فى إصلاح أجهزة الراديو الكهربائى ، ولكن الصنعة إضمحلت وإندثرت ؛ بإندثار أجهزة الراديو العتيقة التى تعمل باللمبات !!
فلم يجد الطعام ، وكاد ايضا يفقد المأوى..
ولذا سرق .. ولذا قتل !!
عاش بعد جريمته معذبا تقتله كل ليلة تلك الكوابيس المزعجة ..
كان يرى النار تندلع من أفواه أطفاله ، كأنها فوهة بركان ثائر !!
أليس يـُطعم أطفاله بالحرام ؟..
كان يـُحاكم كل لحظة أمام ضميره ..
قرر أن يـُسلـّم نفسه للعدالة وينهى ذلك الصراع الأليم حتى يطفئ تلك النار التى يراها فى كوابيسه تندلع من أفواه صغاره ، وتنهش فى بطونهم ..
ولكنه لو سلم نفسه للعدالة ؛ سيموت مجرما فى نظر أولاده وجيرانه .. هكذا حدثته نفسه .. سيحطم تلك الصورة الشريفة التى عهد نفسه فيها ، وعهدها الناس عنه طوال حياته ..وسيتخلى الناس عن أبنائه .. أبناء القاتل السارق ..
وما معنى تلك اللوحة التى توسطت ورشته بالبنط العريض " القناعة كنز لا يفنى " !!
وأسفلها لوحة كتب عليها كلمة واحدة : الأمانة !!
لا .. لا لن يـُسلـّم نفسه للعدالة ويحطم هذه الصورة المشرفة التى عُرف بها مع كل من يتعامل معه ..
كان يصارع النوم أو أن النوم كان يصارعه ..
فلا يتمكن منه النوم ، ولكن كانت تتمكن منه وتنهكه تلك الكوابيس .. وتلك النيران المندلعة التى تخرج من أفواه برئية ..يرى النار تأكل كل من حولها ، حتى تلك اللوحتان يراهما مشتعلتان .. يرى الجيران يقهقهون بضحكات شيطانية ، ولا يتحرك منهم أحد لإطفاء النيران ؛ أو لإنقاذ الصغار ..
يوقظه من عذابه وكوابيسه . نور الصباح الذى يتسلل إلى مخدعه فى ورشته ، وكأنه كوبا من الماء المثلج قـُذف به فى وجه ميت لعله يفيق !! .. ولكن هيهات ..
يغادر حجرته ، أوالتى كانت ورشته.. قدميه تقوده حيث يـُحتجز البرئ الذى ينتظر حكم الموت ..
يقترب بخطوات متثاقلة من أسوار السجن العالية، ثم يدور حولها .. يقترب من البوابة الخشبية الضخمة .. لا يعرف ماذا يريد ولماذا إقترب .. أحد الحراس يستوقفه .. يسأله عن مقصده .. يهذى بكلمات واهنة .. يسأل الحارس عن البرئ .. يخبروه الحراس أن حكم الموت سينفذ صباح اليوم التالى .. فى تمام السابعة
كانوا توا قد أرسلوا إشارة لذويه لإستلام جثته !! ..
يعود تائها لحجرته .. لا يعرف كيف عاد .. لا يتذكر سوى كلام الحراس . سيعدم البرئ غدا فى تمام السابعة ..
يجلس منهكا بجوار النافذة المطلة على مناور البيوت المجاورة .. يختلس النظرات إلى الساعة العتيقة التى تشبه صندوق النعش ، كأنه يريد إيقاف الزمن ..ولكن الساعة العتيقة تعانده .. تدق دقاتها لتعلن مضى الزمن .. وغدا ستدق فى الصباح دقاتها السبع .. يتحسس عنقه .. يصرخ بآهة مكتومة .. تتغرغر عيناه بالدموع .. يتذكر أطفاله .. يغادر غرفته .. فيختلس النظرات لصغاره .. فما زالوا يلهون مع أطفال الجيران فى الحوش البلاطى أمام باب شقته .. يلملم الأطباق المعدنية الفارغة التى كان قد ملأها بالطعام لإفطارهم ، أو ملأها بالنار . تلسعه الأطباق وكأنها نزلت توا من الموقد المشتعل .. يتركها تنساب من يديه ، فتسقط على البلاط محدثة اصوات مزعجة .. ينتبه الأطفال ..ولا يفزعون .. يقترب منهم .. يـُقبلـّهم .. ويعود لحجرته ، أو التى كانت ورشته ..يختلس النظرات إلى الساعة العتيقة ..
تدق الساعة .. الزمن يجرى ولا يتوقف ؛ أويتراجع .. يـُعـّد دقاتها التى كانت فى يوم محببة لأذنيه ، عندما كان ينتهى من إصلاح أجهزته وهوسعيد بما انجزه ، ولكنها اليوم دقاتها أشبه بلحن الموت.. أو كأنها مارش جنائزى ..
حان وقت غذاء الأطفال .. لم يجدوا طعامهم فى موضعه كالعادة .. ذهبوا إليه فى غرفته ، أو التى كانت ورشته ، ولكنهم لم يجدوه فى مقعده بجوار النافذة كما تعودوا أن يروه دائما ..
ولكنه كان فوقهم !! ..
وجدوه جسدا متدليا من سقف الحجرة ، كان مازال الجسد يتأرجح فى الهواء .. ولكنه كان بلا حراك ..
لقد شنق نفسه باحد الأسلاك التى كانت بورشته ..
وفى صباح اليوم التالى.. كانت جنازته ..
سارخلف جثمانه كل رجال الحارة .. ورجال الحارات المجاورة ، وعلى وجوههم إرتسم الحزن والأسى ..ولطمت النساء وصرخن من الشرفات ، وهم ينظرون لأولاده الصغار .. الذين لا يفهمون ما جرى ، وإلى أين سيأخذون اباهم ..وما معنى الذى حدث .. ولماذا !!
وفى نفس الساعة تقريبا كان والد "البرئ "ينهى إجراءات إستلام جثة إبنه المذنب فى نظر القانون ، والذى قد تم توا تنفيذ حكم الإعدام فيه ..
لم يكن أحد من الأهل أو الجيران يشيـّع جثمانه .. لأنه قاتل ، فى نظر المحكمة والقانون !!
وفى نفس الساعة تقريبا وارى التراب القاتل الطليق المنتحر حسن السمعة ، والبرئ المشنوق و التى لاكت سمعته كل الألسنة !!
تعقيب

أخي المبدع كمال

يقول المثل << يا ما في الحبس مظاليم >> العدالة كثيرا ما تكون عمياءو كثيرا ما يختصر المحققون الطريق تكاسلا أو عجزا .

أما عذاب الضمير فهو - كما وصفته - نار حارقة .

أما النتيجة فكانت لصالح الأطفال .

إبداع جديد يا أخي  كمال 

دمت رائعا

نزار ب. الزين