الأدب  ( 1 )

 من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 مختارات قصصية

 

.

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 الذئب الذي فقد هويته

قصة قصيرة

 محمد نجي

         كان في زمان غابر حكيم ملأ الدنيا حكمة. يرش نسمتها في الأثير لتجد أرواحا مستنشقة لعطر شهيقها ذات طيب المسك. اتخذ لنفسه دار الندوة مع مريده مقرا تشع الحكمة على جدرانها. و ذات يوم و بعدما تعب من شدة السجال. لجأ إلى ظل شجرة وارفة قطوفها دانية،  ظل يتدفق قربها جدول رقراق بماء معين. خريره  شنف أسماعه. هدير اليمام أدخل عليه حبورا حمله على فضاء شهد نحل أصيل يسيل نغما  و نعما. وقت القيلولة،  الحكيم عندما أحس بالجوع ، طفق يتأمل الكون و ما حوله. غذاؤه الوحيد يرتبط  باختراق عجائب، أسرار و نواميس الطبيعة.  كما كان يعشق جمع بطائق الهويات التي ضاعت من أصحابها في غفلة منهم. كان كلما وجد بطاقة هوية مفقودة، يقوم بتحليل معطياتها و يقرأ عليها في سر خارق سبب الضياع. كان الحكيم يملك بصيرة ثاقبة و نباهة حادقة في قراءة بطاقات الهوية التي ضاعت و مزقتها السنون. أمام انشغاله بهذه المهمة الصعبة،  كان الحكيم يكتفي بكسرة خبز يابسة يقوم بأكلها بعدما يرويها بلعاب القناعة المتدفقة من روح تغذيه حكمة زاهية بعطر الأمل المشرق. عندما سيتبد به العطش، يروي نفسه من جدول سخي عذب ماؤه. ذات يوم و بينما الحكيم يتناول طعم غذائه، انبرى له رجل رث الثياب. أشعث الشعر. من بعيد، سمع الحكيم قرقرة و غرغرة بطنه. منها انبعثت إشارات الإنذار و هي  تغزو أمعاءه المتشنجة. و كان كلما اقترب منه الغريب،  كلما بصر هيجان نفسه و اضطراب مزاجه . ظل الجائع يتأوه في نبرة توحي أنه على وشك أن يسقط صريعا.  نظراته ظلت تلتهم، عن بعد، ثمار الشجرة التي كانت تظلل الحكيم بظلها الناعم. الثمار الناضجة تدلت في عناقيد زاهية  سال  لها لعاب اللهفة  نبعت من نفس لاهثة تغمرها نشوة  مارقة مستطيرة. شهوة الالتهام طغت على الغريب مشتهيا ملء  قلنسوة معدته التي غزتها عصارتها الحادة. طفقت تتوعد حبات العنب  و تغازلها بعدما لعبت  بمزاج الرجل اللاهث. دنا من الحكيم في تردد ثم       دعي إلى طعام ظاهره بسيط و عمقه  مطلي بطبقات من  الزهد المعسل.  في تلك اللحظة انتفض الضيف مشمئزا  و أعرض عن تلبية الدعوة. استغرب الكريم من اللئيم ثم تعجب من سلوكه المشوب بالعجرفة رغم بؤس حاله. ظل المتكبر المنهك جوعا،  يخترق ببصره الحاد عناقيد العنب التي تدلت دانية. حسبها أروقة مطلية بعسل الشهد الأصيل الذي تفنن النحل في نسجه.

ثم قال لصاحبه و هو يحاوره :

-«  ألا تعلم أن فاكهة العنب مذاقها يتجاوز حدود الحلاوة المطلقة؟ »

-        ثم أضاف :

-«  ما جدوى غذائك هذا الذي تشمئز منه حتى الجرذان  ؟ »

رد عليه الحكيم  الذي بدت عليه علامات الزهد في الحياة  قائلا :

- « هل تعلم أن مذاق هذه فاكهة علقم سوف ينشر أمعاءك. و ربما تسبب لك في مرض السرطان؟؟؟ لأنه ملك لغيرك »

كالذهاني سيطرت هبة على مزاج الشخص الملهوف. بدأ يضحك في طقس هستيري صاخب. ندب حظه و فجأة أجهش بالبكاء مثل ثكلى فقدت بعلها في حرب ضروس. التفت الحكيم إليه و دنا منه مواسيا. أقعده بجانبه مستفسرا :

« أيها المغبون المسحوق أريدك أن تحكي لي قصة حياتك. حدسي يحدثني أنه كان لك شأن عظيم. ما اسمك أولا؟ »

دخل الغريب في لحظة انطواء و غاب شعوره كمن ضاع في بيداء قاحلة. بعد تركيز شديد و معاناة باطنية توجت بانمهار عبرات غزيرة، قال  في تأتأة :

« أنا يا سيدي ضاع مني  و جودي . مخلوق  بدون هوية.  أبحث عنها و ربما سوف أجدها عندك فربما تكون أنت  من وجدها و وضعتها ناسيا في جيبك !!! »

رد عليه الحكيم واثقا :

«  صدقت أيها المتعوس المقهور. أنا مهمتي في هذه الحياة هو البحث عن الهوية. كل يوم أجد هوية ضائعة. البارحة وجدت هوية  على وشك الاحتضار .  اكتشفت أن وجودها مزقته اهتزازات شديدة  بعد محاولة  الانتحار »

مستغربا، قبل الرجل الغريب جبين الحكيم الذي كان يشع نورا كاد أن يخرق بصره المتعب.

-        قال الحكيم و هو يدخل الهدوء على المشرد :

-        « اطمئن يا هذا  هويتك عندي. انا بصدد ترميم صرحها المنهار.  كنيتها "عمارة"  أليس كذلك؟؟؟؟ »

-        صعق من ضاعت منه هويته ثم قال :

-        «  تبا لي. وا أسفاه على ضياع هويتي بين ليالي المجون و مقارعة قنينات  الزجاج الرقيق و رغبة امتلاء البطن حتى التخمة »

عبس الحكيم في وجهه  ثم قال له في لطف :

«  الخطير في الأمر عندك أن هويتك فرت منك لأنك كنت مسرفا في استدماج ملك الغير. كنت تبتلعه بالباطل. ثم الأخطر انك في بعض الأحيان،  تتباهى به و تحسب أنك مخلد في نعيمك و رفاهيتك. تسطو و تسلب بدون رقيب و لا حسيب »

قال الغريب ممتعضا  بعدما اسود وجهه و هو كظيم:

«  يا حكيم زمانه. رد لي هويتي فهي سر وجودي و دليل نعيمي و أعدك أن أصونها و اعتني بها كما صنت أنت مصيرك »          

كان من عادة الحكيم،  قبل خوض غمار جولات السجال مع محاوريه، أن يحكي  في كل مرة  حكاية  مشوقة يعتبرها تمهيدا ناجحا من أجل غرس مكارم الأخلاق. الحكيم يجد عزمه  في سبك و حبك الأقصوصة حسب ما يستجد عليه. أقعد الحكيم الرجل الملهوف و أمره بتنظيف أطرافه التي بدا عليها اثر السفر و الرغبة في التهام عناقيد العنب ثم قال له

«  قبل أن أسلمك هويتك أيها المغبون الملهوف أريد أن تسمع هذه الحكاية التي تناهت إلينا منذ زمان سحيق »

طفق  الحكيم الزاهد في نسج  حكايته  حيث روى

( كان في قديم الزمان ذئب و قنفذ أسسا صداقة رفيعة. ذات يوم أحس الذئب بجوع شديد. بينما كانا يطوفان قرب إحدى الضيعات. شم الذئب ذو حاسة الشم القوية رائحة  بطيخ منعش. كانت جزيئات حلاوته تتطاير في فضاء و أرجاء البحيرة المحاطة بسياج مكين. رائحة البطيخ الأصفر غزت مسامات مناخر الذئب الكالحة من شدة العطش. طفق الذئب يلهث و لعابه المختلط بفيروسات اللهفة الخانقة يتدفق في سيالة  مثل سيل  عارم.  شدة الجوع ، التعطش للارتواء من البحيرات الصفراء  و رغبة ملء بطنه، جعلته  يفقد كل قدرة على التفكير في تقدير عواقب عزمه الشديد. لم يقدر تعب الفلاح و كدحه. ظل  ذيله يتحرك في دعابة مثل كلب باستور المسعور.  كان صبيب اللعاب يزداد بدلالة عدد حركات الذيل الذي اعتبره سياطا يقذف به سوء حظه التعيس.  بينما كان الذئب يفقد السيطرة على حواسه الملتهبة بشوق الظفر بالفريسة، ظل القنفذ يعربد في التراب في غفلة و  في همز و لمز ساخرا  من صديقه الملهوف.  استدرج القنفذ الذكي رفيقه المغفل في اتجاه ممر ضيق يفضي إلى حيث المائدة التي أثارت رعب الحاجة في كيان فصيلة ابن آوى. تسلل القنفذ بسهولة إلى داخل الضيعة مشجعا صديقه و متمنيا له شهية طيبة. قبل الوحش الكاسر رأس الحيوان المكسي بأشواك تخفي المكر و الخديعة. كاد أن ينزع الذئب رأس "صديقه"  بعدما حسبه بطيخة طازجة و مليحة أهداها له  القنفذ في ظلمة نتجت عن مرور سحابة عابرة  حجبت برهة ضوء القمر المتلألئ. صعق المسكين و هاجم بأشواكه التي انتصبت حتى كادت أن تتطاير مثل أشواك الضبي عندما أحس بالخطر. اعتذر الذئب على هذه المخالطة ووعد صديقه بغنيمة مفاجئة  بعد الانتهاء من رحلة الصيد التي حسبها ظافرة. طاف القنفذ  بالذئب بحذر شديد بالمكان مخافة أن ينكشف أمره. صحبه إلي حيث خيرات البطيخ الحلو. تولى القنفذ دور المرشد السياحي. طفق يشرح للهائج جوعا فوائد الفاكهة الخريفية على صحة و سلامة  جهازه البولي. ظل يدعوه بكرم إلى كريات البطيخ الأصفر.   في لحظة  قال الذئب :

- « تقدم يا قنفذ دلنا على أماكن أخرى أنعم فيها بالمزيد من خيرات هذه الضيعة ذات العروش الزاهية ! »

تشجع الصديق "الوفي" و طفق يشمشم و هو يدب بتوأدة  وحذر. كانت الأشواك تخترق خشاش الأرض اليابس و هو يستدل الطريق لصاحبه  بوميض الضوء المنبعث من عين الذئب المسعور. كانت هذه  الليلة الفضية تغري بالصيد و البحث عن فرائس تشفي غليل جوع الذئب و مكر القنفذ السيئ. بعد أن استطلعا المنطقة، اهتدى القنفذ إلى أعظم فاكهة بطيخ توجد بالضيعة. قال للذئب المغفل

- «  صديقي الوفي !  لا يمكنك أن تتصور كم أنا أحبك في فاكهة البطيخ. و حيث إني كذلك في هذه المرتبة من الود معك، فما عليك إلا أن تسعدني  بافتراس هذه البطيخة العجيبة لان الفلاح  يحرصها عليها الحرص كله. »

  تساءل الذئب عن سر علاقة الفلاح بالبطيخة الضخمة. أقسم على أن لا ينهش الهدية إلا بعد أن يعرف سر عناية الفلاح بها. حلت عقدة لسان القنفذ وفقه قوله ثم تساءل مستنكرا :

- «  ألا  تعلم أن الفلاح و قع عقدا مع الأسد كي يهديه هذه البطيخة من دوننا نحن؟؟؟ !!!! »

تشنجت أعصاب الذئب ثم صاح في وجه صديقه

-«  تبا لهذه الفلاح تبا له. البطيخ للأسد؟؟؟  لماذا ؟ لماذا ؟ هل أنيابي أقل حدة من أنياب الأسد؟؟؟ !!!  هل أنا لا أملك معدة تعصر بشكل جيد لب  البطيخ ؟  لماذا ؟ لماذا؟ »

طفق الذئب المصاب بالذهان و العصاب  ينهش الهدية المفترضة للأسد  و هو يغازلها   في حقد و سطو غير رحيم. وجد الفاكهة دسمة و مميزة حجما و مذاقا. قال الذئب

-  «  دلني أيها المخلص و الخادم المطيع و الرفيق الأمين على هذا السر العجيب."

بخفة و دهاء،  قهقه القنفذ الماكر الذي زاد من وهج حرارة جوع  الذئب و تعدد ت مظاهره،  انتقل به الحال من جوع معدته  إلى جوع الغيرة من الأسد و الرغبة من الانتقام منه. أمطرت البطيخة بوابل من الطعنات القاتلة. سقاها بسخاء بلعاب حقده و ضغينته.

عندما أحس القنفذ أن غضب الذئب يزداد شدة. و عندما أيقن أن حجم بالونة  التوتر الذي غزاه  يكاد يتجاوز الحدود. خاف القنفذ من  رفيقه أن يلومه عن غفلته التي أدت إلى  تطور  علاقة المودة بين الفلاح و الأسد ووصلت إلى هذا الحد الذي لا يطاق. اقترب القنفذ من الذئب و همس في حذر شديد في أذن الذئب اليسرى . و قد  كان من عادة القنفذ أن يهمس في أذن الذئب  اليسرى  كلما أحس بأمر جلل على وشك أن يهددهما. في تلك اللحظة التي دنا القنفذ من الذئب من  الجهة اليسرى. صعد على البطيخة النطيحة. انغرست رجلاه في بطنها المبقورة. تبلل بالعطر المتصاعد منها. انتعش مكتفيا بشم رائحة البطيخ  و قاوم الزلة ثم اتكأ على جانب لم ينهشه الذئب بعد. و بالكاد وصل إلى أذن المفترس بدون رحمة و لا هوادة. ظل القنفذ يتظاهر بالارتعاد  عندما غزته حرارة لافحة انبعثت من جسم الذئب. في تلك الأثناء غزته قهقهة تسربت إليه  في غمز  لمز ثم أخفاها في نفسه. تردد القنفذ  قليلا في التصريح بما يحمله من سر و مفاجأة حول طبيعة العلاقة بين الأسد و الفلاح ثم  قال في تأتأة مختلقة:

- « لقد ألب الفلاح علينا الأسد يا صديقي العزيز !!!!! »

ثم أضاف :

- «  الفلاح أوصى الأسد بحراصة الضيعة في الأيام الساخنة. لأنه  مصاب بضغط الدم و داء السكري و لا يقدر على العمل تحت أشعة اللهيب المستطير »

من دموع القنفذ انهمرت دمعة باردة شبيهة بدمعة تمساح. استقرت الدمعة على بطيخة الذئب و اختلطت بطعمها. وجدها الذئب مالحة. زادت من هيجانه و قال لصديقه "المخلص" :

-  «  لا تعبأ بما جرى سوف انتقم لك. »

زادت درجة التهام الذئب للبطيخة المغلوبة على أمرها. ألب عليها كل أنيابه المسلولة مثل سيف عنتر بن شداد.  بدأت تصرخ صراخ عظيما بعدما وصل الذئب إلى لبها. صراخها تبدد كالسراب في بيداء قاحلة. اهتزت له  ضيعات موجودة هناك غير بعيد في الضفة الشمالية من بحيرة محاذية للضيعة المغزوة. سمع  كل بطيخ الضيعة  أنين الصريعة. غزاها  هدوء و سكينة. البطيخ من شدة الوجل، انغرست بإرادتها تحب التراب مثلما تفعل النعامة برأسها كلما أحست بالخطر.  واجهت البطيخة الشهيدة مصيرها بدون منقذ ولا مجير. بينما كان صراخ  الشجب يعلو  من هناك من الضفة الأخرى. صم الفلاح و لم يحرك ساكنا. كان غارقا في شخير اهتزت رقصات الأشباح على نغماته و هي تحيي بلذة حفلة الذئب مع البطيخة الضخمة. بعدما أحس القنفذ أنه نجح في نصب شباك مكره  للذئب صاح مقهقها :

-«  هيا يا صديقي أريني عظمتك و قوتك في التهام الفاكهة الصفراء المستسلمة !!!! »

ثم أضاف كي يطمئنه :

-        « لا تخش نقمة الفلاح و غدره لقد  استسلم لنعاس رافقه شخير نتج عن كثرة الكدح نهارا بالحقل !!!»

كي يزيد من درجة طمأنينة الذئب قال في نبرة همس واثقة :

- «  أما الأسد فقد ذهب في رحلة صيد بعدما زأر زئيرا اهتزت له أركان الضيعة. أ لا تسمع صدى   الزئير وهو يرتطم  بالشعاب العميقة. فهذا الزئير اليائس لن يطارد إلا  الأشباح الملعونة »

زاد تسلل  الذئب إلى عمق البطيخة العظيمة بعدما مدد جسمه مثل فهد كاسر  متربص بغزالة لاهثة تبحث عن مورد ماء تروي بها عطشها الحاد.  كان بطنه ينتفخ رويدا رويدا مثل بالونة يضخ فيها الهواء الساخن . بينما كان الذئب  يتلذذ بحلاوة البطيخ  المسكر من شدة مذاقه، كان القنفذ يسخر منه و يضحك على مصيره المشؤوم. نباهة القنفذ جعلته يتردد على المنفذ الضيق للضيعة يقوم بالمناورة " يأكل بكفاية ثم يقيس ثم يأكل و يقيس"

ظل  يجرب حجم بطنه و يرى مدى تناسبيته مع المنفذ. في الغالب كان يكتفي برائحة البطيخ المنعش.  خشي عدم نفاذه من الممر الضيق عندما تنتهي الجولة. عندما أحس الحيوان الذكي بفراسته أنه أخذ ما يكفيه و ظفر بحلاوة الفاكهة، تسلل إلى خراج  الضيعة و استلقى نائما غير بعيد عن ضيعة الفلاح المغفل. ظل القنفذ يسخر من ذئب  غبي يأكل بنهم من ملك غيره، دون أن يقيس كما فعل هو. ذهبت الحلاوة بحس القنفذ و استسلم لنوم هادئ. انغمس القنفذ السالم في أحلام رأى فيها أن الذئب غرق في بركة من الدماء و هو يطلب النجدة ملوحا بذيله المبتور . انزعج و استيقظ على إيقاع عويل مذو ينبعث من فضاء الضيعة. تسلق  سياج الضيعة مستعينا بالأشواك التي كست جسده في تراص محكم. سأل و هو يسخر

- «  كيف استطعت آن تتسلل إلى هذا المكان الغريب أيها اللعين ؟ » 

- رد عليه الذئب بحذر  « اخفض صوتك يا غبي !! لقد حوصرت بداخل هذه الضيعة البغيضة »

ضحك القنفذ في نبرة تخفي سخريته ثم عقب على الذئب كي يزيد من هيجانه و عصابه

- « الضيعة البغيضة !!   لا بل هي ضيعة كريمة لقد أذاقتنا من طيب حلاوتها و خرجنا منها فكهين،  خاصة مذاق البطيخة الضخمة. كم هو لذيذ ها ها ها ها ها. كم هو منعش ها ها ها ها ها »

بدأ الذئب يتوسل إليه  كي  خفض من  صوته بعدما  أحس بقدوم الفلاح الذي  طفق صراخه المندد يعلو فضاء الضيعة. قال القنفذ ساخرا :

«  الفلاح الكريم ينام ملء جفنه و وصدى زئير الأسد يتولى مهمة طرد الأشباح عن الضيعة حتى لا تغزوها. و لكن يا ذئب ! كم أنت ماكر و مغفل! ماكر لأنك نزلت بجام جوعك و انتقامك على البطيخة الضخمة. و مغفل لأنك لم تهتم لمكري و يقظة الفلاح لأنك لست من سلالة الأشباح ها ها ها ها ها. »

كان الذئب متبرما من حاله. بدأ في تقيؤ كبات من التجشؤ  محاولا إفراغ بطنه. ظل يضرب عليها  بمخالبه . لم تجيده هذه المحاولة نفعا. بطنه ازداد حجما نتيجة انتفاخه. قال متألما :

-«  أغثني يا قنفذ يا صاحبي بالدواء بطني يزداد  انتفاخا مثل بالونة نفخ فيها بالهواء الساخن !! »

سخر منه القنفذ قائلا

-  « هل أنت  بالمعوي الغليظ؟ انتظر سوف احضر لك أمهر طبيب. انه الثعلب المتخصص في جراحة الدجاج. ها ها ها ها ها »

في تلك اللحظة،لاحظ القنفذ أن إيقاع اقتراب  الفلاح  تغير بعدما غزت أنفه رائحة الذئب الخبيثة.  الفلاح بدأ  يسعل سعالا حاد اهتز به قفصه الصدري كاد  آن يقتلع معه أحشائه. الفلاح كان بخيلا حريصا لا يسمح لنفسه بتذوق الفاكهة الصفراء، يكتفي فقط بشم رائحتها. كان معجبا و مغرما بالبطيخة الضخمة. كان ينوي أن يشارك بها في مهرجان يقام سنويا لأحسن بطيخة.

سمع القنفذ بطن الذئب تقرقر من شدة الانتفاخ و بطن الفلاح تغرغر من شدة الجوع. ندب الفلاح حظه مع الذئب الغادر و ظل يصيح كي يستنجد برعاة  الضفة الضفة الأخرى  كي يستعين  بهراواتهم التي تحتوى على براعم يابسة تدمي. سخر القنفذ منهما و قال مع نفسه :

-  «  أنا أحسن منكما وضعا أكلت بكفاية  حتى شبعت  و خرجت سالما غانما رغم ضيق المنفذ  ها ها هاها »

تحرك الفلاح المنهك من شدة السعال. خنقته رائحة الذئب الماكر المغفل. كان يمسك بعصا غليظة بيده اليمنى. أحس الذئب بالخطر يداهمه. لم يقو على الحركة و ظل يتوسل من القنفذ أن يجد له حيلة تمكنه من النجاة من شراسة الفلاح. في خفة،  همس القنفذ في أذن صديقه عن بعد " تظاهر بالموت أيها الغبي كي يرمي بك الفلاح بعيدا"

انبطح الذئب على ظهره  بعدما ازداد بطنه انتفاخا و حبس في ذاته الأنفاس. اقترب الفلاح منه و هو يقول

-  «  و يلك مني يا لئيم و يلك !!! »

عض الذئب لسانه و هو  يحتمل أن الفلاح  سيهوي بضربة قاضية.  تخيل أن جمجمته سوف تنشق إلى نصفين ليتطاير منه مخه ذات اليمين و ذات الشمال. خيل إليه من شدة الوجل أن سربا من النمل الطائر بدأ يغزو جسمه كي يأخذ وبره إلى  جحره . ظل القنفذ يتابع أطوار الجولة. بدأ الفلاح يتحسس جسد الذئب بعصاه بعدما وضع عمامته على أنفه اتقاء لنفسه من جنون الذئاب. في تلك الأثناء، استعمل الحيوان الماكر كل ما لديه من حيل كي يبعد عن خطر الضربة القاضية. انطلقت غرغرة قوية من أمعائه و كاد أن يغمى على الفلاح . ابتعد عنه قليلا و بدأ يفكر في حلية تمكنه من إخراج ما حسبه جيفة من ضيعته  المزينة بالجواهر الصفراء. منها كانت تنبعث رائحة عطرة أبطلت شيئا ما رائحة الذئب الخبيثة. خشي الفلاح  تعفن جثة الجيفة و قرر أن يرمي بها خارج ضيعته.

أمسك الفلاح بذيل الذئب و طفق يلوح به بكل قوة. فجأة سمع القنفذ الذئب و هو يعوي و يندب. اقترب منه مواسيا. وجده منهك القوة و هو ينزف دما من ذيله الذي احتفظ به الفلاح كي يستعلمه سياطا يطارد به الأشباح.