الأدب  ( 1 )

 من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 مختارات قصصية

 

.

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

السندباد

SindbadCafe@yahoogroups.com

 الدرس الأول

قصة قصيرة

الدكتور أحمد يونس

عن السندباد

SindbadCafe@yahoogroups.com  

 

المكان: قـارب لاثـنين وسط بحــيرة الريتيرو في قــلب مدريد. الزمان: أمـسـية ينايرية كتلك التي طالما تمـنيت في طفولتي أن أرسمها على زجاج النوافذ.

المنظر: الشمس، لكي لا تلتوي قدماها ـالواحدة حول الأخرىـ أثناء الرحيل، تلملم أطراف عباءتها التي تشابكت مع قمم أشجار الكــستناء أو الصــنوبر. تلسعها من العرقوب حتى استدارة الردفين أجـهزة صـعـق النمــوس المـثبتة بين الأغصان. بقايا جـليد الليلة المــاضية ينسحب ليتجمع هناك حيث لا يمشي أحد. أعمدة النور ـمن الشارع الرئيسي البعيدـ توبخ الحـمام الذي يسير على الأرض لأنه تأخر في الذهاب إلى الفراش. العصافير المجهدة من طول اللعب، لا تلتزم بالنوتة الموسيقية في أدائها لأغنيات  ما قبل النوم.

 

أتظاهر بأن التجـديف أنهكني إلى حد اللهــاث، فتبرطم هي قليلاً بإنجليزيتها تلك المتأسبنة، ولا تلبث أن تعبر عن قلقها لتوقفنا المفاجئ هكذا بعيداً.

هـي: ما الذي جرى لك؟

أنا: ذراعاي.

هـي: مالهما؟

أنا: سيسقطان من التعب حالاً في الماء. السـمك سيتعشى الليلة على أصابعي التي لا غنى لي عنها في إشعال السجائر.

هـي: خذ بالك. شـركــات التـبـغ ـلو علمت بهذاـ سوف لا تتردد في إغلاق أبوابها من الغد.

أنا: لا تخافي عليها. جفناي لن يتأخرا طويلاً في التدرب على كيفية التعامل مع الكبريت. 

هـي: ما أغـرب هذا المساء!

أنا: لماذا؟ ما الذي يجعله غريباً؟

هـي: لا أدري. شيء ما في الجو يضعه خارج السياق.  

انتابني الإحساس بأننا داخل لوحــة لسيزان. الجميع هناك على اتساع المتنزه يلتمسون البهجة أو الطمأنينة أو الأمل أو السلوى في قربة النبيذ التي تتدلى من هذا الكتف أو ذاك. أو ـربماـ يستعينون بها أيضاً على البرد أو الألم أو الشعـور بلا جدوى الحياة. الأولاد هم عـادة من يحتضنون هذه البـارات الجـلدية المتنقلة. البنات ـفي المقابلـ يحملن حقيبة الساندويتشات أو البارباكيو. مجموعات صغيرة ـبزي موحدـ من عازفي الجيتار يسمونها: لاتونا، تتحرك من نقـطـة إلى أخرى، بينما هي تــردد أثناء السير أغــنيات شــتـائية حزينة.     

وعلى المقاعد الخشبية ـبمحاذاة الممشى الطويل المؤدي إلى المرسىـ يبحث الذين يعانون مــن الوحــدة عن طريقة يفتحون بها موضوعاً للكــلام فيما بينهم. لا أسمع ما يقولونه لبعــد المسافة. وعلى افـتراض أن أذنَي التقطتا الحوارات الثنائية المقتضبة التي تتقاطع بطول أو عرض المتنزه الذي يغدو بالليل كغابة الأشباح، لا فرق. لن أفهـم شيئاً لجهلي التام باللغـة. ومع ذلك، فلقد كانت تلك الأحاديث ـبالرغم من بعــد المسافة أو عائق اللغةـ تتردد داخلي على نـحو ما:

ـتأتي باستمرار إلى هذا الركن. أليس كذلك؟

ـنادراً ما أجد الوقت لأفعل. نادراً جداً. مرتان في اليوم. إلا إذا خف المطر.

متزوج؟

ـأرمل.

ـأوه! آسفة جداً. لم يكن في نيتي أن أحرك عليك المواجع.

ليس هناك في الحقيقة ما يستوجب الاعتذار. حدث هذا منذ لا أذكر كم من السـنين.

ـأنا على العكس.

ـعلى الماذا؟ العكس كيف؟

ـأبداً ما كان لي أحد. أقصد أنني أبداً ما كنت لأحــد.

ـهذا أهـون كثيراً. على الأقل في هذه الحالة لا يشعر الإنسان بالافتقاد، عندما يتغيب فجأة العزيز الذي أدمنه القلب.

ـأو يظل يفتقده طوال العــمر لأنه لا يجيء.  

أقول في نفسي: لا يوجد ما هو أقسى من الغربة سوى الاغتراب.

هـي: فيما تفكر؟

أنا: لن أخــبرك. لا أحب أن تسـيء معلمتي الظـن بي.

هـي: حسناً! لكي نكون عمليين، وقبل أن تسرح مني مرة أخرى، قل لي ماذا نصنع الآن؟

أنا: تلقفي!

أقذف لها بديوان شــعر عليه توقـيع شـخص يدعى: رفائيل ألبيرتي، اشـتريته بالصدفة دون أن أعـرف شيئاً عن المؤلف أو المحتوى.

هـي: ما الذي تقترح أن أفعله بهذا؟ هل ترغب في أن أقرأ لك بعض قصــائده؟

أنا:   ما أريده مـنك فوق كـل ما تتصورين. ما أريده لا يمكن أن يخطر لـك في الحقيقة على بـال.

القفزة السريعة التي انتقلت بها ضـاحـكة لتجلس إلى جواري، جعلت الزورق يهتز بعنف. أدت الطـرطـشـة التي صاحبت هذه الحركة المـباغـتة إلى ابتلال بنطلوني من منتصف الساق حتى توكــة الحزام. وعلى الرغم من أن البـوت الذي ترتديه هي يصل إلى ما دون الركبتين بسنتيمترات قليلة، فلقد طالت قـطرات الماء المتناثرة مسـاحـات أخرى من جسدها تنعم بالدفء تحـت الفستان. لأول مرة في حياتي أكتشف أن الصرخة اللاإرادية التي تصدر عن البشر ـجراء الإحساس بقشـعـريرة البردـ هي نفسها بكل اللغات.    

هـي: كنت متأكدة من أنك عفريت. ملامح الإنسان لا تكذب أبداً. ها أنا ذا! افعل بي ما شئت. هيا! تصـرف على طبيعتك. لا تلتفـت كثيراً إلى اعتراضاتي. لا تأخـذها أصلاً في اعتبارك، ولا مانع أيضاً من بعض الهمجية. لا مانع بالمرة. بالعكس، سيكون هذا مزلزلاً.

أنا: اشرحي لي من فضــلك معنى الكـلمـات الـواردة بأشعار الديوان حتى أضيفها إلى مفرداتي بالإسبانية.

ببطء شديد هذه المرة، عادت إلى مقعدها في مواجهتي.

هـي: صـفر! لا تستحق غيره. بليد! لن تتعلم شيئاً بهذه الطريقة. لا شيء! التلميذ الشاطر هو الذي ينتبه عندما يضرب جـرس الفسحة.

كان هذا هو الدرس الأول. استأنفـت التجديف.