
قصة قصيرة
أسماء غريب
يا وجع
سنينه العجاف و ألم ماضيه البعيد القريب ...سنين عشر، مظلمة، قضاها هناك، بذلك
المكان الرهيب، سجن موحش و متخم برائحة الظلم و الكره القاتم...عنف و قهر يصلب
كل من رمت به أقداره اللعينة بين عفن المكان ونتانة أهله...تهمته؟ النشل...كانت
أصابع يده المتجعدة تمتد إلى كل الجيوب، لم يخجل يوما من ذلك ...كان يقول عن
نفسه و بكل افتخار:
ـ أجل أنا نشال ، وابن ستين نشال، كلب و ابن كلب...هذه الأصابع العوجاء لا تمتد
إلا إلى جيوب الضعفاء مثلي، تبا لها، كم حلمت بأن أسرق جيوب واحد من أولئك
الكبار و لكنهم مساكين، تصوروا، لايركبون الحافلات العمومية و لا يتجولون
بالأسواق البلدية، تبا لهم..
هكذا كان يعبر عن سواد أفكاره، أما حين تسأله عن التوبة و محاسبة النفس فإنه
كان يجيب ضاحكا بفيه تساقطت نصف أسنانه:
ـ التوبة...وما عساكم تفعلون بتوبتي؟ ليبدأ كل واحد بنفسه و لتكن توبتي خارج
هذا المكان البئيس.
و خرج أخيرا عبد الغفار من سجنه بعد عشر سنوات من الحرمان و القهر...لفظه أخيرا
ذاك الباب العريض...لم يكن ينتظره بالخارج أحد ...زوجته و طلقها بإلحاح منها،
أما الأبناء فصبوا على وجوده بحياتهم سائل الأسيتون ليتخلّصوا من كل بصمة
تذكرهم بأبيهم البيولوجي...لم يبق له سوى أن يمضي لحال سبيله وسط هذا الفضاء
الواسع الرهيب ...انقبضت نفسه و ضحك من حاله:
ـ إيه يا أبو الشباب، لم أنت منقبض القلب الآن؟ ألم تكن تنتظر هذا اليوم بفارغ
الصبر...أم أن للحرية طعم أشد مرارة من السجن...أتخيفك الحرية الآن يا عبد
الغفار؟ أيخيفك هذا الفضاء الواسع ...اعبر الطريق إذن..ارم بنفسك في بحر الحياة
الجديدة و انطلق يا عبد الغفار.
لم يكن عبد الغفار يدرك أنه فقد الشعور بالبعد الزمكاني ، بدا كل شيء واسعا
و عريضا و كانت السيارات تعبر الشارع بسرعة البرق. كل هذا بعث في نفسه الخوف من
هذا الخارج الرهيب، كل شيء تغير...عشر سنوات داخل السجن كانت كفيلة بأن تقلب كل
شيء رأسا على عقب خارج أسواره...لم يستطع أن يعبر
الطريق السيار ...ازداد رعبه من السيارات استجمع أنفاسه أخيرا ثم عبر وما إن
وجد نفسه بالطرف الآخر من الطريق حتى أحس بدوار شديد، دوار حرك كل رواسب السنين
العشر المتراكمة بمعدته، حاول أن يتقيأها الآن و لكنه لم يفلح..يبدو أنه حكم
عليه بأن يحمل الماضي فوق كتفيه و إلى الأبد ...استجمع أنفاسه من جديد و حاول
ألا يثير انتباه الناس إليه...و بدأ يمشي الهوينا و لكن حركات الناس من حوله
كانت سريعة جدا، انتابه الدوار من جديد ...تساءل عن سبب جري الناس ، ربما كان
هو الوحيد الذي يمشي على مهل بينما يجري الآخرون، ربما؟ جلس فوق حاشية الرصيف
بينما استمر الناس في الجري بل كان منهم من يكلم نفسه...راعه الأمر و خشي على
نفسه من الجنون:
ـ شيء مريع هذا الذي يجري هنا، خارج أسوار السجن...لم أصبح كل هؤلاء الناس
يكلمون روحهم...لم جُنّ الناس يا عالم...أهكذا تفعل الحرية بعقول
الناس...أتجننهم؟
سترك يارب بالعباد...لا لا يارب، علي أن أشكر رجال الشرطة أكثر من مرة، بل ألف
مرة ...هم حقا رموا بي داخل السجن و لكنهم لم يعووا مدى نبل المعروف الذي أسدوه
لي...على الأقل لم أبق بالخارج فأصاب بالجنون كما حدث لهؤلاء المساكين...غريب
أمرهم و الله.
وبينما هو كذلك ، إذا به يلمح أحدا من أصدقاء الزمن الماضي مارا بنفس الشارع
الذي كان يجلس فوق رصيفه... كان يكلم نفسه هو الآخر...تألم لذلك المنظر شديد
الألم، نهض مسرعا من مكانه و استوقف صديقه الذي لم يتعرف عليه إلا بعد جهد
جهيد:
ـ ألا تذكرني يا حسن، أنا عبد الغفار، صديقك القديم...طبعا مرت عشر سنوات ...
لايمكنك أن تتذكرني ـ ثم أنك ياحول الله جننت يامسكين، كيف لك أن تتذكرني؟ـ همس
في نفسه. أنا عبد الغفار كم نشلنا معا...غفر الله لك و لي.
آه، إنك أنت ياعبد الغفار...حبيب عمري، كيف حالك؟ متى خرجت من السجن؟ كيف لي أن
أنساك؟ أنت، لا طبعا و لكن أيام النشل نعم، على العموم مضت لحالها، لا أرجعها
الله.
ـ خرجت قبل ساعة، أنت أول إنسان ألتقيه يا حسن.
ـ مسكين ...أكيد أنت متعب ...وربما تحتاج لشيء من الراحة، ما رأيك لو نلتقي
الأسبوع المقبل؟
أنا الآن مشاغلي كثيرة...وجدت شغلا شريفا، سترني و ستر عائلتي الصغيرة و لا
أرغب في أن يكون لدي أي صلة بالماضي...
ـ فهمت يا حسن ما ترمي التلميح إليه، أتفهم موقفك كما تفهمت سابقا موقف زوجتي و
أبنائي..لن أزعجك بعد اليوم و لكن هل لك أن تحل لي لغزا حيرني منذ أن لفظتني
أسوار السجن...لم جُنّ الناس يا أخي؟ لم أصبح الناس يكلمون أرواحهم بأعلى
أصواتهم في الشارع، أنت أيضا كنت تفعل الشيء ذاته و لكن لا يبدو عليك أنك جننت،
ما الذي حصل بالدنيا يا حسن؟ هل الحرية تُجنّن؟
قهقه حسن عاليا و ربت على كتفي عبد الغفار...
ـ نعم يا أخي الحرية تُجنّن...الحرية تدفع إلى الاختراع و أحرار الناس اخترعوا
لنا هذا الجهاز الذي يسمونه اليوم "سماع الرأس" الذي نوصله إلى الهاتف النقال
فيغنينا عن الانشغال بالمكالمة الهاتفية و خاصة أثناء قيادة السيارة...لذا أصبح
منظرنا يبدو مضحكا و مقلقا في الوقت ذاته، نبدو كالمجانين أليس كذلك؟ طبعا لم
تتمكن من تتبع تغيرات المجتمع و أنت داخل السجن...حدثت أشياء كثيرة و رحلة
اكتشافك و تعودك على كل ما جد في غيابك عن الخارج ستكون طويلة و متعبة...المهم،
علي أن أذهب الآن، لقد تأخرت ...أنتظرك الأسبوع القادم.
مسح عبد الغفار، دموع ضحكه من الأمر ...ودّع حسن و كله يقين بأنه لن يراه بعد
اليوم..مضى هو الآخر لحال سبيله و هو يردد : الحرية تُجنّن...تُجنّن
يااااعااالـــــــــــم.