الأدب  ( 1 )

 صفحات خاصة

كُتاب : قصة - شعر - مقال - نقد

أنـّوسة

قصة

أسماء غريب

 

            كانت بالمطبخ منهمكة في تحضير وجبة العشاء ، حينما تناهى إليها صوته وسط ضجيج التلفاز:

ـ لا تكلفي نفسك عناء الطبخ يا أمي ، لأني سأتعشى بالخارج رفقة أصدقائي...يحق لي بعد عناء الدرس و التحصيل و حصولي أخيرا على الدكتوراه أن أروح عن نفسي يا "أنّوسة" أم لك قول آخر يا أمي  "الحبوبة"؟

التفتت إليه، هالها شبابه، وسامته و بريق عينيه الأخاذ و بحركة آلية اطفأت جهاز التلفاز :

ـ ما شاء الله عليك يانور العين ....إلهي يحفظك من شر كل عين لا تصلي على النبي، اللهم صل و سلم على سيدنا محمد.

ثم بدأت كعادتها تقرأ عليه المعوذات محصنة إياه من الرأس إلى أخمص القدم، أما هو فكان كعادته يرخي عضلات جسده في دلال طفولي و يترك لأصابع والدته المباركة المرور بكافة جسمه و غالبا ما كان يأخذ يدها و يقبلها ثم يمررها بحنو على رأسه و يهتف بها راجيا إياها أن تحصنه بسورة الإخلاص.

ـ قلت يا حبيبي أنك ستذهب للعشاء مع الأصدقاء...نعم يا نور عيني، المهم هو ألا تتأخر في العودة...صحبتك السلامة إذن.

خرج و تركها سابحة في أفكارها...كانت كثيرا ما تضحك لهذا الاسم اللذيذ الذي يناديها به: "أنّوسة" كان يقول لها ضاحكا أنت تشبهين فاكهة الأناناس يا ماما، قامتك قصيرة و جسمك ممتلئ ، ثم أنك عسل جدا جدا كالأناناسة ..ههه ههه ...كم كانت تتمنى لو يصادف ابنها يوما ما شريكة عمره هناك بالكلية حيث حصل على دكتوراه و حيث بدأ العمل كمهندس إعلاميات نظرا لشدة تفوقه و ذكاءه...كم كانت تنتظر تلك اللحظة التي يدخل فيها البيت و يقدم لها حبيبته التي اختارها قلبه ....و كم كان يرقص قلبها فرحا و حبا لأحفاد لم يرووا الوجود بعد، أحفاد يغرقون حياتها حيوية و مشاكسات لذيذة و يعوضونها و ابنها سنين الوحدة التي عاشاها معا بعد وفاة زوجها زكرياء...انتبهت إلى الأكل الموضوع فوق المائدة ...الصحون مازالت كما هي ، لم تتعش كعادتها في كل مرة يغيب فيها ابنها خالد عن البيت...اطفأت نور المطبخ وقصدت غرفة نومها بالطابق العلوي  لتنتظر عودته...وفي كل مرة كانت تسمع فيها صوتا ما كانت تظنه صوت مفاتيح خالد أو صوت وقع أقدامه على بلاط البهو ...طال الانتظار وغفت عيناها دون شعور منها ولم تفق إلا على صوت طرقات عنيفة بباب المنزل...قفزت مذعورة من سريرها...ألقت نظرة خاطفة على الساعة الحائطية و إذا بها تشير إلى الثانية صباحا، صعد الدم حارا إلى رأسها ...اعتصر قلبها ألم شديد، تذكرت غياب خالد...ثم هبت مسرعة إلى الطابق السفلي:

ـ من ...من الطارق؟

نظرت عبر عدسة الباب السحرية و إذا بها ترى شبانا في عمر ابنها يحملون خالدا بين أيديهم...فتحت الباب و هوت على ابنها الذي كان عاريا إلا من ثوب غطّيت به عورته و صرخت:

ـ ما الذي حدث ؟ ما بك يا عمري...آه آآآ؟

أجاب أحدهم:

ـ أنا يا "حاجّة" كنت من ضمن الحضور في سهرة العشاء، في حقيقة الأمر لا تجمعني و إياه علاقة وطيدة و لكني أعرف أنه المهندس الإعلامي الوحيد الذي تم تعينه مباشرة بعد تخرجه ولقد دهشت و باقي الرفاق حينما  وجدناه هكذا مرميا بالشارع عاريا ..بعضهم يقول أنه قد أصابته أزمة هستيرية حادة بدأ يصرخ على إثرها كالمجنون ، ثم مزق كل ملابسه وكان لا يترك أحد الاقتراب منه، كان يريد فقط رؤية والده أظن أن اسمه زكرياء.

ثم نطق الثاني هامسا:

ـ سمعت أحدهم يقول أن أحدا من الحاقدين و الغيورين من تفوقه  دس له خلال سهرة العشاء  كمية هائلة من مخدر فتاك ذهب بعقله فبدأ يصرخ كالمجنون و مزق ثيابه و كسر كل شيء كانت تجده يداه.

شرخ قلب السماء صراخ أنّوسة و بدأت تنوح لصوتها أولى خيوط فجر هذا اليوم الأليم ...جرّت ذبيح الغدر داخل غرفته ...اتصلت بالشرطة و بلغتها بكل شيء...و أخذت الشرطة مباشرة أٌقوال جميع من كان هناك بسهرة عشاء خالد الأخير و ظل البحث و التحري بعدها مفتوحا لأزيد من خمس سنوات و قيدت القضية في نهاية الأمر ضد مجهول...أما الأطباء فنصحوا الأم المكلومة بأن تقفل على وحيدها في أحد المصحات العقلية لخطورة حالته و عنف ردات فعله و لكن أنّوسة فضلت أن تقفل عليه داخل غرفته بعد أن أفرغتها من كل محتوياتها لأن يدي خالد كانت تمزق و تكسر كل ما تجده أمامها، أما عن الأكل فكانت تمده به فقط بالليل حينما كان يخلد إلى النوم.

بقي خالد على هذا الحال المريع و المغرق في التراجيديا إلى أن فتحت الأم باب غرفته في إحدى الليالي  لتزوده بغطاء آخر بدلا عن ذاك الذي أحاله إربا لتجده جثة هامدة... أجل توقف قلبه عن النبض و توقفت يداه عن تمزيق ما حوله...رحل خالد إلى حيث لا غدر و لا خيانة و لم يترك لأمه سوى ذاك الإسم اللطيف "أنّوسة" و أحلام شباب مخنوقة و مصلوبة على أخشاب من الخيانة و الألم.

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات