
قصة قصيرة
بقلم : سليمان نزال
عائداً
من جرح المدينة إلى جرح الصمت..أصعدُ درجات الشتات..أصلُ
الشرنقة..أ قفُ على عتباتها..أُدخلُ يدي في جيبِ سترتي
الزيتونية, بحثاً عن مفتاح..أكتشفُ ضياعه في طريق..يكتشفُ
القلق حيرتي..أضرب الباب بقبضتي الغاضبة..ثم أركله
بقدمي..ضربات متلاحقة..يتهمني جاري التركي بالإزعاج..أشرحُ له
المشكلة..يأتي معي..يجرب مفاتيحه..باب الشرنقة لا
يستجيب..أتراجعُ إلى الوراء قليلا..ثم أهجم بكامل حزني و جسدي,
على باب الشرنقة الثلجية مندفعاً..ألجُ دائرةَ المؤقت في منزلٍ
بعيد كئيب..أرتمي على مقعد برتقالي..أنظرُ في صور خالدة على
الجدران..أحدقُ في صورةِ المسجدِ السجين..
تائهاً,
أجلس أترقبُ عواصفَ إنتظاري..متنقلاً بين ظلال الوقت المُهجّر
و نسيج فكرة تعادني.. و لا تأتي..أجوبُ قاعةَ الهمِّ ذهاباً و
إياباً و لا تأتي..أتخيّلُ حزمة من سنابل تفتش في الغربة عن
جبيني, أتخيلني أكتب شيئاً و ألمس أعطافَ و شناشيل البدايات..
بأصابعي..تتقدم مني مواسم من فرح و كبرياء..أراها تمرُّ
بأضلاعي..دفقات من شذا الرجوع..أمشي على طريق مضاءة من
الجانبين..أتحسسُ قلبَ الحكاية..أشعرُ أني إمتلكتُ مفاتيحَ
البوح..أبصرها تتوهج على الأغصان..على البيادر..أحملُ بيدي
حفنة قمح, أجدها ثقيلة..يتبين لي أنها تحتوي على بضعة مفاتيح
ملونة..تتوهج.
أخرجُ
من طقوس أعالي الزفير..تتفرق دهشتي أسرارا, أهاجم المسافات
بالصبر..أتحرك, أصحو, أتماسكُ, أعرفُ وجهتي, أطمئن على حالةِ
السنديان, أقودُ صوتي إلى مهاد الأعراس و الجذور الباقية.
المفاتيح ذهبية..تصدر عنها
إبتسامات ذهبية..يستقبلها بريد الحقول..يوزعها على الناس و
المواعيد و الأشجار.
تدنو منها..تدلكَ على
الصهيل..تشيرُ إلى الأبوابِ الكثيرةِ, تعرف بابك..آلاف آلاف
الأيدي و حشود..ممسكة بمفاتيحها..
*
"المفاتيح"
.. عنوان موحٍ ومختزل ورمزى
"السرد"
.. جاء مناسبا تماما فى
المرحلتين.. مرحلة الغربة والضياع والإقامة الجبرية فى أرض
ليست وطنا.. حيث استخدمت
الألوان لتوظف توظيفا عكسيا.. رغبة من الكاتب فى أن يقول انه
رغم جمال المكان ورغم
تجهيزاته المتطورة ورغم ألوانه الزاهية .. إلا انه موحش ..
كئيب.. باهت، فى حين أن
المرحلة التالية فى السرد.. مرحلة العودة.. ورغم اختفاء
الألوان.. إلا أن البهجة
شاعت والحيوية تدفقت والحياة انطلقت تسرى فى النفوس.. وكأن
الماتب أراد أن يقول لنا
انه السعادة ليست شكلا وإنما هى إحساس داخلى
"
اللغة" أيضا وظفت توظيفا
خادما للفكرة والتناول فجاءت معبرة ودالة ودافعة للنص نحو عقل
القارئ وقلبه.. على
سبيل المثال لا الحصر.. تشبيه مقر الإقامة فى الغربة
بـ"الشرنقة" تشبيه أكثر من
رائع.. خاصة إذا عرفنا أن التشرنق فى حياة الكائن ما هو إلا
أحد أطوار نموه.. حيث
يكمن فيها قليلا ثم يخرج منها فى طور آخر استكمالا لحياته..
إذن فالشرنقة هنا ليست
مجرد لفظة عشوائية.. وإنما هى حالة راهنة مبشرة بمستقبل قادم
وحياة
مستمرة..
أيضا كلمات : الوقت المهجر، دائرة المؤقت، شذا الرجوع، أهاجم
المسافات
بالصبر..... أليست كل هذه الكلمات والتعبيرات إرهاصات بعودة
كامنة لا تتزحزح من
نفوس أحباء الوطن.. أليست تبشيرا بطور آخر من أطوار الحياة
قادم لا محالة
؟

* سليمان نزال..
أنت قاص تعدو نحو القمة..
وليتك تمنح القصة جل وقتك..
ففيها أنت خلاق ومجدد ومتميز جدا .. وبحق
نجلاء محرم
*
أخي القاص الشاعر الجميل / سليمات نزال
دائماً هو المفتاح الذي يتعدى صوره
المحسوسة المتعارف عليها ، لينهمر في الوجدان الفلسطيني دلالات
و هموم أخرى قل أن
تجد لها نظيراً عند الآخرين
.
المفتاح هو البيت المغتصب ، و جع التهجير ، الأمن
المفقود و هو في الوقت ذاتة الإصرار على البقاء و الامتداد
بنوافير التحدي من جيل
إلى جيل ، فإذا كان العدو قد سبى البيت و استلبه فإنه لن
يستطيع استلاب المفتاح
الباقي رمزاً للحلم المأمول الدي لم يفقد سخونة مواسم الفرح و
الكبرياء.
عبر لغة
شاعرية ساخنة متحررة من أختام الصيغ الرطبة يقدم لنا ( سليمان
نزال) قصة الميلاد
الممتدة من متاهات الضياع حين يكتشف بطله غياب مفتاح بيت
الغربة المفعم ضيقاً و
شرنقة و كآبة ، لتتداعى في ذهنه آلاف الأيدي الحاشدة الممسكة
بمفاتيح تنتظر يوم
الرجوع إلى مهاد الأعراس ومواسم الفرح و الكبرياء و الجذور
الباقية
.
قصة
(المفتاح)
قطعة فنية متميزة تعتمد الاقتصاد في اللغة ، مسلحة بأساليب
حديثة قادرة
على الكشف و النفاذ من أدق دلالات المرحلة
.
سليمان عندما يستدعي المفتاح لا
يستدعي كائناً هاجعاً مرمياً ، و إنما يستدعي ذاكرة حاضرة
نابضة بالناس و المواعيد
و الأشجار حيث بيتك الذي لم و لن يغادر الوجدان مهما تتابعت
السنون
.
أخي الأديب
الرائع سليمان
:
لتبق حروفك مفاتيح تمتد من متاهات الغربة إلى لحظات الفرح و
الاكتمال ، و تقبلوا تحياتي
.
زكي العيلة
* سليمان
المفتاح و جيوش
المفاتيح تلك المعلقة في صدر جدتي
و صدر كل حبة رمل
في وطني
ستبقى رمزا أبديا
لوطن جميل
سنعود اليه
حاملين مع مفاتيحنا
كل ذكريات جدتي
الفلسطينية الرائعة
سنتوقف على قبرها
و تقول لها
هاهو حلمك قد
تحقق
لن ننسى بيتا
أغتيل بالحقد
و سنبقى ابدا
نحمل الحلم و نرسم خارطة الوطن
دمت مشرقا
محمد رمضان