|

عن الواحة
المسألة وما فيها أن عاكف
أفندي الموظف بقلم الحسابات في ديوان عام وزارة المالية طقت في رأسه فكرة أن
يغير نمط حياته و يخرج من جلده القديم، فربما يتغير به الحال بعد أن حاصرته
المشاكل، وطاردته المتاعب في عمله ، حتى أنه فكر في أن يزج بنفسه في مستشفى
المجانين ، فزوجته متسلطة ، ورؤساء العمل لا يعطونه ما له من حقوق .
والحقيقة أن عاكف المتولي بصل رجل روتيني ، يقدس الحياة الوظيفية ، ويعرف قيمة
الحكومة ، ويحترم لوائحها ، ويفهم في الدرجة ، والمربوط ، والعلاوة ، ولا تشغله
في الكون غير مصلحة بيته ، وزوجته نظلة تمشيه على الصراط المستقيم، وتشطـّـب
على جيوبه أولا بأول ، وهو مطيع ، لا يكسر لها أمرا ، حتى لو قالت له أن الشمس
تطلع من الغرب ، وتغرب من الشرق ، فهي على حق ، إذ أن عصاها ناشفة ، وهي التي
تقود دفة الحياة ، وتستولي على ماهيته حتى آخر مليم ، وهو عارف بفضلها ، مدرك
أن الله قد أرسلها من لدنه لتتولى تدبير أمره ، وإلا ضاع في خضم الحياة بمرتبه
الذي لا يتجاوز مع الحوافز ، والوقت الإضافي أكثر من مائتي جنيه وبضعة قروش .
لكن هاجسا ظل يزحف نحوه في الظلمة ، من ذهنه إلى روحه ، ومن روحه إلى جسده ،
فتمرد على النوم ، وضعضعه القلق ، فقام من حجرته ، وأطل على الأولاد : بنتان ،
وولد شقي ظريف هو آخر العنقود ، ونظلة عندما تحمل هذا الولد بالذات تهدهده ،
وتنغم صوتها ، وتغني : آخر العنقود سكر معقود .
هو لا يعرف كنه هذا الشيء الذي راح يشك بدنه، ويطلب منه أن يتحرك ، ويتخلى عن
سلبيته ، ويشعره برجولته . دخل حجرة الصالون ، فتح النور ، وواجه نفسه في
المرآة ، كانت ملامحه الأليفة هي هي ، وتجاعيد جبهته التي تكاثرت من هم البيت
ومتاعب الشغل ، وقلة ذات اليد بدون أي تغيير .
ومضت في ذهنه فكرة أن يحلق شاربه ، نعم مجرد تغيير ، من هنا قد يأتي التحول ،
ألم يسمع منذ زمن بعيد عبارة صكها الناس ، وهي تقفز أمامه الآن وتستولي على
انتباهه ، وتهزه بعنف " تفرج على أهون سبب " ، وبالفعل أمسك المقص ، وجز الشعر
الأسود الكثيف الذي يعتلي شفته العليا ، وأكمل على البقية بماكينة الحلاقة ، ثم
غسل وجهه مرتين ، وعاد يتأمل السحنة ، وجد شخصا آخر تماما . شخص بشوش يضحك ،
ويشرق وجهه بغمازتين خفيفتين لم يكن يراهما من قبل .
في البداية أنكر نفسه ، ولكنه ما لبث أن صرخ بحذر في صورته المنعكسة : هذا أفضل
، والبداية تبدأ من الشكل ، ثم تسري في المضمون .
عاكف أفندي المتولي بصل الذي يحرص كل صباح على أن ينزل بالسلطانية ليشتري الفول
المدمس المقدس ، والكباب الوطني الملقب خطأ بالطعمية ، رأى أن يحضر اليوم
أصنافا جديدة ، فارتدى بيجامته المقلمة ، ونزل إلى قلب السوق .
ابتاع بيضا وبسطرمة ومربى ، وقالبا كاملا من الزبدة ، وبدلا من العيش الأسود
الذي يـُـضرب به الكافر فيسلم على الفور ، غيـّــره بالعيش الأبيض الفينو في
كيس أنيق من السولفان .
صعد قبل أن تصحو زوجته فتوبخه على ما فعل ، وانتزع قميصا أحمر كان يخشى أن
يرتديه فيما سبق من أيام ، وبنطلونا له فتلة لامعة من القصب ، كانت منيرة أخته
قد جاءت به له من " دبي " ، وفك الزرار العلوي للقميص فبانت بعض شعيرات صدره
التي لها خليط عجيب من الأبيض الخجول بالأسود الجسور ، وبدأ في إعداد كوب الشاي
، وبينما هو ينتظر غليان الماء في البراد دخلت زوجته المطبخ ، فاستدار ليقول
لها : صباح الخير ، وهو نادرا ما يفعل ، فصرخت بعزم ما فيها من قوة : يامصيبتي
، حرامي .. حرامي .
وضع يده على فمها بقوة لم يألفها ، وهمس في أذنها أن الحرامي عادة لا يدخل
المطبخ ليعمل شايا ، بل يكتفي بحمل ما خف وزنه وغلا ثمنه ، ثم يلوذ بالفرار ،
وقتها كانت تتأمل وجهه، فعرفت أنه بعلها ، صرخت فيه غاضبة : أيه اللي عمل فيك
كده يامنيل؟
والمنيل الذي تعود الإهانة، وجد يده تسرع ، وتصفعها صفعة خفيفةعلى وجهها ،
لكنها حاسمة للتحذير أن أيام الفوضى والتسيب قد انتهى عهدها ، وأن كائنا جديدا
قد بُـعث من العدم ، وأمرها بحسم لم تعهده فيه أن تجهز الإفطار لأنه سينزل
اليوم مبكرا .
انكمشت نظلة لثوان ثم انسحبت إلى المطبخ ، وأدارت مؤشر الراديو على القرآن
الكريم ، لعله يصرف الشياطين ، ويقصر الشر، ورأته قد جلس واضعا ساقا على ساق ،
يقرأ جريدة الصباح باهتمام شديد ، وكلما قرأ خبر ملفتا قهقه ضاحكا ، وضرب كفا
بكف .
في الأحوال العادية كان عليها أن تشخط فيه وتخبره أن الأولاد نائمين ، وعليه أن
يضع حصوة ملح في عينه وينكتم ، لكنها تحسست مكان الصفعة ، ورأت أن تبعد عن الشر
وتغني له ، وحالما فتحت القراطيس ، ورأت المربي والزبدة ، والبيض والبسطرمة ،
مع غياب مؤكد للفول والطعمية تأكدت أن مسا ً قد أصاب الرجل ، واسترجعت أيام جاء
ليخطبها ، لقد حذرها ابن عمها الأستاذ مأمون مدرس العلوم الذي كان يريدها لنفسه
أن عائلتهم فيها عرق طاقق ، يظهر عند اللزوم ، وهي سألت في العمل ، واستفسرت
كثيرا ، فعرفت أن عاكف رجل ملتزم ، لا يدخن السجائر، و حتى الشاي لا يجسر أن
يشربه في مقهى .
إنه شديد الانضباط ، وقد قبلته لسبب وحيد هو أنها تأكدت أن شخصيتها الطاغية
ستجعلها في وضع مميز لا يحلم به أحد ، وسوف تركبه كما تفعل أمها الباطشة مع
المحروس أبيها بدون أن يبدي المسكين سأمة أو نأمة ، كل ما يمكنه أن يفعله ، هو
أن يهز رأسه في استكانة : الصبر جميل .
أقتربت بصينية الشاي الفضية التي لا تخرجها لغير الضيوف ، وضعت الغموس في أطباق
"الأكروبال " التي أخفتها منذ يوم دخلتها ، وسألته في استعطاف : عايز حاجة
تانية يا أخويا ؟
نظر إليها من فوق إلى تحت ، وتأمل شكلها الرث ، نهرها : أيه الهلاهيل اللي أنت
لابساها دي ؟ روحي إلبسي هدوم عليها القيمة .
تسللت إلى حجرتهما المشتركة ، وعادت بطاقم جديد كانت قد ادخرته لأيام مفترجة ،
ودخلت الحمام ، تحممت ، ودعكت جسدها بالليفة ، فصعدت الرائحة العطرة للصابونة
اللوكس ،وملأت نخاشيشها ، أحست أنها تستمتع لأول مرة بالصباح. صحيح أنها في
الإجازة الصيفية ، وعملها كمدرسة فلسفة يتيح لها قدرا ً من الحرية في التزويغ
من دفاتر الحضور والانصراف ، ولا عمل عندها اليوم ، لكن ما المانع أن تتجمل في
الصباح ؟ هل كتب على بني جنسها أن يقتصر تجملهم في الهزيع الأخير من الليل ؟
مشطت شعرها ، وضعت بودرة خفيفة على الوجنتين ، زججت الحاجبين ، ومررت بفرشاة
الرميل أسفل الجفنين لتتحول السمرة الشاحبة إلى اخضرار فاتن .
دهشت أن رأت عروسا في أكمل زينتها ، حتى أنها كادت تمسح ما فعلت بوجهها ليصبح
غريبا ، صبوحا إلا أن صوته عصف بأفكارها : أنت يا ست نظلة ، تعال افطري وبطلي
تضييع وقت !
كان صوته خشنا على غير العادة ، حتى أنها فطنت إلى أنها لو تأخرت نصف دقيقة
فسيكون في ذلك دمارها . سحبت كرسيا ، وجلست كتلميذة مستجدة في أولى روضة ،
وبنظرة خاطفة تأملها ، وصرخ في نفسه : يخرب بيتك يانظلة ، ومخبية السحر ده فين
؟
لكنه جمد قلبه ، وقال في لهجة تجمع بين الأمر والتحذير إن هي وضعت العراقيل :
اليوم هناكل محشي . أيوه محشي ورق عنب ، وكمان فلافلة . أرجع من الشغل ألا قي
الأكل جاهز .
تأملت النافذة نصف المغلقة ، والشمس تستقر بشعاعها الدافيء عليها : وماله
المحشي .
قبل أسبوعين طلب منها ذلك ، فولولت ،وندبت حظها ، وأبانت عن تعاستها التي لم
تكن تستحقها . قالت له بالعين المفنجلة : صحتي لا تسمح ، ولو عايز باذنجان ..
تعالي قوره حضرتك ، واحشيه .
في هذه المرة سكتت تماما ، ولما ساد الصمت لحظات، افتعلت ضحكة ،جاءت هزيلة
ومتذبذبة ، أضافت وهي تتلمس تأثير كلامها : ده حتى المحشي في الصيف مفيد للجسم
.
أمرها أن تلـّـمع له الحذاء فهو في عجلة من أمره ، ولأنها تأكدت أن عفريتا قد
ركبه ، ومستحيل أن ينزل من فوق كتفيه حتى لو دقوا له الطبل البلدي ، فعليها أن
تطاوعه .
أسرعت بإحضار حق الورنيش والفرشاة ،وجلست القرفصاء ، تلمعه بهمة وإخلاص ، ثم
انحنت راكعة ودسته في قدميه بلطف مبالغ فيه ، وهي تكلم نفسها : والله عفريت ابن
حلال ، خلاك راجل صحيح ، بقيت وسيم ، وعليك القيمة !
يبدو أن بعض حروف تسربت من بين شفتيها لأنه سألها ، وهو يأمرها أن تحكم رباط
الحذاء : بتقولي أيه يانظلة . فيه حاجة ؟
هذه المرة ، وجدت في نفسها الشجاعة لتخبره أن شكله قد صار أجمل ، وأن شاربه
ربما كان السبب في تأخر العلاوة ، وعدم ترقيته في قلم الحسابات ، فبعض الناس
نجمهم خفيف ، وربما تكون أشكالهم ، وسحنتهم هي السبب في عدم الحصول على حقوقهم
كاملة ، غير منقوصة ، وذكرته أن يعود الظهر بالبخور الجاوي لتبخر البيت من عيون
الحساد .
أشاح بيده ، وسألها كأنه يستجوب متهما : باقي كام من المصروف يا ست أنت ؟
لم تبك حظها السيء ، وميلة بختها هذه المرة ، لكنها وبخت نفسها لأنها أمسكت
يدها أول الشهر أكثر من اللازم ، وأخبرته أن المانجو طلعت ، وستعطيه عشرين
جنيها كاملة ليشتري كيلوجرامين ، ولا ما نع من بعض التين البرشومي .
نهرها وهو يغادر : صنف واحد يامجنونة ، تين ولا مانجو ؟
تابعته وهو ينزل السلم ، أمسكت بالدرابزين ، وهي تكاد تطير من الفرح : مانجو
ياسي عاكف .. مانجو .
رمقها قبل أن يختفي وراء السقف الواطيء ، وأمرها أن تدخل شقتها وتغلق الباب من
خلفها ، وفي نفسه قال : هل هذه هي نظلة ؟
كانت تبدو غريبة في شكلها ، وسلوكها ، بل في غنجها ودلالها ، وهي تودعه : مع
السلامة ياروحي ، ما تتأخرش !
سأل نفسه ، وهو لا يكاد يصدق : روحي .. غريبة !
وطوح برأسه إلى الخلف ، وقد دبت في جسده فتوة لم يعهدها : كل ده علشان شلت
الشنب ؟
ثم اندفع على محطة الأتوبيس ، ولم يأبه بالزحام ، فقد شعر أن شيئا جديدا يتخلق
، وأنه قد تحرر من شيء ثقيل لا يعرفه ، وأحس بأن الحياة تستحق أن تعاش بلا
شكاوى ، ولا لوم ، ولا تأنيب ذات .
أما نظلة ، فقد عادت إلى الصالون ، وحدقت في المرآة الجميلة التي تواجهها ،
وقالت في نفسها : قمر والله قمر .. صحيح يستاهلني !! |