تقاطعات الوهم والواقع
قصة : د. مصطفى عبد العال
كاتب مصري - لندن - انكلترا
mostafaabdelaal@hotmail.com
عن : دار صوت بلادي
http://www.voiceofbelady.com
لاننا نعيش زمنا لا نستطيع فيه ان نعرف ان كان ما نعيشه حقيقة ام وهم وهل
حقا وصلنا الي هذا الدرك ام انه مجرد كابوس سوف نستيقظ منه لنري انفسنا مثل
كل البشر نعيش في اوطان نرعاها وترعانا نشعر بالحماية داخلها وتشعر اننا
نحميها ام ان فكرة الاستيقاظ هذه ليست الا وهما كبيرا نمنع انفسنا من
خلالها ان ننظر لفداحة مايحدث لنا ,ايا كانت الحقيقة وايا كان الوهم هذه
السطور رويت لنا دون ان نتمكن من تمحيص الوهم والحقيقة فيها, اردنا ان
ننقلها اليكم عل يوم يأتي علينا جميعا نعرف هل ما نعيشه كابوس وهل نحن نيام
ام مخدرون ام ان الواقع اسوأ مما نستطيع احتماله, في كل الاحوال هذه هي
الرواية كما وصلتني ولا ادعي ان لدي اي اجابة علي اي اسئلة مثل اين ومتي
وكيف حدث ما حدث؟
اما ان كان لدي احد اجابة فعله يذكرها, علنا نعرف هل نحن نيام ام مستقيظون
وهل انتم تقرؤون وتكتبون ام انكم مجرد خيالات.
اقتادونا من المظاهرة الي المخفر كانت ملابسي قد تمزقت من الشد والجذب
عندما قبضوا علينا, و وبالرغم من ان لحظات القبض علينا من وسط الحشود لم
تحفل الا ببعض اللكمات السريعة, حتي نصعد الي السيارة الا اننا عندما وطأت
اقدامنا ارض المخفر, بدأت الصفعات تتوالي بشكل سريع كما لو انهم شعروا اننا
الان بعيدين عن كل العيون وان كل هذه العيون الشاخصة الينا في المخفر هي
لأناس اخرين لايمكن ان يتأسوا لما يحدث لنا وبنا, اوقفونا ملاصقين للحائط
انتظارا للعرض, تصورت ان العرض يعني ذهابنا الي قاضي التحقيقات لكنني كنت
مخطئا فالعرض كان علي حشمت باشا الذي لا اعرف هل هو مدير المخفر ام مسؤول
المباحث, فالجميع كانوا ينادونه سعادة الباشا كان اشقرا شديد الاناقة,
لدرجة انه كان كنغمة نشاز وسط هذا الهرج والمرج والقذارة التي تحيط بنا من
كل جانب, يبدو ان نظراتي نحوه استرعت انتباهه فاذ به يصرخ في وجهي :
- اتريد ان تلعب دور المناضل يا ابن العاهره ؟
اصابني ذهول فما كنت اتخيل انه قادر علي نطق هذه الالفاظ بهذه السوقية فلم
ارد ، فبادرني:
- انت ياعرص الا تسمعني؟
اجبت : - نعم.
- سألتك ياروح امك هل تلعب دور المناضل؟
اجبت : - ابدا ياسيدي كنت فقط اعبر عن مافي صدورنا جميعا لان.......
وقبل ان اكمل فوجئت بصفعة مدوية علي وجهي جعلت اذني تصاب بصمم لحظي الاانني
سمعته يقول :
- صدورنا؟! وماذا عن صدر امك؟
لم اعرف ماذا اقول ويبدو ان هذا استفزه اكثر فصاح اخبرني ياحيوان اهو صغير
صدر امك ام كبير؟ ياسيدي انا اردت ان اقول, ثم تلعثمت فاذ به يصيح :
- عامل مناضل ولاتعرف ان تقول جملتين على بعضهما ؟
وضحك, اردت ان اضحك حتي اقلل من عدوانيته ولكني لم استطع, كانت تجتاحني
رغبة رهيبة في البكاء, انتظر لثواني ان ارد عليه ولما لم يجد مني اي رد
استطرد:
- اخبرني ياحبيب امك لماذا خرجت في المظاهرة؟
حاولت ان الملم اشتات نفسي فقلت :
- سعادتك تعرف ما يفعله الاسرائيليون بالناس وكنا نريد ان نعبر عن......
. لم يدعني اكمل وصاح فيّ :
- لماذا تتكلم بصيغة الجمع يا ابن العاهرة ؟ تتصور نفسك ممثل الشعب لماذا
لاتهتم بدروسك ان كنت طالبا او ترعي امك بدلا من ان تتركها تبيع نفسها علي
الارصفة؟
سمعت صوتي يتحشرج وانا اقول :
- امي ليست عاهرة !
فوجئت به يصرخ :
- اترد علي؟
وكما لو ان جملته تلك كانت كلمة السر اذ فوجئت بعشرات الصفعات والركلات
تأتي من كل ناحية ترنحت وسقطت علي الارض ورايته واقفا وقد وضع حذائه علي
رقبتي بينما كان ينظر في اوراق بين يديه وكما لو انه يقرأ منها:
- انت متآمر اذن ولم تذهب للمظاهرة وسط الهوجة انتم تجتمعون كل يوم جمعة
بشقة زميلك الريفي اتريد ان تحدث انقلاب يا ابن العاهرة ؟ تريد ان تشعل
البلد ياابن الكلاب؟
لم افهم ما ماذا يقرأ في ملفاته وجعله يقول ذلك, الا انني ارتجفت وانا علي
الارض فحقيقة نحن نجتمع لدي عوض زميلنا في الجامعة لكن لم ندبر ابدا
لانقلاب, صحيح اننا نتحدث في السياسة واحوال الخراب الذي نعيشه والمستقبل
الحالك الذي يبدو في الافق الا اننا نستمتع اساسا بوجبات الطعام التي تأتي
لعوض من اهله في الريف, سمعته يقول وهو يغلق الملف الذي بين يديه ويناوله
لاحد مساعديه:
- نحن نعرف عنك كل شيئ وسوف نأتي بك من بيتكم او شقة زميلك او حتي من علي
صدر امك الكبير
ثم اضاف محدثا مساعده: البك النيابه وصل؟ اجابه ذلك بنعم صاح فينا :تحركوا
يا غنم ثم دخل قبلنا لغرفة النيابة ورايته يعانق البك وكيل النيابة ثم يجلس
الي جواره واذ بالوكيل يسأله هل اعيدت تربيتهم ام نحولهم للمحاكمة يا حشمت
باشااجابه نسألهم سعادتك ثم صاح فينا ها يا ابناء العاهرات تعلمتم الادب ام
ماذا؟ وجدت الجميع يقولون وانا منهم نعم سعادتك استغربت اننا جميعا نطقنا
نفس الجملة كما لو ان احد قد لقننا اياها .
ضحك وكيل النيابة وقال يبدو انك ربيتهم كما يجب ياباشا اهتز حشمت بكل الزهو
علي كرسيه وقال:
- هذه اصناف قذره لاتعرف المسؤوليه عموما لك ان تفعل بهم ما تشاء ,اجابه
النائب نتركهم يرحلون حفاظا علي مستقبلهم, لم استطع ان اشعر بالامتنان
للنائب رغم ان ما يفعله قد ينقذنا من التشرد لانني كنت اتصور ان مهنته انبل
من ذلك الحيوان حشمت ولكنه تعامل مع القانون بحذائه تماما كما وضع حشمت
حذائه علي رقبتي, اردت ان اصرخ فيه اين القسم الذي اقسمته من اجل ان تقيم
العدل وتنصر المظلوم, ولكنني ابتلعت لساني لاني تصورت النتائج اخرجونا من
الغرفة مشيعين بالصفعات, استقبلت بوجهي هواء الشارع الذي انعشني رغم بؤس ما
بداخلي بالاضافة إلى بؤس منظري لم اشأ ان اعود الي بيتنا فوجهي متورم ولا
اريد ان يرونني في هذه الحالة فكرت ان اذهب الي شقة عوض فهو قد سافر الي
بلدتهم ولكني اعرف اين يخبئ مفتاح الطوارئ كما يسميه ذهبت الي هناك وصعدت
السلم وكل عظامي تؤلمني دخلت الغرفة واستلقيت علي الفراش وشعوري بالحنق
وبالالم يتعاظم قلت لنفسي من الافضل ان تنام الان وغدا يفرجها مالك الكون؛
لا ادري كم من الوقت مضى علي قبل ان اشعر بحركة في الغرفة و اري حشمت واقفا
في وسطها, لم تمر ثوان الا وكنت قد قفزت بكل قوتي عليه فطرحته ارضا فسقط
سلاحه وتعجبت من سرعتي في التقاطه صرخ في:
- اتعرف ماذا تفعل سوف تذهب بنفسك الي حبل المشنقة؟ صرخت فيه اخرس يا ابن
العاهرة وضربته بموخرة سلاحه علي راسه فتأوه كما لو كان يسقط في غيبوبة
ذهبت الي حيث اعرف ان عوض يحتفظ بقطع الحبال التي يربط بها اهله الاطعمة
التي يرسلونها اليه, وقمت بربط يدي حشمت وقدميه ورايته يتململ قلبته بقدمي
ليصبح وجهه وهو علي الارض في مواجهتي كانت نظراته مترددة بين الخوف ومحاولة
استعادة سطوته عاجلته قائلا:
- لماذا اسموك حشمت هل كانت امك عاهره وارادت ان تبحث عن الاحتشام فيك؟
رايته يضغط علي نواجذه وتتحرك اصداغه بعصبية ركلته في بطنه وقلت:
- الم تسمع سؤالي يا ابن العاهرة ؟
لم يرد سالته من جديد:
- من اين اتيت بتلك الزرقة في عينيك وبشعرك الاشقر هل امك كانت تبحث عن
زبائن من العالم الحر, ام كانت تكره الوطن والمواطنين وترفض ان يكونوا من
زبائنها؟
لم يرد وان كنت رايت نارا تشتعل في عينيه بالرغم من بوادر الانكسار الذي
بدا علي سحنته, عاجلته بركلة اخري وثالثة ورابعة الا انها ارتطمت بحافة
الفراش فالمتني ووجدت نفسي في وسط الفراش وقدمي تؤلمني , فتنفست بصعوبة,
وقلت يا له من حلم, وعندما حاولت ان انزل من الفراش وجدت حشمت مستلقيا على
الارض والدماء تغطي فمه فاسقط في يدي.