WWW.FreeArabi.Com   

 

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

أدب

مختارات قصصية

لن أقول صباح الخير

قصة بقلم : روضة السالمى / تونس

عن منتدى القصة العربيةبية

www.ArabicStory.netِ

   أجلس إلى النافذة.. أرتشف فنجان شاي أخضر بالنعناع.. أعرف أن ذلك لا يتناسب مع هذه الليلة الطويلة.. غير أني لم أجد غيره رفيقا لسهري..

النجوم عيون شياطين تحرس نوم المدينة المتوج بالأرق... حين يجفاني النوم أتسلل إلى النافذة الوحيدة المطلة على الزقاق.. أسهر مع الليل الذي يمضي بطيئا وبعيدا كقطار نسي محطته الأخيرة ومضى..

لدي كل الوقت للتفكير.. فنجان الشاي الأخضر الذي أعددته على عجل لم يكن سيء المذاق.. فقط ينقصه السكر.. فقد نفذ.. مثل عمري.. وأماني.. وأحلامي.. ومرتب الشهر

أسهر الليلة مع أفكاري.. من نافذة تطل على زقاق تضيئه بعض النجوم الحزينة.. تسلل إلى مسمعي صوت ديك بعيد.. وأنشد صرصار بليد أغنيته المعادة.. ماء قط يبحث بإصرار عن خليلة مجهولة... ماء طويلا ثم مضى...

لدي كل الوقت لأحس بوحدتي فتتجلى لي ذاتي كائنا مكتملا يتحدى صمتي بنزق.. تقسو علي حينا وتصالحني أحيانا أخرى.. تماما مثل هذه الحياة... أحب هذه الرفقة الجميلة مع ذاتي.. وأخشاها في نفس الوقت... في هذه الليلة التي تحاول فيها المدينة النوم بصمت... أرتشف مع نفسي فنجان شاي بدأ يبرد.. أحاول أن أصالح نفسي مع نفسي..

في الشارع حين أذهب صباحا إلى العمل يعترضني متسول أعرج ذو تقاسيم باهتة... يدعو لي بالصلاح والفلاح فأضع في يده مائة مليم كاملة وأمضي... رغم قناعتي بأن دعائه المأجور لن يصل إلى السماء... تطل بعض الرؤوس السمجة من المقهى... ترتشف أولى فناجين القهوة المبللة بالندى... عامل البلدية يدفع الأوساخ بعيدا بتراخ... يحلم بيوم آخر يجلس فيه على صهوة مكان لا وسخ فيه ولا مكنسة...

في الصباح أكون متحمسا لقول صباح الخير قبل أن يفصح الصباح عن خيره المشكوك فيه... ألقي التحية على الحمال النائم أمام باب السوق المركزية منتظرا فتحه... على عاملات التنظيف يتبادلن أخبار مسلسل الحياة اليومي... على كلب بثلاث قوائم... على عمود الكهرباء... على متسولة نشطة تحاول أن تستوقفني بعينيها الذابلتين... ألقي التحية على صنم ابن خلدون المتلفع بعباءته الأبدية.. وعلى ملائكة المسيح وعلى كل الكائنات.. وأمضي خفيفا إلى عملي...

أفتح أبواب الإدارة... أفرغ بتفان منفضة سجائر المدير... أمسح المكتب بعناية... أمسح الكرسي الأسود الفخم... وأغلق الباب بحرص حين أخرج... أعد الشاي والقهوة للجميع... ثم أجلس عند المدخل أحيي كل الداخلين... وأبتسم للمدير... في الصباح أتحول إلى كلب صغير وأليف... يتقن تحريك ذنبه ومد لسانه.. وبالخصوص التقاط الفتات..

أنهي عملي وأعود مسرعا للبيت... نظام الحصة الواحدة في شهر أوت... وشمس الساعة الثانية تلهب شتات المشاعر... دخان السيارات المسرعة يحيط بي من كل جانب... يكاد يخنقني.. باعة الكاكي يحتمون بظل الأشجار الداكنة والمتباعدة.. سواح يشربون الماء من قارورة بلاستيكية ويرمونها في الشارع.. عيونهم الملونة زائغة وجلدتهم الرقيقة احمرت من لهب السماء...

عادة لا أحب التهور... لكنني وأنا الجالس الآن إلى النافذة أرتشف فنجاني الليلي أفكر أن ما فعلته لم يكن تهورا... إنما كان محاولة انتحار... لا أدري ما الذي دفعني لإيقاف سيارة أجرة في ذلك اليوم القائظ...

كنت أمشي على الجادة منهكا ومفرغا تماما... ولم أنتبه ليدي كيف امتدت ولا لنفسي إلا بعد أن تورطت في الجلوس على المقعد الخلفي لسيارة أجرة معفرة... انطلقت بي سريعا ولم تترك لي فرصة للتراجع... خجلت من الاعتذار للسائق... أدخلت يدي إلى جيبي خلسة... تلمست الورقة النقدية المهترئة التي أدخرها للشدائد... وندمت كثيرا... لم أستطع الاسترخاء في مقعدي الملتهب... العداد يلتهم الأرقام الهاربة... وأنا أغوص في عرقي...

ست مائة وثلاثون مليما... صوت داخلي يحذرني من اقترابي من الدينار... عينا السائق ترقباني بارتياب في المرآة العاكسة... وأنا مشدود كطود لا يمكنه الارتخاء...

من النافذة أرى البنايات القديمة الشاهقة تتراجع في وهن... صبي يدفع عربة خبز تنضجه شمس أوت الحارقة... شيخ يقود لاهثا دراجة قديمة... الكثير من الزحام... في الطريق وفي صدري...

دينار وثلاث مائة مليم... غصة تعلو وتهبط في الصدر... كم كان الأولاد سيفرحون لو اشتريت لهم قارورة مياه غازية في هذا اليوم القائظ... نظرات السائق المتشككة تجعلني أتماسك في مقعدي... علي أن أخوض التجربة لنهايتها... معدتي تشكو الفراغ...

أرى من خلال زجاج النافذة رجلا يحمل بطيخة حمراء كبيرة في عناء واضح... أشتهي لو كنت مكانه... لو تهورت وغامرت بورقة الخمس دنانير التي ترقد في جيبي منذ ستة أشهر واشتريت بطيخة لفرحت بشرى كثيرا ورقصت حولها كذبابة صغيرة ولوضعها يوسف في قصعة ماء كي تبرد قليلا... ولتخاصم عدنان وسفيان على من يقوم بفتحها...

دينار وتسعمائة وسبعين مليما... والسيارة مازالت واقفة في الضوء الأحمر... خيوط العرق على جبيني كسياط تلهب كل مشاعري... لا أستطيع أن أنزل الآن وقد أوشكت على الوصول... ماذا سيقوله الجيران عني عندما يرونني أنزل من سيارة الأجرة... سيتوقعون أمرا ما.. ترقية مستحيلة أو زيادة في الراتب.... تنطلق السيارات مع الضوء الأخضر... تطالعني عين العداد الصماء الخرساء... ديناران ومائة وأربعين مليما...

يقف السائق أخيرا أول الزقاق... أغادر صامتا السيارة التي امتلأت عرقا وندما... أمد يدي بالورقة المدعوكة... يفردها السائق بعناية... يتثبت منها ثم يعيد إلى الباقي... ديناران وثمانمائة وخمسين مليما... أسامحه مرغما في العشر مليمات..

الزقاق صامت.. القطط تنام بحذر قرب الجدار.. أدير المفتاح في القفل الصدئ وأدخل البيت.. يرافق دخولي المؤلم دعاء أمي.. منذ أن فقدت بصرها أصبحت تتعرف علي من خطواتي.. من صوت تنفسي... ويأكل الندم قلبي... لو اشتريت بعض الغلال لكانت ستفرح كثيرا... منذ متى لم يدخل كيس غلال بيتنا... لا يمكنني الذهاب إليها الآن ستحس بضيقي وستتألم لألمي... كنت أنانيا... أعرف ذلك.. الندم يأكل قلبي الآن.. كما يقضم الجرذ قطعة جبن متعفنة.. منظرها وسط الغرفة الضيقة المعتمة متكوما على الحشية المهترئة مع أبنائي يجعلني أحس أن جريمتي في حقهم لا تغتفر...

تنتظرني زوجتي في المطبخ.. غير أنني أفضل ارجاء اللقاء.. أدخل إلى الحمام أولا.. أتخلص مما أثقل مثانتي وضميري.. ثم اتجه إلى المطبخ.. تعترضني رائحة المقلي بحدتها... تنزلق عيناها رغما عنها إلى يدي الفارغتين... غصة في الحلق... حلقها وحلقي... نداريها بابتسامة واهنة... تقول بأن يوسف سقط من الدرج وانفتح جبينه... وأنها اضطرت لاقتراض ثمن التسجيل في المستوصف من جارتنا منوبية... أحاول أن أداري دمعة احتبست في القلب... وأخرج من المطبخ صامتا... لا حول لي ولا قوة...

دخلت حجرة نومنا ذات السقف الواطئ... لم آكل شيئا.. لا أقدر على تلذذ أي طعام.. أحاول النوم.. الحجرة كابوس صيفي لا مفر منه.. أتململ صامتا على بساط فرش على الأرض تلمسا للبرودة... ينسحب التعب عميقا في داخلي.. دوار عنيف يلف رأسي.. والندم يقضم أعصابي..

لم يحفل النوم بي هذه الليلة.. تغوص المدينة في كآبتها المعتادة... علي أن أستعير بعض المال لأنهي رسم دائرة الشهر الذي لا ينتهي... لسع البعوض لم يعد يؤثر في... نفذت كأس الشاي...

الزقاق صامت إلا من صوت بعض الصراصير... لكنني سأتوقف عن التفكير... يكفي أن أنظر في الفراغ كي أرى من دون مشقة قطار حياتي العادية وقد أضاع محطته الأخيرة... لن أفكر في أي شيء مطلقا... وغدا لن أقول صباح الخير لأحد...