يسلط الضوء نحوه ، تلمع عيناه ، يكف عن اللحاق به لفترة
وجيزة ، ثم يتابع ..
يسمع الآن لهاثه ..
" لقد اقترب اللعين .... "
يرفع مروان عقيرته بالغناء ...
فيخرج صوته
متحشرجاً ..
يشعر أن الحيوان أصبح وراءه مباشرة الآن ..
يلتفت مسلطا الضوء عليه ..
يا للهول إنه ضبع ..
يعرفه من ظهره المائل ..
" رأيت الضبع ( الذي أكل بياع الحلاوة) ، في أحد الأعياد
، عندما كنت طفلا يا مروان ."
" رأيت صورته في عدة كتب يا مروان .."
" الله يرحمك يا مروان "
يكاد يسقط ...
يتجلد ..
يجر قدميه ..
و
لكن الضبع يبتعد عنه قليلا نحو اليمين ..
ربما أزعجه الضوء !
أخذ مروان يصرخ ،
ملتفتا نحو القرية خلفه:
" وين راحوا . وين راحوا...وين راحوا
النشامى "
" يا أبو عدنان ... يا أبو فيصل .. يا أبو شهاب !!!! "
و لكن الضبع لا زال يرافقه ..
يسلط عليه الضوء من جديد ..
يبتعد الحيوان أكثر ..
يعاود الغناء بأعلى ما أوتي من صوت ، يخرج صوته متحشرجا
أكثر من قبل...
ثم يعاود الإستنجاد بأعلى ما أوتي من صوت الذي لا يزال
يخرج متحشرجا
:
" وين راحوا .. وين راحوا...وين راحوا
النشامى "
" يا أبو عدنان ... يا أبو فيصل .. يا أبو شهاب
.. يا أبو هايل !!!
و
لكن بلا طائل فكل الناس- الساعةَ - نيام ...
يتجلد ثم يستمر يغذ السير ...
فجأة يلمح بناء المدرسة ...
" لقد اقتربت من طوق النجاة يا مروان "
" تجلد يا مروان "
" إنها بضعة أمتار يا مروان "
يسلط الضوء نحو اليمين
" لا زال اللعين يرافقني "
يقترب من
المدرسة ، يجري ، يخرج المفتاح من جيبه سرواله المبلل بيد
مرتعشة ، يصعد الدرجات الثلاث قفزا فيتعثر ، ينهض بسرعة ،
يفتح باب غرفته ، يدخل و هو يلهث ، و طبول قلبه لا زالت
تدق ايقاع الخطر ، يقفل الباب ؛ يجر الطاولة وراء الباب
... ثم يتهالك فوق سريره
، و هو يهمس إلى ذاته :
" لقد نجوت يا مروان
... "
" كاد الضبع يلتهمك يا مروان
... "
" و ليمة عشاء فاخرة ، كنتَ ستمسي ، يا مروان "
" ربما كان سيدعو
أم عياله السيدة ضبعة ، و جراءه الجائعين ، أو ربما كان سيجرك إليهم
.... يا
مروان "
" الحمد لله على سلامتك .. يا مروان ..."

في اليوم
التالي ، قص ماجرى له ، على كل من صادفه .
صدقه
البعض و ظن البعض أنه متوهم !
و بعد
انتهاء الدوام المدرسي ، توجه إلى المخفر ، ليحكي
لصديقه أبو عدنان - رئيس مخفر
الغدير - عن تجربته المرعبة تلك ، و يعاتبه
لأنه لم يرسل معه مرافق ليلة أمس .
و تصادف
وجود أحد وجهاء القرية ، الذي أكد أن مرافق الأستاذ كان
بالفعل ضبعا ، و لكنه لم يكن جائعا ، فقد نبش قبر طفلة
رضيعة كانت قد دفنت بالأمس ؛
ثم أضاف ضاحكاً :
- و لولا أنه كان ممتلئاً لكان
الأستاذ مروان وجبته ! .

انتشرت ،
قصة الأستاذ مروان بين أهل قرية الغدير ، ثم تناقلتها
الألسن إلى القرى المجاورة ثم إلى مركز المحافظة ، كانوا
ينقلونها بصور شتى و بأساليب مختلفة ، حتى تطورت إلى عبارة
:
((
الضبع ، أكلَ الأستاذ
مروان ، معلم مدرسة الغدير))
و بطريقة
ما بلغت القصةُ العاصمة .
ثم
تناولتها إحدى الصحف مُبهَّرةً محوّرة !....

بعد
بضعة أيام ، فوجئ الأستاذ مروان بحافلة تقف جوار
المدرسة ، ثم
يترجل
منها
والده و عمه و
شقيقيه و بعض
الأقارب !!!
و ما أن
رَأوه حتى هرعوا نحوه يضمونه
إلى صدورهم مهنئين بسلامته .

نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع :
www.FreeArabi.com