ينابيع المياه الحارة
تفيض بالحياة
تقع على عمق 5000 متر تحت البحر ودرجة حرارتها تصل الى
350
عن دار صوت بلادي
قبل ان
يعثر علماء البيولوجيا على مصادر المياه الساخنة في اعماق البحار، كان هؤلاء لا
يملكون سوى مثال فريد للتسلسل الحيوي، يتمثل في النباتات وطاقتها المستمدة من
الشمس، لكن الكشف عن السلاسل الحيوية المعتمدة على الطاقة الكيميائية، وضع هذا
المثال او النموذج موضع الشك، فالبرهان على وجود الحياة في وسط بلا ضوء وفي
ظروف وصفت حتى الأمس القريب بالمهلكة، اصبح شيئاً مسلماً به عند العلماء، الى
درجة انهم ذهبوا في اعتقادهم الى افتراض وجود الحياة على كواكب اخرى تخيم عليها
الظروف ذاتها من الضغط ودرجات الحرارة المرتفعة.
ويرى علماء البحار ان الحياة التي يمكن ان توجد على عمق 5000 متر تحت البحر،
تأتي في جزء كبير منها من البقايا الساقطة من السطح كالنفايات والجثث والجيف،
والتي ساهمت في ظهور مخلوقات مدهشة وغريبة ومخيفة، ومن العلماء من وصف المحيط
بالكآبة وانعدام الحياة، الى ان تغيرت هذه النظرة في الخامس عشر من ابريل/
نيسان ،1977 وذلك عندما هبط الجيولوجي جون كورليس وهو على متن غواصة صغيرة
(ALVIN) الى عمق 2600 متر تحت مياه الجالاباجوس، لدراسة التكوينات البركانية
هناك، حيث أعلن كورليس للعالم اجمع أن اعماق البحار ليست صحراء قاحلة، وانما
وسط يعج بالحياة.
فتحت الاضواء الساطعة للغواصة (ALVIN) شاهد كورليس مداخن يصل ارتفاعها الى 20
متراً تنبثق منها اعمدة من الدخان الاسود والماء المغلي، ويدل وجود هذه المداخن
ذات المياه الحارة على وجود نوع من الحياة، ومنذ العام ،2000 يعلم المتخصصون في
علوم الاحياء والجيولوجيا ان هذه المصادر الساخنة تكثر على طول المنطقة التي
تفصل بين الصفائح التكتونية المحيطية، حيث تنطلق من الفواصل، صخور بركانية
مصهورة “مجما” وعندما يتقابل الماء مع الصخور المصهورة، المتوهجة، ترتفع درجة
حرارته ويصبح غنياً بالمعادن الذائبة، ثم ينطلق السائل الساخن مع معادنه مكونا
تلك المداخن المدهشة.
ويجب الا ننسى ان اهم اكتشاف حققه العلماء في هذا المكان، يتمثل في وجود كائنات
مجهرية حية متنوعة اضافة الى كائنات كبيرة كالديدان التي يصل طولها الى المترين
والتي تشبه في تشكلها الاسماك والقشريات.
ومما يثير العجب فعلا ان درجة حرارة الماء عند هذه الاعماق تصل الى 350 درجة
مئوية، لكنها تهبط عند اتصالها مع اعمدة الدخان الى درجتين مئويتين فقط، الامر
الذي يمنح الفرصة لظهور حياة بسيطة تتنوع فيها صور الكائنات الحية.
وقد اظهرت التحاليل التي اجريت على الماء الموجود في هذه المنطقة انه ليس غنياً
وحسب بالاحماض والاوكسجين، بل يحتوي على كميات كبيرة من المعادن الثقيلة
والمواد المشعة وكبريتيد الهيدروجين، ويقول جيمس تشايلدرس، المتخصص في الحياة
البحرية في اعماق البحار في جامعة سانتا باربارا: المعروف ان كبريتيد
الهيدروجين من الغازات السامة القاتلة للكائنات الحية، لانه يتركز في
هيموجلوبين الدم ويحل محل الاوكسجين، الا انه من المصادفات الغريبة حقا ان نجده
هنا، ليكون احد العناصر الضرورية للحياة عند هذه الاعماق.
ويشير تشايلدرس إلى ان هذه المسألة غدت معروفة وواضحة للعلماء فخلافا للنباتات
التي تستمد طاقاتها من الشمس عن طريق عملية التمثيل الضوئي، نجد ان البكتيريا
التي تعيش في الوسط المائي الساخن تلجأ الى عملية التمثيل الكيميائي، حيث تقوم
البكتيريا بكسر جزيئات كبريتيد الهيدروجين بمساعدة الاوكسجين الذائب في الماء،
وذلك لاستخلاص السلفات (ملح الحامض الكبريتي) والهيدروجين، واطلاق الطاقة.
وتستخدم البكتيريا هذه الطاقة لتثبيت الكربون المستمد من ثاني اوكسيد الكربون
الذائب في الماء، وصنع الكربوهيدرات التي تعتبر اللبنات الاساسية للمادة الحية.
بكتيريا أوكسجين: ومما يثير العجب حقا ان الدراسات الاخيرة اظهرت ان بعض انواع
البكتيريا قادرة على العيش دون اوكسجين، ولذا يقول دانييل دبرويير المتخصص في
علم البيولوجيا في دائرة البيئة البحرية العميقة في برست، ان الحياة يمكن ان
تظهر لمجرد وجود الماء السائل والحرارة وبعض الاملاح المعدنية، ويضيف دبرويير
انه لو توفرت هذه العناصر في أي مكان في الكون، لأمكننا القول ان الحياة موجودة
فيه دون شك حتى ولو كانت في أبسط صورها، ويقف العلماء بالفعل حائرين امام هذا
النوع من الحياة، والكيفية التي جعلت هذه الكائنات تتأقلم مع التغير في درجات
الحرارة ودرجة السمية العالية الموجودة في الوسط الذي تعيش فيه!
في هذا الصدد تمكن العلماء من تهيئة الظروف السائدة في تلك الاعماق، داخل
مختبرات خاصة، ولاحظوا من خلال الدراسة والمتابعة لنوع من القشريات التي تعيش
عند قمة اعمدة الدخان، ان هذه القشريات تظهر (توتراً حرارياً) عند درجة 25
مئوية ثم تموت عندما تصل الى 38 درجة مئوية، ويشير البيولوجي بروس شيليتو الى
انه بفضل استخدام الاكواريوم استطعنا التوصل الى فهم الدور الرئيسي لما يسمى
التكافل (تعايش متعضيين غير متشابهين) فعلى سبيل المثال نلاحظ ان الحيوانات
الكبرى تمد البكتيريا بالغذاء ثم تقوم هذه الاخيرة بالتخلص من المواد الملوثة
عن طريق تحليلها، وتصبح بدورها قاعدة غذائية لحيوانات اخرى ووجد العلماء انه في
حالة الدودة العملاقة (ريفتيا) تقوم البكتيريا بتصنيع المادة العضوية في انسجة
الدودة نفسها التي تنقل اليها الاوكسجين وكبريتيد الهيدروجين عن طريق
الهيموجلوبين، ويشير فرانسوا لاليه المتخصص في علم الفسيولوجيا في مركز
الدراسات المحيطية والبيولوجيا البحرية،إلى ان فريقه العلمي تمكن من تقدير
عملية التنفس التي تقوم بها الدودة وتأكد من قدرتها المذهلة على استخدام ثاني
اوكسيد الكربون الذائب في الماء. ويقول لاليه ان الدودة وبكتيرياتها تتصرف كما
لو كانت بئراً حقيقية من الكربون نظرا لان الدودة لا تملك قناة هضمية، ولذا فهي
لا تستنفد الا نزراً يسيراً من الطاقة تستخدمها لامتصاص الغذاء.
حياة قصيرة: ويشير جيمس تشايلدرس الى ان فريقه استطاع حساب فترة حياة المصادر
المائية الساخنة والتي تمتد من 6 الى 50 سنة تقريبا، ويضيف تشايلدرس ان المناطق
الجيولوجية النشطة الملائمة لظهور تلك المصادر يمكن ان تكون في بعض الاحيان
متباعدة عن بعضها البعض لعدة مئات من الكيلومترات! فكيف إذن، استطاعت الكائنات
الدقيقة العيش والتطور في هذه المصادر المائية الساخنة جداً والتنقل بين تلك
المصادر التي تعتبر فترة حياتها قصيرة من الناحية الجيولوجية؟
الاجابة عن هذه التساؤلات جاءت متتابعة مع الاكتشاف التدريجي لمصادر مائية
ساخنة على طول ما يسمى خطوط القمة الموجودة في الكرة الارضية ثم تلا ذلك اكتشاف
ما يسمى الرواشح الباردة في العام 1984 وهي مصادر يتحد فيها عنصرا الكربون
والهيدروجين أحدهما بالآخر في درجة حرارة متلائمة مع الاعماق، ويغلب على هذه
المصادر اللون الاسود مما يجعلها تشبه النفط الخام الى حد كبير، وتبين من خلال
الدراسة والتحليل ان ثمة بكتيريا تعيش فيها مستخدمة تقنية التمثيل الكيميائي
وتلجأ بذلك الى غاز الميثان بدلا من كبريتيد الهيدروجين.
وتوجد هذه الرواشح الباردة في جميع البحار تقريبا، وعلى اعماق تتراوح بين 400 -
8000 متر، اما فترة حياتها فتمتد الى آلاف السنين، ويقول دانييل دبرويير ان
العلماء اكتشفوا في هذه المصادر انواعا حيوانية قريبة الشبه بتلك التي تعيش في
المصادر الساخنة، ومن هنا يعتقد هؤلاء ان الرواشح الباردة تمثل بلا شك مرحلة من
مراحل تأقلم هذا النوع من الكائنات الحية مع بيئة ساحلية في اصلها الى ان وصل
بها الحال في النهاية الى المصادر الساخنة التي تصبح فيها ظروف المعيشة قاسية
للغاية.
ومن التجارب المهمة التي اوضحت للعلماء الكثير من الامور الغامضة في مسألة عيش
الكائنات في المصادر الساخنة جدا، تلك التجربة التي اجرتها الباحثة فلورانس
بارديلون في العام 2000 في مختبر علم التصنيف والتطور والتأقلم (SAE) بمساعدة
زميلها بروس شيليتو، حيث نجحت الباحثة في تلقيح ديدان من نوع (Alvinella) في
بيئة مصطنعة (داخل المختبر) ثم تابعت عملية الانقسام الخلوي للبويضة الى ان
حصلت على عشر خلايا، وتقول بارديلون: “أثبتت لنا هذه التجربة ان البويضة
الملقحة بقيت في وضع مستقر في الاعماق الباردة ولم تبدأ بالتطور الا في وجود
المصادر المائية الساخنة”. وتضيف الباحثة فرانسواز جايل المديرة المساعدة
لمختبر (SAE) انه من المحتمل جدا ان تكون البويضات ذات قدرة كبيرة على الاحتفاظ
بوضع مستقر لفترة طويلة لايجاد الظروف الملائمة للتفريخ وسيتم التأكد من هذه
المسألة مع نهاية العام الجاري 2004 وذلك بفضل البعثة العلمية التي ستتوجه الى
تلك الاعماق باستخدام الغواصة العلمية (نوتيل). وستقوم الغواصة بجمع عينات من
مصادر ساخنة موزعة على مئات الكيلومترات بغية ايجاد صلة القرابة بين الكائنات
التي تعيش فيها والتأكد من عملية الانتقال والتواصل فيما بينها.
اشكال لا تتغير: ويذهب بعض العلماء في وصفهم لهذا النوع من الكائنات التي ربما
يعود وجودها الى ما قبل 350 مليون سنة، الى تسميتها ب “المتأحفرات الحية” نظرا
لعدم تغير اشكالها منذ تلك الفترة لكن هذه النظرية تلقى معارضة من البعض الآخر
وذلك بفضل احدى اهم التقنيات الجديدة في تصنيف الكائنات الحية والمعروفة ب (الساعة
الجزيئية) وتقوم هذه التقنية على المقارنة بين الطفرات التي حدثت لجينات مشتركة
مع عدة انواع حية ثم يتم حساب الفترة التي حدثت عندها عملية التفرع الحيوي خلال
مرحلة التطور، فعلى سبيل المثال تبين ان (ديدان ريفيتا) التي تعتبر نموذجا
للكائنات التي تعيش في اعماق المحيط الهادي قد ظهرت في العصر الطباشيري الاوسط
اي ما قبل 100 مليون سنة، في حين ظهرت بعض الكائنات الشبيهة بها تقريبا
والمعروفة ب (الموديويل) قبل 10 ملايين سنة، الامر الذي يؤكد لنا ان عملية تطور
الكائنات الحية في هذه الاعماق لم تكن حدثا فريدا وقديما كما كان يعتقد العلماء
من قبل، ولكنها عملية تتابع لمراحل الانقراض واعادة الاستعمار.
ويذهب عدد من العلماء الى القول انه من المحتمل ان تكون الحياة على وجه الارض
قد ظهرت في المصادر المائية الساخنة ما دام الوسط الساخن جدا والغني بالعناصر
الكيميائية المتنوعة يمثل المفاعل الطبيعي المثالي لظهور الجزيئات العضوية، وفي
هذا الصدد يذكر ان الاسترالي بيرجر راسموسن المتخصص في علم الاحاثة، استطاع
التعرف إلى آثار لبكتيريا متأحفرة بالقرب من احدى المداخن المنطفئة التي يعود
تاريخها الى 3،235 مليار سنة! ومن المؤشرات المهمة التي يعول عليها العلماء
لتفسير ظهور الحياة الفارق الكبير لدرجات الحرارة حول مصادر المياه الساخنة،
وهو ما يعتبر عاملا مشجعا على نشوء التفاعلات الكيماوية والبيولوجية وخاصة اذا
انخفضت درجة الحرارة عن 60 درجة مئوية، لأن الحرارة المرتفعة جدا تؤدي الى
تدمير حمض ال (RNA) الذي يعتبر المكون الجيني السابق لظهور حمض (DNA) والذي
يعتبر بدوره اصل العالم الحي، ويشير (فرانك زال) المتخصص في علم الفيزيولوجيا
البيئية الى انه يوجد بالقرب من المواد المصهورة الصاعدة الى السطح تجويفات
دقيقة ينفذ منها ماء البحر ويؤكد زال ان هذه الاوساط هي المكان الاكثر ملاءمة
لتكوين المفاعل البكتيري المثالي نظرا لاعتدال درجة الحرارة فيه، وتهيئه لظهور
نوع من الحياة فيه بأبسط صورها.
