
قصة
بقلم :
د. ماهر منزلجي
mmaher31@hotmail.com
عن
موقع مرايا
http://www.almraya.net
قبض على يدها وعصرها برفق في قرارة
كفه، (من غير أن يلمسها!) وبعين الخيال الجامح طوّق خصرها النحيل بذراعه القوية
وضغطها باتجاهه! كان زاهر وفرزانة يسيران جنباً إلى جنب، مع حفظ المسافة
بينهما، في بداية شارع سان جيرمان المزدحم بالمشاة والسيارات…لكن، في تلك
الساعة التي يصعب تصنيفها بين الساعات، لم يكن من أحد غيرهما في الطريق!
مشيا بتمهل مخلفين وراءهما معهد العالم العربي الذي لا يمل
يطالع صورته، ولا يعرفها، في ماء نهر السين، والمكتبة الكبيرة التي تشغل الطابق
الأرضي منه.. منذ قليل كانت فرزانة تتجول في أرجاء المكتبة إلى أن اهتدت إلى
قسم الكتب الفرنسية، واستغل زاهر انشغالها..أطال النظر إليها بملابسها البسيطة
الجذابة، ومن غير ملابس على الإطلاق...! خطفها، طار بها عالياً… وفي وقت ما
حطّا، أو ما بقي منهما، في حقول الشمس جسماً واحداً منهكاً وروحاً واحدة ولدت
من جديد!
أعاده المكان إلى المكان…في سرّه، بل في لا وعيه، بدأ يبحث بين
مئات الكتب الموزعة على المناضد والأرفف عن كتاب معين أو كتاب معين آخر رغم
تأكده الجازم من عدم وجودهما! فمع أنه نشر مجموعته القصصية الأولى منذ سنتين
وظهرت مجموعته الثانية مؤخراً، لم يتوقع بأية درجة من الجدية أن أياً منهما
وصلت فعلاً إلى باريس واندست بين كتب الآخرين، الذين يبزونه فضلاً وحظاً…في
دقيقة تقبل النتيجة السلبية لبحثه، وطرد فكرة (التحرش) بواحدة من العاملات
الفرفورات سواء ليتأكد من صواب حدسه، أو بقصد التحرش للتحرش! جدد عهده مع نفسه:
لن يشتري شيئاً من هنا، سيكتفي بمطالعة العناوين وفحص الأغلفة، ليس فقط بسبب
سعرها المرتفع ووزنها الثقيل الذي سيحل في حقيبة سفره عائداً إلى لندن، بل لسبب
إضافي لا يخجل من طرحه: كم من يد ملهوفة كانت ستمسك بأحد كتبيه، لو وجدا هنا،
تقلبه برغبة واهتمام، وتسقط ضحية حسنه فيقرر صاحبها في لحظة (عبط) سخية شراءه؟
الأغلب أنها كانت ستمسكه من غير شهية، إن فعلت، ثم تعيده سالماً غير غانم إلى
مكانه! سيفعل الشيء عينه مع كتب الآخرين، هذا أضعف الإيمان.. لا بد له من موقف
حازم!
لكن بما أن الكلام شيء والفعل شيء آخر، فكان من الطبيعي أن يضعف
ويساعد نفسه إلى بعض من ثمار البستان دانية القطاف، وأن يلتحق بصف طويل من
أمثاله ( الضعفاء)، ينتهي بفتاة سمراء، متورمة الصدر والشفتين، وآلة تلعق
النقود وتمد لسانها بورق الإيصالات. دفع بالعملة الجديدة_ اليورو_ ثمن كتابين
ليوسف إدريس، والتحق بفرزانة التي كانت تنتظره عند المخرج. فتح لها الباب،
تقدمته بغنج.. ببنطلونها الجينز الضيق، وبلوزتها البيضاء التي تغطي بقدر ما
تكشف، ضامة إلى صدرها ما اشترته من كتب، حاملة معطفها على ذراعها الأيسر.
أوشكت سماء باريس تنفذ ما أنذرت به منذ الصباح، وعندما حان وقت
الوفاء لم تكذّب خبراَ، تركت سماءها واقتربت، فتحت برطمانها الكبير وبدأت تنثر
منه قطراتها الذهب الناعمة.. مشيا متمهلين جنباً إلى جنب...هي مسلحة بياقة
معطفها الأزرق وبقبعة صوفية حمراء، وهو بملابسه الأنيقة وشجاعته المدعاة وما
بقي على رأسه من شعر خفيف! وراءهما في نهر السين سبحت الأسماك كبيرة وصغيرة…
وقفز إلى الماء مستقبل يتعلم العوم… انحرفا يساراً، أصبحا في أول شارع سان
جيرمان المزدحم..لم يكن فيه غيرهما!
اقتربت الفتاة من زاهر، أوشكت أن تمد يدها لتمسك يده، أحجمت في
اللحظة الأخيرة!
" هل أقول لك ما اشتريت؟"
شجعها زاهر من غير تردد.
" كتاب صغير لجبران خليل جبران، وآخر هو ملخص لألف ليلة وليلة،
أما الثالث فهو لكاتب فرنسي معروف هنا…لعله محدود الشهرة في إنكلترا، اسمه بيير
لوتي. هل أقول لك شيئاً عنه؟"
دعاها زاهر لتبدأ وبدأ يبحث عن ترجمة مناسبة لـ كلي آذان
صاغية…فليس كالكلام بين الأصدقاء، ما يشف عن المكنون ويمد للدنيا يداً بباقة
ورد!
في البدء لم يكن يركز..كان يقلّب في ذهنه ألف ليلة وليلة،
ويقلصها على هواه، فتصبح بين يديه مئة ليلة.. فليلة كاملة، فـ…ساعة واحدة مع
آخر حبات السكر و(الفريز)، لعلها تعادل ألف ليلة! ثم التفت إليها والتقت عيناه
عينيها الحائرتين بين صمت المروج وعمق البحر… هل هي جميلة جداً أم مجرد جميلة،
وهل هي مقيمة في قلبه أم زائرة، وتساءل أكثر…هل ستسقط في شباكه بسهولة ويسر أم،
كما لم يجرّب سابقاً، يسقط هو أولاً في شراكها مضرجاً بدم الغرام الذي نجا منه
حتى الآن؟ لم يكن الجواب صعباً…سيعد عدته للهجوم وسيتحصن للدفاع، بعد ذلك ليكن
ما يكون!! أما الساعة فلتخبره عن أي شيء تريد.. المهم أن الطبخة أصبحت على
النار الخفيفة، التي تنضج أحسن طعام! وبانتظار ذلك ليكن التواصل من أي نوع
كان...لتخبره عن.. عن..
" لقد قرأتُ كتب جبران وقرأت رسائله الولهانة لماري هاسكل
ورسائلها العاشقة له… شاخت كلماتهما ولم تفتر حرارتها على مر السنين والأعوام…"
لقد بدأ يتكلم في الحب.. فمتى يفعله معها!؟ وأوشك يضيف متلاعباً
بالكلام، ولم يسعفه لسانه، أما بخصوص ألف ليلة….فأحسب أنها ليست غريبة عليّ!!
ثم عاد صوته دافئاً واضحاً وقد تذكر الاسم الذي سها عنه..
" بالله عليك أخبريني عن العزيز لوتي وزيديني… "
ولم تسمعه يكمل… زيديني عشقاً زيديني…ثم أنزل نزار قباني عن طرف
لسانه والتفت إلى ما هو فيه!
عبرا إلى الرصيف الآخر. كفّت السماء عن الكلام وقررت الإصغاء.
خرجت الشمس من مخبئها وفرشت طريقهما بقطع من ضياء.
" ولد بيير لوتي لعائلة غنية كانت تعيش في مدينة صغيرة في
الشمال الفرنسي. كان بيير أصغر أخوته وأضعفهم صحة. بقي الطفل حبيس البيت لم
يبرحه حتى الثانية عشرة من عمره. لم يذهب إلى المدرسة بل كانت المدرسة تأتي
إليه على شكل معلم مخيف أو معلمة تدّعي الصداقة. وكان الأخ الأكبر يسافر ويعود
من سفراته محملاً بالقصص والهدايا، ثم يسافر من جديد، ويعود بالمزيد من
التذكارات التي كانت تؤجج في نفس الصغير رغبة جامحة ليلحق به، وينطلق في أرجاء
المجهول القصي".
كان زاهر يسمع بأذنيه وعينيه، ويتابع باهتمام شبه حقيقي كلمات
الفتاة وانفعالاتها، لكنه استرق النظر مرتين إلى ساعته، في الثانية لاحظته
رفيقة الطريق، فاعتذرت بمنتهى اللطف:
" عذراً هل تراني أطيل؟ هل أدركنا الوقت؟ ".
" لا أبداً... لا يزال الوقت مبكراً"
تابعت فرزانة بعد تردد:
" في الرابعة عشرة فرد الولد جناحيه الغرّين…خفق بهما، ثم حلّق
وطار. تقفّا خطوات أخيه، تفقد الجزر والسواحل والبحار وبلاد الله التي سمع عنها
سابقاً والتي أضاف إليها ما أضاف. وعندما مرض الأخ ومات متأثراً بمرض السل..
وحوّمت حول قبره العصافير الوفية، تمالك بيير نفسه رغم طراوة عوده.. طرد حزنه،
ونذر حياته بشكل كامل للأسفار..
طبعت جدة زاهر،( التاتا كما عرفها وناداها دائماً) قبلة راضية
على وجنته وتنهدت بحرقة وغصة…
" الجْدَي ما بيضل جْديَ" الجدي الصغير يكبر وبيير الصغير يكبر،
وزاهر لعجب جدته وفرحتها كبر وسمن أيضاً ( فهل حان وقت ذبحه؟!!).. كيف عثرت
عليه وسط الزحام والأيام، وكيف وصلت إليه في قلب باريس؟… إنها تتبعه وقت الشدة
وتحرسه بدعائها في كل مكان!
سرحت فرزانه تستحضر بيير لوتي وتقدمه لـ…الصديق الجديد
وأكملت…." بدأ بيير الشاب يكتب عن مشاهداته في الصحف والمجلات، وينشر القصص
والأشعار.. و.. بسرعة عُرف واشتهر، وعرف أكثر واشتهر أوسع عندما أُعطي وسام
جوقة الشرف وأصبح عضواً في الأكاديمية الفرنسية وهو لم يتجاوز الثلاثين. ثم
تزوج كما ينتظر، انتقى نصفه (الألطف) من عائلة أرستقراطية مهمة جداً".
لم يكن زاهر جاهلاً بلوتي، بما قام به حقاً أو نسب إليه، لكن لم
يسبق ( للصياد) أن سمع عنه من فم فرزانة بالتحديد، ومن بين شفتيها الشهيتين
بالذات، فلزم الصمت واستزاد! وفي الوقت الذي كان يتابعها بذلك الشغف الخاص الذي
مرّن ملامحه الذكية على النطق به، كان يضع النقاط الأخيرة على خطته النهارية.
"…استطاع لوتي عقد صداقات متينة وواسعة مع أناس عديدين في أرجاء
الأرض واكتشف في نفسه مقدرة خاصة على تعلم اللغات. ومع نضوجه المبكر بدأ مرحلة
القيام برحلات ذات صفة رسمية هدفها حيناً تقصي حقائق مُعينة وحيناً فضّ نزاع
مُستحكم. سافر مرات إلى تركيا وأكثر إلى الهند، ومرة أرسل إلى منطقة الباسك في
شمال إسبانيا. في الباسك أكل وشرب، استمتع وأمتع ورأى وتعقب.. وأيضاً تعرف إلى
فتاة أعجبته، بل ملكت عليه قلبه وما تملك النساء، فوسدها حقيبة سفر على شكل قلب
وعاد بها راكضاً يسبق ظله!
تعبت فرزانة من طول السفر، سفر لوتي وسفرها وراء سفره، وسفرها
المتردد إلى أحضان الرجل الذي ينادي بصمته دقات قلبها! وأعيتها الجرأة التي عاش
لوتي بها، وجرأتها على غير عادتها! وتابعت بتأمل:
" لم يبق العاشق أمره سراً دفيناً، أخبر زوجته عن فعل عيني
الإسبانية فيه وتأثيرهما عليه وعن غرامه بها ومن ثم زواجه الرسمي منها. .
تزوجها بالفعل وفتح لها بيتاً مستقلاً في مدينته البحرية قريباً من حيث يقيم مع
زوجته الأولى وولديهما". توقفت فرزانة قليلاً لتلتقط أنفاسها…وتلقي حجرها
الأخير:
" كان صريحاً وجريئاً، لم يخف عن زوجته شيئاً. إني معجبة به
أيما إعجاب، إنه بطلي بلا منازع! تصور يا زاهير، كل ذلك يجري في بداية القرن
الماضي في بلدة صغيرة لا مجال لحفظ الأسرار بين بيوتها وشوارعها، يجري لشخص
مشهور جداً ومعروف جداً ومحترم تماماً، إني معجبة به إلى أقصى حد، هكذا يكون
الرجال!"
أهمل زاهر حرف الياء الذي أضيف إلى اسمه سهواً أو تحبباً، وسأل
معلقاً أكثر منه مستفهماً:
" أحسب أن الصدق المطلق هو البطل هنا، أليس كذلك؟ لكن ما هي
البطولة من الناحية الإنسانية؟ سنناقش ذلك قريباً، إن تعذر وجها لوجه، فالبركة
في الرسائل الإلكترونية، ما رأيك؟"
وصلا شارع مونبارناس، سيتركها الآن ليلتحق بموعده الذي يبدأ في
مقهى الدوم، ثم ينتقل في أسرع وقت إلى مكان آخر. أوشك أن يطبع على وجنتها قبلة
مع السلامة أو إلى اللقاء، توقف قبل أن يكمل الحركة، أوشكت هي الأخرى أن تمد
عنقها لتطبع على خده كلمة أو كلمتين، لم تفعل. . شدّ على يدها…احمرت وجنتيها.
اقتربت، شدت على يده… دغدغ عطرها الناعم أنفه وقلبه، ومشيا مبتعدين، سيلتقيان
في المساء!
فجأة انطلقت في رأسه فكرة غريبة…ماذا لو استعار لسان لوتي
الصريح وتقفا خطى شفافيته ( التي نالت إعجابها الشديد!)، وقال بكل اللطف الذي
يغلف الاعترافات الخطيرة بين المتحضرين:
"عزيزتي الغالية، بعد نصف ساعة من الآن، بعد فنجان قهوة من غير
سكر، في ضوء النهار، بعيداً عن ستر الليل الكاذب، سأشتعل مع امرأة حتى
الاحتراق… سأمضي ساعتين في فراش صديقة لم أرها منذ شهرين فتمني لي ولها، من كل
قلبك المتسامح وقتاً طيباً حافلاً بمتعة السفر ولذة الوصول!". لو قال ذلك بتلك
البساطة والوضوح، هل يضمن أن يصبح مباشرة وبالتأكيد، بطلها الثاني؟!
*كاتب وطبيب سوري مقيم في لندن